حكايات رومانى مكرم 3
وقفت منى أمام رامي، الرجل الذي كان يمثل في خيالها يوماً ما باب الخروج من جحيمها، لكنها الآن تراه على حقيقته.. مجرد “ندبة” أخرى في حياتها.
نظر إليها رامي بطمع، ظناً منه أن اللحظة التي انتظرها لسنوات قد جاءت، وأن “صيده” أصبح سهلاً بعدما تركت بيت زوجها. مد يده ليأخذ منها الشنطة وهو يقول بنعومة:
— “خلاص يا منى، الحكاية انتهت. سيد طردك مش كدة؟ ولا عرف حاجة؟ المهم إنك دلوقتي حرة.. وأنا لسه عند وعدي، شقتي مفتوحة لك.”
نظرت منى ليده الممدودة، ثم رفعت عينيها لعينيه وقالت بصوت هادئ ومستقر:
— “أنت فاكر إني سيبت سيد عشان أجيلك يا رامي؟ أنت فاكر إن الـ 18 سنة ذل اللي عشتهم كانوا عشانك أنت؟”
ارتبك رامي وقال:
— “أنا قصدي إني هحاميكي.. أنا الوحيد اللي عارف قيمتك.”
ضحكت منى بمرارة وقالت:
— “أنت أكتر واحد رخصتني يا رامي. سيد ظلمني لما استغل غلطتي ودارى ورايا عيبه، لكن أنت كنت “الغلطة” اللي سمحت له يركب فوق رقبتي. أنت والساعة اللي قضيتها معاك في الفندق هما اللي خلوا سيد يقدر يحط المخدة بيني وبينه 18 سنة.”
ثم تابعت وهي تدفعه بعيداً عنها:
— “أنا مش خارجة من سجن سيد عشان أدخل سجنك. أنا النهاردة بس فهمت إنك أنت وسيد وجهين لعملة واحدة.. هو استغل ضعفي عشان يحمي رجولته، وأنت استغليت فراغي عشان ترضي شهوتك. امشِ من قدامي يا رامي، ومشوفش وشك تاني في حياتي.”
تركته واقفا مذهولاً، ومشت في طريقها وهي تشعر لأول مرة برياح الحرية تلمح وجهها. لم تذهب لبيت أبيها كما قالت لسيد، فهي تعلم أن أهلها سيجبرونها على العودة أو يجلدونها بكلامهم. ذهبت إلى شقة صغيرة كانت تملكها من ميراث أمها، شقة أغلقتها السنين وأكلها التراب.
بينما كانت منى تنظف شقتها الجديدة، كان سيد في البيت يواجه “أحمد” وابنته الصغيرة “هبة”.
أحمد كان ينظر لأبيه بنظرة غريبة، لم تكن نظرة كره، بل كانت نظرة “شفقة”.. وهي النظرة التي كان سيد يهرب منها طوال حياته.
قال سيد بضعف:
— “يا ابني أنا كنت بحافظ على شكل البيت.. كنت عايزها تفضل مكسورة عشان ما تفكرش تكررها.”
رد أحمد بصدمة:
— “كنت بتكسرها بالكدب يا بابا؟ كنت بتخلينا نشوفها وهي بتعيط ونقول “تستاهل” عشان هي اللي غلطت في حق الراجل “المثالي”؟ أنت مش بس خدعت أمي، أنت خدعتنا إحنا كمان.”
وفي منتصف الليل، رن جرس باب شقة منى الجديدة. فتحت الباب لتجد سيد واقفاً، لكنه لم يكن يحمل قناعه القديم. كان يحمل في يده “المخدة” القديمة التي مزقتها منى، بعد أن حاول جمع بعض ريشها.
نظر إليها وقال بصوت مكسور:
— “منى.. أنا مش قادر أنام في البيت والسر بقى برا الحيطان. أنا جيت أقولك حاجة واحدة.. أنا فعلاً قرفت، بس ما قرفتش منك.. أنا قرفت من نفسي.”
نظرت إليه منى بجمود، وسألته:
— “وجاي ليه يا سيد؟ عايزني أرجع أداري عليك تاني؟”
سيد نزل على ركبتيه أمام الباب وقال جملة قلبت كل الموازين:
— “أنا جيت أقولك إن التقرير اللي الدكتور قرأه.. مكنش التقرير الوحيد في الملف يا منى.”
**#الكاتب_رومانى_مكرم**
تجمدت منى في مكانها، وبردت أطرافها وهي تنظر لسيد الراكع عند قدميها. الكلمات خرجت من بين شفتيه كأنها اعتراف أخير من رجل يلفظ أنفاسه الأخيرة.
سألته بصوت يرتجف:
— “يعني إيه يا سيد؟ إيه اللي كان في الملف تاني والدكتور ما قالهوش؟”
سيد غمض عينيه بقهر، والدموع نزلت على وشه لأول مرة من سنين، وقال بصوت مخنوق:
— “الملف كان فيه تقرير تاني بتاريخ أحدث.. بعد الحادثة بتاعتي بسنتين. التقرير بيقول إن حالتي كانت بدأت تتحسن، وإني رجعت طبيعي بنسبة كبيرة.. يعني الـ 16 سنة الأخيرة، أنا ماكنتش عاجز يا منى.”
شهقت منى وتراجعت لورا وهي بتسند على الحيطة عشان ما تقعش. الصدمة المرة دي كانت أقوى من قدرتها على الاحتمال. همست بذهول:
— “يعني إيه؟ يعني أنت كنت سليم؟ كنت بتقدر تعيش معايا حياة طبيعية؟”
سيد هز راسه بالإيجاب وهو بيبكي بنحيب:
— “أيوه.. خفيت وبقيت كويس. بس كنت استحلفتلك.. كنت استمتعت بدور القاضي اللي بيجلدك كل يوم بنظراته. خفت لو رجعت لك طبيعي، تنسي غلطتك، أو ترفعي راسك في عيني تاني. حبيت أشوفك مكسورة، حبيت أحس إني بمتلكك بالذنب مش بالحب. المخدة اللي كانت بيننا، ماكانتش ساتر لعجز جسمي في السنين الأخيرة.. كانت ساتر لمرض قلبي وسواد نفسي.”
منى صرخت فيه بوجع هز جدران العمارة:
— “يا جبروتك يا شيخ! 16 سنة حارمني وحارم نفسك عشان تذلني؟ 16 سنة بتشوفني بدبل قدام عينك وبموت في اليوم ميت مرة وأنا فاكرة إني نجستك، وأنت كنت سليم وبتمثل؟ أنت كنت بتعاقبني ولا كنت بتنتقم من ربنا فيا؟”
سيد حاول يمسك إيدها وهو بيترجى:
— “كنت خايف تضيعي مني يا منى.. قولت الذنب هو الحبل اللي هيربطك في رقبة السرير ومايخليكيش تبصي لبره تاني. كنت فاكر إن كسر عينك هو الضمان الوحيد لولائك.”
منى نفضت إيده بقرف، وبصت له بنظرة خلت سيد يحس إنه هو اللي بقى “الحشرة” دلوقتي. وقالت له بصوت طالع من قاع جرح ملوش دواء:
— “أنت عارف يا سيد.. أنا لما خنتك، خنتك في لحظة جهل وضعف، وندمت عليها بكل ذرة في كياني. لكن أنت خنتني في كل ثانية، وفي كل لقمة أكلناها سوا، وفي كل نظرة عطف كنت بتمثلها قدام الناس. خيانتك أنت أبشع بكتير.. لأنها خيانة “عشرة” و”عيش وملح” و”روح” كانت بتتسحب مني بالبطيء وأنت بتتفرج ومبسوط.”
قامت منى وفتحت باب الشقة على آخره، وشاورت له لبره بجمود:
— “اخرج يا سيد.. اخرج وخد المخدة دي معاك. اخرج وقول للناس وللعيال إنك خفيت، وقولهم إنك كنت سليم، بس قولهم كمان إنك كنت ميت من جوه. أنا النهاردة مش بس طلقتك في قلبي.. أنا دفنتك.”
خرج سيد وهو بيجر أذيال الخيبة، والمخدة في إيده بقت زي الكفن.
لكن الحكاية لسه ما خلصتش.. لأن منى وهي بتقفل الباب، لقت رسالة محطوطة تحت العتبة، رسالة بخط إيد بنتها “هبة”، وفيها سر تاني هيغير مسار حياة منى للأبد.
**#الكاتب_رومانى_مكرم**
فتحت منى الرسالة بيد ترتعش، كانت تتوقع عتاباً من ابنتها أو توسلاً للعودة، لكن الكلمات المكتوبة بمداد القهر كانت زلزالاً آخر:
> “أمي.. أنا عارفة كل حاجة. مش بس اللي حصل في المستشفى، أنا عارفة السر اللي خلاه يفضل حاطط المخدة دي طول السنين اللي فاتت حتى وهو سليم. بابا ما كانش بيعاقبك أنتِ بس.. بابا كان بيعاقب نفسه فيكِ. يوم ما شفتك مع الراجل ده في المرج، أنا كنت هناك يا أمي.. كنت ماشية وراكي وأنا عندي 12 سنة، وشفتك وأنتِ بتقلعي الدبلة. بس اللي بابا ما يعرفوش، إني شفته هو كمان واقـف بعيد بيراقبك، وشافك وأنتِ طالعة، وما منعكيش.. سابك تطلعي عشان يمسك عليكي السكين اللي يدبحك بيها العمر كله.”
>
سقطت الورقة من يد منى. لم يكن سيد “ضحية” صدفة، بل كان “صياداً” صبر حتى تقع في الفخ ليضمن عبوديتها للأبد.
### المواجهة الأخيرة
عادت منى إلى بيت سيد للمرة الأخيرة، ليس لتعيش، بل لتبصق في وجه الخديعة. وجدت سيد جالساً في الصالة، وحيداً مع مخدته الممزقة. ألقت بالرسالة في حجره وقالت:
— “كنت واقف وشايفني؟ كنت تقدر تمنعني من أرخص لحظة في حياتي وتنقذ بيتك، بس فضلت إنك تخسر شرفك عشان تكسب “ذلّتي”؟”
سيد لم ينطق، كانت عيناه فارغتين، فقد سقطت كل الأقنعة ولم يبقَ إلا الحطام.
### النهاية
قررت منى ألا تعيش في جلباب الضحية مرة أخرى. لم تعد لرامي، ولم تبقَ مع سيد.
* **سيد:** عاش ما تبقى من عمره وحيداً، ينام في بيت واسع لكنه بارد كالقبر، يحيط نفسه بمخدات الصمت التي صنعها بيديه.
* **منى:** بدأت تعمل في مشغل خياطة صغير، استردت كرامتها بالعمل والتوبة الحقيقية بينها وبين الله، بعيداً عن “صكوك الغفران” التي كان يمنحها لها بشر كاذب.
* **الأبناء:** تعلموا الدرس الأقسى؛ أن البيوت التي تُبنى على “الذلة” و”كسر العين” هي بيوت أوهن من بيت العنكبوت، وأن الصدق -مهما كان مراً- هو الناجي الوحيد.
غادرت منى المنطقة كلها، وفي ليلة شتوية تشبه الليلة التي بدأت فيها مأساتها، أخذت تلك المخدة القديمة وأشعلت فيها النار في أرض خالية. راقبت الدخان وهو يتصاعد، وشعرت لأول مرة منذ 18 سنة، أنها تستطيع أن تنفس بعمق.. بلا قرف، وبلا ذنب، وبلا سيد.
## **تمت.**
**#الكاتب_رومانى_مكرم**