جوزى كلمنى 2

## الجزء الثالث: الانهيار

ساد الصمت في الصالون لدرجة أنني كنت أسمع دقات قلبي وهي تتسارع كطبلة حرب. فوزية هانم حاولت استعادة توازنها، فوقفت بجسد مرتجف وصاحت بصوت مخنوق:

— “كلام فارغ! أنت مين بعتك؟ أكيد هي اللي مأجراك عشان تنقذ نفسها بالفضيحة دي!”

المحامي لم يرمش له جفن، بل مد يده بالورقة الأصلية تجاه وائل. وائل الذي كان يقف كالمغيب، مد يده ببطء، وانتزع الورقة. كانت عيناه تتحركان بسرعة فوق السطور، وفجأة، سقطت الورقة من يده وكأنه لمس جمرة نار.

ارتمى وائل على المقرب خلفه، ودفن وجهه بين يديه وهو يهمس بذهول:

— “99.9%.. ياسين ابني!”

تعالت الهمسات في الغرفة مثل طنين النحل. العيون التي كانت تنظر إليّ باحتقار منذ دقائق، بدأت تزوغ في الأركان. لكن المحامي لم ينتهِ بعد. التفت إلى فوزية هانم وقال ببرود قاتل:

— “التزوير في أوراق رسمية جناية يا فوزية هانم.. والتحويل البنكي اللي خرج من حسابك الشخصي لمدير المعمل المتورط، مرصود ومثبت في الملف اللي معايا.”

هنا، انفجر البركان. نظرتُ إلى حماتي بصدمة، لم أكن أتخيل أن كرهها لي يصل إلى حد تدمير حياة ابنها وحفيدها وسمعتي. صرختُ فيها والدموع تحرق وجهي:

— “ليه؟ عملت لك إيه عشان تحاولي تذبحيني بالطريقة دي؟ ده حفيدك.. من دمك!”

فوزية هانم، وبدلاً من الاعتراف، نظرت إليّ بحقد وقالت بصوت مليء بالسم:

— “عشان أنتِ مش من مقامنا! وائل كان يستحق واحدة أحسن منك، واحدة من عيلة.. مش واحدة دخلت بيتنا عشان تسرق ابني مني!”

وائل رفع رأسه، وكان وجهه شاحباً كالموتى، نظر لأمه وكأنه يراها لأول مرة على حقيقتها، ثم نظر إليّ بنظرة ملؤها الندم والكسر. حاول أن يقترب مني وهو يمد يده:

— “نورا.. أنا.. أنا كنت غبي، صدقت الأوراق وشكي عمى عيني..”

تراجعتُ للخلف وأنا أحتضن ياسين الذي كان لا يزال يرتجف. في تلك اللحظة، لم أشعر بأي انتصار، بل شعرت بشرخ في روحي لا يمكن جبره.

لكن المحامي قاطع هذه الدراما العائلية مرة أخرى، واضعاً يده على الطاولة وقال بلهجة غامضة:

— “يا ريت توفروا العواطف دي للي جاي.. لأن التزوير مش هو الحكاية الوحيدة هنا. الأستاذ وائل، حضرتك كنت فاكر إنك بتعمل التحليل ده عشان تتأكد من نسب ابنك.. بس الحقيقة إن اللي دفع أمتك تعمل كدة مش مجرد كره لنورا.”

فتح المحامي الملف على صفحة أخيرة، ونظر إلى جده وائل القابع في صمت منذ البداية، ثم قال:

— “الموضوع أكبر من مجرد ‘كنة وحماة’.. الموضوع متعلق بالوصية اللي كتبها جدك، والشرط اللي فيها اللي كان لازم يتحطم عشان الورث كله يتحول لفرع تاني من العيلة.”

فجأة، قام ابن عم وائل، “خالد”، الذي كان يجلس في هدوء مريب طوال الوقت، وحاول التسلل للخروج من الصالون.

— “على فين يا أستاذ خالد؟” نادى المحامي بصوت حاد.. “إحنا لسه مخلصناش كلام عن دورك في تدبير المكالمة اللي قلبت المطبخ!” تابعو صفحه رومانى مكرم

## الجزء الرابع: خيوط اللعبة

تسمّر “خالد” في مكانه عند عتبة الباب، والتفت ببطء وجسده يرتجف، بينما كانت العيون كلها قد تحولت إليه كأنها فوهات بنادق. وائل، الذي كان غارقاً في ندمه، وقف فجأة ونظر إلى ابن عمه بذهول، وكأن قطع البازل بدأت تتجمع في عقله بشكل مرعب.

— “خالد؟” نطق وائل بصوت أجش. “أنت اللي أقنعتني إن نورا متغيرة.. أنت اللي جبتلي اسم المعمل ده وقلت لي إنه الأضمن في مصر!”

ضحك المحامي سخريةً، وتقدم خطوة نحو خالد وهو يخرج تسجيلات مطبوعة:

— “مش بس كدة يا أستاذ وائل.. الأستاذ خالد كان المنسق بين والدتك وبين مدير المعمل. الخطة كانت ذكية جداً؛ فوزية هانم تخلص من كِنتها اللي مابتطقهاش، وخالد يضمن إنك “تتبرأ” من ابنك قانونياً.”

صمت المحامي لحظة ليعطي الكلمات مفعولها، ثم أكمل وهو ينظر للجد:

— “لأن وصية الحاج (إسماعيل) واضحة.. الورث والشركة الكبيرة تروح لـ “وائل” وأبناء وائل من بعده. ولو وائل ملوش نسل، الورث كله يتنقل آلياً لـ “خالد” وأبوه. يعني بجرة قلم وتزوير تحليل، كان خالد هيبقى صاحب الملايين، وفوزية هانم هتخلص من نورا للأبد.”

انفجرت فوزية هانم في البكاء، لكنها لم تكن دموع توبة، بل كانت دموع الخزي بعد انكشاف المستور. صرخت في خالد:

— “أنت اللي قولت لي إن دي الطريقة الوحيدة! قولت لي إن نورا ناوية تطلق وتاخد نص ثروته وتمشي!”

نظرتُ إليهم جميعاً وأنا أشعر بالغثيان. هؤلاء هم “العيلة”؟ هؤلاء من ذهبت إليهم بقلب مفتوح؟ لقد كانوا ينهشون في لحمي ولحم ابني من أجل أرقام في البنوك.

وائل اندفع نحو خالد وجذبه من قميصه وهو يصرخ:

— “كنت هتخليني أرمي ابني في الشارع؟ كنت هتخليني أشك في شرف مراتي عشان شوية فلوس؟”

تدخل الأقارب ليفضوا الاشتباك، وساد الهرج والمرج في الصالون الذي كان منذ دقائق “محكمة” لإعدامي. وسط هذا الزحام، شعرتُ بيد باردة تلمس كتفي. التفتُّ فإذا به الجد (إسماعيل)، الرجل الذي كان صامتاً طوال الوقت.

نظر الجد في عيني بنظرة ندم عميقة، ثم قال بصوت هادئ لكنه مسموع وسط الفوضى:

— “يا بنتي.. أنا آسف. الفلوس عمت قلوبهم، والدم بقى مية.”

ثم التفت إلى وائل وصاح بلهجة آمرة:

— “سيب الكلب ده يا وائل.. الحساب مش هنا. الحساب في النيابة.”

هنا تدخل المحامي مرة أخرى، لكن نبرته تغيرت وأصبحت أكثر غموضاً وهو ينظر إليّ:

— “مدام نورا.. أنا قمت بمهمتي في كشف التزوير بناءً على تكليف من “جهة” تانية خالص غير اللي الكل متخيله. وفيه سر تاني لازم تعرفيه لوحدك قبل ما نمشي من هنا.”

سحبني المحامي بعيداً عن الضجيج، وفي يده ظرف صغير أسود، وقال بهمس:

— “المكالمة اللي جاتلك في المطبخ يا مدام نورا.. مكنتش من موبايل وائل الحقيقي. فيه حد كان مراقب البيت ده من شهور، والحد ده مستنيكي بره في العربية دلوقتي.”

تجمدت الدماء في عروقي. إذا كان وائل لم يتصل بي، فمَن الذي قلد صوته؟ ومَن هذا الشخص الذي يراقبنا ويحرك خيوط النجاة في اللحظة الأخيرة؟

أخذتُ ابني، وتجاهلت نداءات وائل المتكررة وهو يترجاني أن أسامحه، وخرجتُ من البيت بخطوات مسرعة نحو الشارع المظلم، حيث كانت تقبع سيارة سوداء زجاجها معتم، ينتظرني فيها السر الذي سيقلب حياتي مرة أخرى.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *