جوزى توفى حكايات امانى السيد 2

 

نزلت إليه والقلب يقرع صدري كالطبل. كان يقف بجانب سيارته في سكون الليل، ملامحه متعبة وعيناه تائهتان. لم يقل “أهلاً”، بل نظر إليّ طويلاً ثم قال بنبرة محطمة: **”أنا تعبت يا أم الأولاد.. بحس إني مجرد ماكينة صرافة في البيت، مفيش حد بيقدر، مفيش حد بيطبطب.”**

في تلك اللحظة، لم أكن الصديقة الوفية، بل كنت الصياد الذي ينتظر وقوع الفريسة. اقتربت منه ووضعت يدي على كتفه بلمسة خفيفة، وقلت له بصوت خفيض ملؤه الحنان: **”الحمل تقيل على كتافك وأنت شايل لوحدك.. في ناس حواليك عارفين قيمتك وبيقدروا تعبك، بس أنت اللي مش شايفهم.”**

ساد صمت طويل، تبادلنا فيه نظرات كانت تنطق بكل ما هو ممنوع. ومنذ تلك الليلة، انقلبت الآية؛ أصبح هو من يبحث عني، يهرب من “ضجيج” بيته ومطالب زوجته ليلجأ إلى “سكينة” بيتي وحسن استماعي.

### **اللعب على المكشوف**

بدأت اللقاءات تتكرر تحت مسميات واهية، مرة ليطمئن على الأولاد، ومرة ليحضر غرضاً “ناقصاً”. وكنت في كل مرة أزيده من سحري؛ أطبخ له الأكلات التي يحبها، أستقبله بأجمل ثيابي، وأجعل من الوقت الذي يقضيه معي رحلة استجمام ينسى فيها الدنيا وما فيها.

لكن “النغزة” في قلبي لم تكن قد ماتت تماماً، خاصة حينما كانت صديقتي تتصل بي وهي تبكي وتقول:

* “مش عارفة ماله يا فلانة.. بقى بارد، بقى بيغيب عن البيت كتير، ولما بيرجع بيبقى مش طايق كلمة من حد.”

* كنت أبتلع ريقي وأجيبها ببرود: “يمكن أزمة وتعدي، اصبري عليه، الرجالة ليهم تقلبات غريبة.”

كنت أعلم يقيناً أنني أنا “الأزمة” التي تمر بها حياتها، وأنا “التقلبات” التي تسكن رأس زوجها.

### **الفخ الأخير**

في أحد الأيام، جاءني وبيده علبة صغيرة، لم تكن قطيفة كالتي أهداها لها، بل كانت مغلفة ببساطة. فتحها فإذا بها سلسلة رقيقة جداً، لكنها تحمل قلادة على شكل “مفتاح”.

قال لي بنبرة جادة لم أعهدها: **”المفتاح ده مش بس للسلسلة.. ده مفتاح لراحتك وأمانك يا فلانة. أنا قررت إني مش هقدر أسيبك لوحدك أكتر من كده، ولازم نلاقي وضع يخلينا سوا بشكل رسمي.. بس خايف من المواجهة.”**

شعرت بنصر زائف يملأ كياني، لكن في تلك اللحظة بالذات، رن جرس الباب بعنف وإصرار. نظرت من “العين السحرية” فكانت الصدمة التي جمدت الدماء في عروقي.. كانت صديقتي تقف على الباب، ووجهها يحمل تعابير لم أرها من قبل؛ مزيج من الانكسار، واليقين، والغضب الذي يسبق العاصفة.

التفت إليه بهلع وأنا أهمس: **”دي مراتك.. هي على الباب!”**

ارتبك وشحب لونه، وبدأ يبحث عن مكان يختبئ فيه أو مخرج يفر منه، بينما كان طرقها على الباب يتحول إلى صرخات تنادي باسمي وباسمه.

انكشف المستور، وانهار الجدار الذي كنت أحتمي خلفه، ووجدت نفسي وجهاً لوجه أمام الحقيقة التي حاولت الهروب منها: أنني على وشك أن أخسر كل شيء، في سبيل الحصول على رجل لم يكن يوماً لي.

 

## الجزء الخامس: حطام الأقنعة

تجمّد الزمان والمكان للحظات. الطرقات على الباب لم تكن مجرد خبطات من يدٍ غاضبة، بل كانت معاول تهدم كل ما بنيته من خطط وأحلام زائفة. ارتباكه وهو يبحث عن مهرب داخل أركان بيتي الضيق جعلني أرى الحقيقة عارية؛ هذا الرجل “السند” الذي كنت أطمح إليه، بدا في تلك اللحظة صغيراً جداً، مهزوزاً، يخشى مواجهة الحقيقة التي صنعناها معاً.

فتحتُ الباب بقلبٍ يرتجف، وقبل أن أنطق بكلمة، كانت هي قد اقتحمت المكان. لم تكن تبحث عن دليل، بل كانت تبحث عن “يقين” يكسر ما تبقى من كرامتها. وقع بصرها عليه وهو يقف خلف منضدة الطعام، منكس الرأس، وبجانبه العلبة المفتوحة وسلسلة “المفتاح”.

### **المواجهة المرة**

ساد صمتٌ قاتل، لم يقطعه سوى صوت أنفاسها المتسارعة. نظرت إليّ نظرةً لم أرها في حياتي، نظرة لم تكن تحمل كراهية بقدر ما كانت تحمل “خيبة” بحجم السماء.

* قالت بصوت مخنوق بالدموع: **”المفتاح يا فلانة؟ ده المفتاح اللي كنتِ ناوية تفتحي بيه بيتك على أنقاض بيتي؟”**

* التفتت إليه وقالت بمرارة: **”وأنت يا أبو ولادي.. يا اللي كنت بتقول إنها أختك الغالية ومصارفها هي ومصاريف ولادها دين في رقبتك.. طلع الدين له تمن غالي قوي!”**

حاول هو أن يتكلم، أن يبرر، أن يقول إنها كانت “لحظة ضعف”، لكن الكلمات ماتت على شفتيه. أما أنا، فوجدت نفسي عاجزة عن تمثيل دور “المظلومة” هذه المرة. الأقنعة سقطت، ووجه “المرأة المحتاجة” الذي كنت أرتديه، ظهر الآن كوجه امرأة خانت اليد التي امتدت إليها لتنتشلها.

### **رحيل الستر**

لم تصرخ، ولم تفتعل فضيحة يسمعها الجيران، بل فعلت ما هو أقسى من ذلك بكثير. خلعت “السلسلة الذهب” التي كانت تلبسها في رقبتها، السلسلة التي كانت شرارة الغيرة في قلبي، وألقتها على الطاولة بجانب العلبة الجديدة.

قالت ببرود شديد: **”خديها يا صاحبتي.. مبروك عليكي السلسلة، ومبروك عليكي الراجل اللي هيفضل طول عمره يشوف في وشك لحظة غدره بيا، وهفضل أنا أشوف في وشه لحظة كسره ليا.”**

خرجت من البيت بخطوات ثقيلة، تاركة خلفها حطاماً لا يمكن إصلاحه. التفتُّ إليه أنتظر منه كلمة، أو أن يضم أطفالي، أو أن يقول إننا سنبدأ معاً.. لكنه لم يفعل. نظر إلى السلسلة الملقاة على الطاولة، ثم نظر إليّ، ورأيت في عينيه “ندماً” لم يكن عليّ، بل على نفسه وعلى بيته الذي انهار في لحظة طمع.

### **النصر المهزوم**

في تلك الليلة، غادر هو أيضاً. لم يقل سأعود، ولم يقل وداعاً. بقيت وحدي في الصالة، أنظر إلى السلسلتين على الطاولة. لقد حصلتُ على ما أردت، خلقتُ الشرخ، وحطمتُ الصورة المثالية لصديقتي، وأصبح الطريق إليه خالياً.. لكنني شعرت لأول مرة أن البيت أصبح أكثر ضيقاً، وأن “الأمان” الذي كنت أبحث عنه، قد هرب من النافذة في اللحظة التي دخلت فيها الخيانة من الباب.

بدأ الصراع في داخلي يأخذ شكلاً جديداً؛ هل سيكمل معي بدافع الذنب؟ أم سيهرب مني لأنني أصبحت أذكره بخطيئته؟ والأهم من ذلك كله، كيف سأواجه أطفالي حين يسألونني: “أين ذهبت طنط فلانة؟ ولماذا لم يعد عمو فلان يبتسم لنا كالسابق؟”

 

## الجزء السادس والأخير: ثمن السراب

مرت الشهور، وتحقق ما كنت أظنه “حلماً”. تزوجنا رسمياً، لكن لم تكن هناك زفة، ولا زينة، ولا ضحكات تملأ الأرجاء. انتقلتُ من دور “الصديقة المكلومة” إلى دور “الزوجة الثانية”، واكتشفتُ حينها أن المكانة التي كنت أحسد صديقتي عليها لم تكن مرتبطة بالرجل، بل كانت مرتبطة بـ “الصفاء” الذي كان يجمعهما.

أصبح وجوده في بيتي باهتاً. كان يأتي إليّ هرباً من نظرات أولاده الذين قاطعوه، ومن دموع زوجته التي لم تسامحه. لم أعد أرى في عينيه تلك “الشهامة” التي سحرتني؛ بل رأيت رجلاً مثقلاً بالندم، ينظر إليّ أحياناً وكأنني “الفخ” الذي سقط فيه، وليس المرفأ الذي اختاره.

### **الحصاد المر**

صديقتي، التي كنت أظن أن حياتها ستتوقف بعدي، أغلقت بابها تماماً. لم تفتعل معارك، بل اختارت “الترفع”. رأيتها ذات مرة في الشارع صدفة، كانت تبدو أكثر قوة، وأكثر وقاراً، رغم الحزن الساكن في عينيها. نظرتْ إليّ وكأنني فراغ، كأنني لم أكن يوماً مستودع أسرارها. في تلك اللحظة، شعرت بفقر حقيقي لم تداوه الأموال التي أصبح زوجها يغدقها عليّ؛ فقر الروح، وفقدان السكن.

أولادي أيضاً لم يجدوا فيه “الأب” الذي تمنوه. كان يعاملهم بحذر، وبنوع من الواجب الثقيل، وكأن كل قرش يدفعه لهم يذكره ببيته الأول الذي تصدع. غابت الألفة، وحلّ محلها صمتٌ ثقيل يقطعه فقط صوت التلفاز أو طلبات المنزل.

### **نهاية الطريق**

في ليلة باردة، وقفتُ أمام المرآة وأنا أرتدي السلسلة التي كانت يوماً سبباً في كل هذا. لم تعد تلمع كما كانت في رقبة صديقتي. أدركتُ حينها أنني لم أكن أريد “الرجل”، بل كنت أريد “حياتها”، والحياة لا تُسرق. يمكنك أن تأخذ الزوج، والمصروف، والسلسلة.. لكنك لن تأخذ أبداً “البركة” التي كانت تحيط بهم.

جلستُ وحيدة في صالة بيتي الذي أصبح موحشاً رغم وجود “الرجل” فيه، وأدركتُ أنني خسرتُ كل شيء:

* خسرتُ نفسي التي كانت يوماً عزيزة.

* خسرتُ الصديقة التي كانت لي أختاً.

* وخسرتُ حتى تلك الذكرى الجميلة لزوجي الراحل، بعدما لوثتُ بيته بخيانة الأمانة.

نظرتُ إلى السلسلة في المرآة، وبدأتُ أبكي.. ليس شوقاً لأحد، بل ندماً على امرأة كانت تملك “الرضا” فاستبدلته بـ “السراب”. لقد حصلتُ على كل شيء بالورقة والقلم، لكنني في الحقيقة، لم أحصل على أي شيء.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *