حكايات اسما السيد 2

**الجزء الثالث**

انطلقت سيارة الدفع الرباعي التابعة لقطاع العمليات الخاصة تشق ظلام القاهرة بسرعة جنونية، تتبعها ثلاث سيارات مدنية مصفحة دون استخدام صفارات الإنذار. كانت الشوارع الخارجة باتجاه طريق السويس شبه خالية، والأضواء الخافتة على جانبي الطريق تتلاشى متراجعة وكأنها أطياف تهرب من مصير مجهول.

كنت أجلس في المقعد الخلفي لسيارة القيادة، محشورة بين أجهزة الاتصال اللاسلكية العسكرية وشاشات المراقبة التي تنبض بنقاط خضراء وحمراء. كان الهواء داخل السيارة مشحوناً برائحة العرق والبارود، وتوتر لا يمكن وصفه. كان المقدم أحمد ناصر يجلس في المقعد الأمامي، يمسك بيده جهاز اللاسلكي ويردد تعليمات صارمة بصوت خفيض ونبرة حاسمة.

— “مجموعات المداهمة (أ) و(ب)… الوصول للقطاع خلال أربع دقائق. التمركز خلف الساتر الترابي جنوب المنطقة بـ 300 متر. لا إضاءات، لا تحريك للآليات، وإيقاف المحركات فور الوصول. الهدف تحت التهديد المباشر، وأي خطأ يعني تصفية المحتجز.”

تطلعتُ عبر الزجاج الأمامي للسيارة. كانت أرقام الساعة الرقمية على لوحة القيادة تشير إلى الواحدة والنصف صباحاً. تبقت ساعة واحدة فقط على مهلة المائة وعشرين دقيقة التي حددها المتصل المجهول. قلبي كان يقرع قفصي الصدري كطبول الحرب، ويداي المتصلبتان فوق ركبتي لا تتوقفان عن الارتجاف.

— “مدام مريم…”، التفت إليّ المقدم أحمد وهو ينظر عبر المرآة العاكسة بنبرة حاول أن يجعلها مطمئنة. “فريق القناصة أخذ مواقعه بالفعل على مبنى مصنع السيراميك المهجور المقابل للموقع. نحن نتعامل مع خلية محترفة، لكن ميزة المفاجأة الآن في جانبنا. هم يعتقدون أنكِ تجرين الشقة بحثاً عن الفلاشة، ولا يتوقعون إطلاقاً أننا على بعد أمتار منهم.”

— “المهم أن يكون كريم حياً…”، همستُ والدموع تحرق جفني. “أخشى أن يكونوا قد أدركوا خدعة الورد… أو أن يكون كريم قد أخطأ في إخفاء أثره.”

قبل أن يجيبني الضابط، أضاءت الشاشة المحمولة الموضوعة بيننا، وبدأ الفني التقني يضغط بسرعة على لوحة المفاتيح.

— “سيدي المقدم!”، قال الفني بحدة وهو يشير إلى نقطة حمراء بدأت تتحرك بصعوبة على شاشة الخريطة. “إشارة شريحة التتبع المصغرة داخل الفلاشة تغيرت! تذبذب التردد يعني أن الهاتف أو الجهاز المستقبل المربوط به الشريحة يتم تحريكه الآن داخل الهنقر الرئيسي… هناك حركة غير طبيعية داخل الموقع!”

انقبض صدري. “هل ينقلونه لمكان آخر؟”

— “تسريع الخطوات!” أمر المقدم أحمد عبر اللاسلكي بصوت يطفح بالحرص. “الوحدة (ج)، اغلقوا المخرج الخلفي للمنطقة الصناعية فوراً! لن ننتظر انتهاء مهلة الساعتين.”

توقفت سيارتنا على بعد بضعة أمتار خلف سور خرساني متهدم يحيط بمجموعة من المخازن القديمة المهجورة التي يعود تاريخها لتسعينيات القرن الماضي. كانت المنطقة نائية تماماً، تسكنها الرياح الشديدة ورائحة الغبار والمخلفات الصناعية. الأرض كانت مغطاة بالحصى والرمال، والصمت الذي يلف المكان كان صمتاً مائتاً يثير الرعب في النفوس.

هبط رجال العمليات الخاصة من السيارات في لمس البصر، يرتدون أقنعتهم السوداء ودروعهم الواقية، ويحملون أسلحة آلية مزودة بمشاط أفقية وكشافات ليزرية دقيقة. تحركوا كالأشباح في الظلام، يتسللون بين الهياكل الحديدية والسيارات المتهالكة المتروكة في الساحة.

بقيتُ داخل السيارة برفقة الفني التقني وأحد الضباط المكلفين بحمايتي. أخرج الضابط شاشة مصغرة تنقل بثاً حياً من الكاميرا الحرارية المثبتة على خوذة قائد مجموعة المداهمة.

على الشاشة باللونين الأبيض والأسود، ظهرت اللوحة الخارجية للهنقر الضخم. كانت الجدران الصاجية للمبنى المتهالك تتراقص تحت إضاءة القمر الخافتة. اخترقت الكاميرا الحرارية الجدران لتكشف عن وجود أربعة أشباح حرارية داخل المبنى: ثلاثة أشخاص يقفون بثبات ويمسكون بأسلحة طويلة، وشخص رابع جالس على كرسى في منتصف القاعة، مكبل اليدين من الخلف ورأسه مائل إلى الأسفل.

— “هذا كريم!” صرختُ بصوت مكتوم وأنا أضع يدي على فمي. “هذا هو… إني أعرف هيئة كتفيه!”

كان كريم جائثاً على الكرسي، ينزف ظاهرياً من جبهته، ملابسه المخصصة للسفر مزقة عند الكتف. لكنه كان حياً… كان الجسد الحراري يرتفع وينخفض بدلالة على تنفسه المتلاحق.

وعلى مقربة منه، كان هناك رجل طويل القامة يرتدي معطفاً ثقيلاً، يذرع القاعة جيئة وذهاباً وهو يمسك بهاتف محمول، يتحدث بحدة ويشير بيده الأخرى نحو رأس كريم.

في تلك اللحظة بالذات… وفيما كانت قوة المداهمة تتخذ مواضع الاختراق عند الأبواب الصاجية والمنافذ الخلفية… رن هاتف سيارة المباحث المزيف!

كانت المكالمة الثانية من الخاطف!

نظر الضابط المعاون إليّ بسرعة، ثم فتح مكبر الصوت وهز رأسه موجهاً إياي بالكلام.

— “ألو…” قلتُ بصوت متقطع، محاولة إظهار قدر هائل من الخوف والارتباك. “أنا… أنا أبحث في كل مكان! قلبتُ الشقة رأساً على عقب ولم أجد الفلاشة الفضية! كريم لم يترك شيئاً هنا… أرجوك لا تؤذوه، خذوا أي مبلغ تريدونه، سأبيع البيت والسيارة!”

جاء صوت الخاطف المبحوح عبر الجهاز، لكن هذه المرة كان فيه شيء مختلف… صمت لثانية، ثم جاءت ضحكة سخرية ثقيلة مرعبة جعلت فرائصي تتجمد.

— “تمثيلية جيدة يا مدام مريم…” قال الصوت بنبرة هادئة ومسمومة جعلت الدم يتجمد في عروقي. “لكنكِ لستِ ممثلة بارعة بما فيه الكفاية. هل تعتقدين أننا غبيان؟ هل تظنين أننا لم نلاحظ سيارات المباحث التي تحيط بالمنطقة الصناعية الآن؟”

سقطت قطرة عرَق باردة من جبهتي. كيف عرفوا؟!

— “أنتِ لم تجدي الفلاشة في البيت…” استطرد الصوت بثقة مرعبة، “لأن كريم العبقري اختبأ بها داخل البوكيه، وأنتِ سلمتِ الإحداثيات للشرطة بدلاً من أن تأتي بها بمفردكِ. زوجكِ ظن أنه أذكى منا… لكنه نسى أننا نراقب البث المباشر للكاميرات المتروكة حول بنايتكِ منذ لحظة وصول بائع الورد!”

تجمهرت الأنفاس داخل السيارة. صرخ الضابط المعاون في اللاسلكي: “أحمد ناصر! لقد اكتشفوا وجودنا! اقتحموا الآن! اقتحموا فوراً!”

وفي جزء من الثانية، تحول الصمت القاتل للصحراء إلى جهنم حمراء!

صوت انفجار مدوٍّ هز أركان المنطقة حين استخدمت قوات العمليات الخاصة عبوات التفجير الجداري لخلع الأبواب الحديدية للهنقر. تناثرت القنابل الضوئية والصوتية داخل المبنى، متبوعة بأصوات إطلاق نار كثيف ومتلاحق بين رجال الشرطة والخاطفين.

تراشقت أضواء الليزر الخضراء والحمراء عبر الفتحات الصاجية للمخزن، وصراخ الرجال وأصوات الرصاص المتطاير كانت تخرق الآذان.

لم أستطع البقاء داخل السيارة. رغم صراخ الضابط المعاون لي بالبقاء، فتحتُ باب السيارة وقفظتُ منها نحو الأرض الرملية، وأنا أركض بكل ما أوتيت من قوة نحو الهنقر المشتعل بالأضواء والدخان.

— “كريم! كريك!” كنتُ أصرخ باسمه بأعلى صوتي والدموع تعمي بصري، والريح تضرب وجهي بالرمال.

وصلتُ إلى مشارف الباب الخرائب المفتوح. كانت جثتان من أفراد العمارة المسلحة ملقاتين على الأرض وسط برك من الدماء، بينما كان رجال الشرطة يسيطرون على الموقف ويؤمنون الزوايا. كان الدخان الأبيض الناجم عن قنابل الغاز يملأ المكان، ورائحة البارود المحترق تخنق الأنفاس.

في منتصف المخزن، وسط الركام والحديد الصدئ، كان كريم لا يزال مربطاً إلى الكرسي. وكان المقدم أحمد ناصر يقف بجواره، يجثو على ركبتيه ويحاول فك القيود الحديدية عن يديه المخضبتين بالدماء.

— “كريم!” ركضتُ نحوه وألقيتُ بنفسي بين أحضانه دون اهتمام بالدماء أو البارود أو رجال الشرطة المحيطين بنا.

رفع كريم رأسه بصعوبة. كانت عينه اليمنى متورمة ومغلقة، وشفته شائكة بجرح عميق، لكن ابتسامته الهادئة ذاتها التي أعرفها منذ عشر سنوات ارتسمت على وجهه المرهق.

— “كنت أعلم…” همس كريم بصوت متقطع وهو يضع رأسه على كتفي. “كنت أعلم أنكِ ستعدين الوردة المئة… وأنكِ لن تنسي شفرتنا القديمة يا مريم.”

انهارتُ بالبكاء وأنا أقبل رأسه ويديه المربوطتين: “لماذا فعلت هذا بنفسك؟ كيف خاطرت بحياتك وجعلتهم يحضرون الورد إلى بيتنا؟”

نفث كريم نفساً ثقيلاً وقال وهو ينظر إلى المقدم أحمد: “لم يكن أمامي خيار… عندما اعترضوا طريقي وأنا في طريقي للمطار، علمتُ أن التخريب لم يكن مجرد سرقة ملفات… كانت عملية تصفيات كاملة. وكان عليّ إيصال الفلاشة التي تحتوي على الدلائل القاطعة لإدانتهم إلى أيدٍ أمينة.”

— “ومن كان العقل المدبر يا مهندس كريم؟” سأل المقدم أحمد وهو يرفع كريم ليقف على قدميه بمساعدتنا. “من الرجل الذي كان يتحدث بالهاتف؟”

نظر كريم نحو الزاوية المظلمة للمخزن، حيث كان هناك باب خلفي مكسور يؤدي إلى مجرى مائي قديم، ثم قال بنبرة يملؤها الحزن والخذلان:

— “لم يكن غريباً يا حضرة الضابط… العقل المدبر هو المهندس طارق… شريكي ونائب رئيس مجلس إدارة الشركة. هو من كان يبيع البيانات، وهو من دبر خطفي ليجبرني على فتح التشفير الداخلي لحسابات العُملاء قبل أن يصفيني ويظهر الأمر وكأنه حادث اختطاف بدافع الفدية!”

— “طارق؟!” صرختُ بذهول. طارق كان صديقنا المقرب! هو من زارنا في البيت الأسبوع الماضي وتناول معنا العشاء!

— “نعم… طارق”، قال كريم وهو يمسك بجنبه المتألم. “وللأسف… طارق لم يكن يقاتل هنا في الداخل. الرجل الذي كان يتحدث بالهاتف وتمكن من الهرب عبر المجرى المائي قبل الاقتحام بثوانٍ… هو طارق نفسه!”

في هذه اللحظة، اقترب أحد الضباط وهو يحمل جهاز لاسلكي، وعلى وجهه علامات الاضطراب الشديد.

— “سيدي المقدم أحمد!” قال الضابط بسرعة. “لقد تمكن المجهول الهارب من استقلال سيارة كانت تنتظره خلف السور الجانبي… وهو الآن يتجه بسرعة جنونية نحو وسط المدينة!”

— “تتبعوه فورا!” صرخ المقدم أحمد.

— “سيدي…” قاطعه الضابط بصوت مرتجف وهو ينظر إليّ وإلى كريم، “الهارب أرسل رسالة نصية قصيرة للتو على هاتف مدام مريم المتروك في سيارة القيادة… رسالة تحتوي على مؤقت زمني وصورة!”

انتزع المقدم أحمد الهاتف وركضنا جميعاً خلفه لنطلع على الرسالة.

فتحنا الشاشة… كانت هناك صورة التقطت قبل دقائق معدودة فقط من كاميرا مراقبة داخلية حية… صورة تظهر الشقة الخاصة بنا، بيتنا، والورد الأصفر المتناثر على طاولة الطعام!

وتحت الصورة، كانت هناك رسالة كتب فيها طارق:

*”تظنون أنكم فزتم لأنكم أنقذتم كريم؟ الورد الأصفر لم يكن مجرد شفرة مكان يا كريم… الوردة رقم مئة التي تركتها في منتصف الطاولة، تحتوي على صمام تفجير حراري صغير تم تفعيله عن بعد بمجرد خروجكم من الشقة. معك تسع دقائق فقط قبل أن يتحول بيتكما وما حوله إلى رماد… إلا إذا سلمتموني الفلاشة الآن في منتصف ميدان التحرير!”*

نظرنا جميعاً إلى الشاشة بذهول مطلق. المؤقت الزمني كان ينخفض بسرعة مرعبة:

**08:59… 08:58… 08:57…**

تجمعت الدموع في عين كريم، ونظر إليّ بعينين يملؤهما الرعب الحقيقي هذه المرة: “مريم… الجيران… الأطفال في البناية… البيت سيتفجر!”

**الجزء الرابع**

التجمد سرى في عروقي، والأنفاس تكاد تنقطع من صدري.

تسع دقائق فقط؟! المؤقت الرقمي المشتعل على شاشة الهاتف كان ينزل بثبات مرعب: **08:45… 08:44… 08:43…**

كل ثانية تمر كانت تعني اقترابنا من كارثة محققة. شقتنا الكائنة في قلب المبنى السكني، والأسرة البريئة التي تسكن في الشقق المجاورة، والأطفال الذين يلعبون في الشارع أسفل البناية… كلهم سيتحولون إلى مجرد رماد بسبب حقد أسود وعدم اعتراف بالهزيمة من مجرم مهووس يدعى طارق.

— “حضرة المقدم!” صرخت بصوت يمزقه الرعب والهلع وأنا أشير إلى المؤقت. “الوقت ينفد! ماذا سنفعل؟ لا يمكننا الوصول إلى المعادي في غضون ثماني دقائق، وطارق يبتزنا بالفلاشة!”

تقدم المقدم أحمد بسرعة، وعيناه تشتعلان حزماً رغم صعوبة الموقف. التفت إلى فني الأدلة الرقمية الذي كان يرتجف خوفاً بجانب الأجهزة:

— “هل هناك أي طريقة لتعطيل الإشارة لاسلكياً؟ هل تستطيع اختراق التردد وإيقاف المؤقت من هنا؟”

هز الفني رأسه بيأس مطبق، ووجهه مصفر كالأموات:

— “مستحيل يا سيدي! الشريحة مزودة بنظام تشفير عسكري وبروتوكول تدمير ذاتي متطور. أي محاولة لاختراق الإشارة عن بُعد ستؤدي إلى تفريغ الشحنة الكهربائية للبطارية فوراً، وهذا يعني… الانفجار الفوري!”

شعر كريم بدوار شديد، وسند يديه على غطاء سيارة المباحث، بينما كانت الدماء تسيل من جبينه. نظر إليّ بنظرة مليئة بالأسى والانكسار، وقال بصوت متحشرج:

— “المصيبة أن طارق محق… الفلاشة بحوزتنا، وهي الحل الوحيد لإدانته أمام مجلس إدارة الشركة والجهات القضائية، وإذا سلمناها له… سينجو بجري\مته ويغادر البلاد، وسنعيش بقية حياتنا ملاحقين منه… لكن إذا رفضنا… فسنفقد أرواح الأبرياء في بيتنا!”

كان الاختيار أقسى من أن يتحمله عقل بشري. هل نضحي بالأدلة التي تثبت براءة كريم وتدين العصابة لإنقاذ الأرواح، أم نتصل برجال الحماية المدنية ونج المخاطرة؟

— “كم تبقى من الوقت؟” سأل المقدم أحمد بصوت حاد وهو يمسك بجهاز اللاسلكي.

— “ست دقائق وثلاثون ثانية!” أجاب الفني وعيناه مثبتتان على الشاشة.

في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كان شبح الموت يلوح في الأفق، لمعت في عقل كريم فكرة مجنونة. رفع رأسه بسرعة، وعيناه تتسعان ببريق الأمل والذكاء الذي عهدته فيه دائماً.

— “انتظر يا أحمد… انتظر!” قال كريم وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة.

— “ماذا هناك يا كريم؟ هل فكرت في شيء؟” سألتُه بلهفة وأنا أمسك بذراعه.

— “نعم!” قال كريم وثقة مفاجئة تسري في صوته. “الفلاشة… الفلاشة التي بحوزتنا ليست سوى نسخة احتياطية مشفرة، صحيح أنها تحتوي على الأدلة، لكن طارق لا يعرف أن النظام الأساسي للخوادم مبرمج بنسخة سحابية متزامنة تلقائياً مع خوادم الأمن السيبراني الرسمية للدولة منذ الساعة الثانية صباحاً!”

— “تقصد…” قال المقدم أحمد وهو يدرك المعنى بذكائه الأمني.

— “أقصد أننا لسنا بحاجة لتسليم الفلاشة الحقيقية له كي ينقذنا!” قال كريم بحماس وصرامة. “النسخة السحابية الآن في أيدي الجهات المختصة، وطارق لا يعلم ذلك لأنه كان مشغولاً بمراقبتنا واختطافي طوال الليل! كل ما نحتاجه الآن… هو إعطاؤه ما يظن أنه الفلاشة، ولكن…”

— “ولكن ماذا؟”

— “ولكن بنسخة تالفة ومبرمجة لتعطي أمراً وهمياً، وفي نفس اللحظة… نقوم بعملية خداع تكتيكي!”

أسرع المقدم أحمد وتحدث في جهازه اللاسلكي بقوة:

— “وحدة العمليات الخاصة! استمعوا إلي جيداً! لدينا بلاغ بوجود عبوة ناسفة داخل الشقة السكنية للمهندس كريم في حي المعادي، ولدينا مهلة أقل من ست دقائق. تحركوا فوراً باتجاه الشقة، ونسقوا مع خبراء المفرقعات وشرطة النجدة لإخلاء المبنى بالكامل وتطويق الشارع دون إطلاق أي صفارات إنذار قد تستفز المنفذ إن كان يراقب المكان!”

ثم التفت إلى الفني التقني:

— “أسرع! أحضر لي إحدى فلاشات الميموري الفارغة من حقيبة المعدات… بسرعة البرق!”

خلال ثوانٍ معدودة، ناول الفني الفلاشة الفارغة لكريم. جلس كريم على ركبتيه على الأرض، وفتح حاسوبه الشخصي المدمج، ووصل الفلاشة، وبدأ يكتب سطوراً برمجية معقدة بسرعة جنونية أصابع يديه تكاد تطير على لوحة المفاتيح.

كان المؤقت يتحرك بلا رحمة: **04:15… 04:14… 04:13…**

— “ماذا تفعل يا كريم؟” سألتُ بخوف.

— “أضع شيئاً ظريفاً لطارق…” أجاب دون أن يرفع عينيه عن الشاشة. “برمجت الفلاشة بحيث إذا قام بفتحها على حاسوبه الخاص لفك التشفير، سيرسل النظام تلقائياً إحداها كود استجابة يعطل شريحة التتبع الحرارية الخاصة به ويسجل موقعه الجغرافي الدقيق على شاشات المباحث في نفس اللحظة… بالإضافة إلى رسالة صغيرة تقول له: (لقد انتهى ألعابك يا طارق).”

— “أربع دقائق!” صاح الفني.

في هذه الأثناء، جاء صوت عبر جهاز اللاسلكي للمقدم أحمد من قوة المعادي:

— “سيدي المقدم! نحن أمام المبنى السكني. تم إخلاء جميع السكان بهدوء تام دون إثارة ذعر، وخبراء المفرقعات وصلوا الباب الرئيسي للشقة ويستعدون للاقتحام والتعامل مع الوردة المفخخة!”

— “ممتاز!” أجاب المقدم أحمد بصرامة. “تأكدوا من عدم وجود أي شخص في محيط الشقة، وعندما أعطيكم الإشارة… قوموا بتجميد العبوة أو فصل التيار الكهربائي الرئيسي عن الشقة بالكامل لتعطيل أي دائرة لاسلكية تعتمد على شبكة المنزل!”

— “تم الانتهاء!” صرخ كريم وهو ينزع الفلاشة الفارغة من الحاسوب، ويهتف بلهفة: “الفلاشة جاهزة. وطارق، بحسب تتبعنا لهاتفه الذي يستخدمه في إرسال التهديدات، يقف الآن بسيارته في مقهى قريب من ميدان التحرير بانتظار استلامها!”

أخذ المقدم أحمد الفلاشة من يد كريم بسرعة البرق، والتفت إلى أحد ضباط المخابرات المرافقين:

— “تحرك فوراً بدورية مدنية إلى ميدان التحرير، إلى المقهى المحدد. اعتقلوا طارق ولا تتركوه يلتقط أنفاسه… وأخبروا خبراء المفرقعات في شقة المعادي أن يباشروا تعطيل العبوة الآن!”

— “ثلاث دقائق وثلاثون ثانية!”

ركض الضابط وصعد إلى سيارة أخرى انطلقت كالصاروخ باتجاه وسط المدينة.

وفي نفس اللحظة، جاء الصوت عبر اللاسلكي من شقة المعادي:

— “سيدي المقدم… نحن داخل الشقة. الوردة المشبوهة موضوعة في منتصف طاولة السفرة… المؤقت على وشك الانتهاء! ثلاث دقائق… قطَعنا التيار الكهربائي عن الشقة بالكامل… خبراء المفرقعات يباشرون الفك الآن!”

وقفتُ بجانب كريم، ممسكة بيده بقوة لدرجة أن أظافري كادت تغوص في جلده. كنا نراقب الشاشة على جهاز المباحث. المؤقت كان ينخفض:

**02:00… 01:50… 01:30…**

كانت الأنفاس محبوسة في صدور الجميع. كل ثانية كانت تساوي عمراً كاملاً. تذكرت بيتنا، ذكرياتنا، الأثاث الذي جمعناه حجرآ بحجر، حياتنا الهادئة التي كادت أن تتدمر في ليلة واحدة بسبب جشع شخص خائن.

**00:45… 00:30… 00:15…**

— “سيدي المقدم!” جاء صوت خبير المفرقعات عبر اللاسلكي بصوت متقطع ومتوتر: “لقد… لقد تعطلت الدائرة! تم فصل صمام التفجير الحراري بنجاح! العبوة أُبطلت!”

ارتفع صوت صراخ الفرح والارتياح من رجال المباحث المحيطين بنا. أغمضتُ عيني واحتضنتُ كريم بقوة، ودموع الارتياح تفر بغزارة على وجهي. لقد نجونا! نجا بيتنا، ونجا الأبرياء، ونجا حبنا من حافة الموت!

لكن المفاجأة لم تنتهِ بعد.

بعد أقل من دقيقة، رن هاتف المقدم أحمد رنيناً حاداً. رد بسرعة ووضعه على أذنه:

— “معكم المقدم أحمد… تحدث!”

جاء صوت الضابط الذي ذهب إلى ميدان التحرير ليلتقي بطارق:

— “سيدي… لقد وصلنا إلى المقهى بناءً على إحداثيات هاتفه المتبعة. طارق كان جالساً في الخارج يراقب الشارع، وحين اقتربنا منه ليلاً محاولين القبض عليه… وقبل أن نضع القيود في يديه، قام بفتح الفلاشة التي أرسلناها له عبر أحد أفرادنا المتخفين!”

— “وماذا حدث؟” سأل المقدم بلهفة.

— “البرمجة التي وضعها المهندس كريم فعلت فعلتها يا سيدي! الفلاشة بعثت بنبضة تتبع عالية الكثافة أدت إلى تعطيل شريحة هاتفه تماماً، وفي نفس اللحظة… أصيب الرجل بحالة من الهلع والصدمة حين أدرك أن لعبته انتهت وأنه محاصر تماماً… وقد تم القبض عليه وتحويله إلى التحقيق الفوري!”

تعالت صرخات الفرح مجدداً بين رجال المباحث. التفت المقدم أحمد نحو كريم، وابتسم بتقدير بالغ، ثم مد يده ليصافحه بحرارة:

— “أنت لست مجرد مهندس نظم معلومات يا مهندس كريم… أنت بطل حقيقي أنقذ الموقف بذكائه وبوقت قياسي.”

نظر كريم إليّ، وابتسم تلك الابتسامة الدافئة التي أعشقها، وضمّني إلى صدره بحنان وأمان، وقال:

— “البطل الحقيقي ليس أنا يا أحمد… البطل الحقيقي هو من عرف كيف يعدّ الوردة المئة، وفهم رسالة الحب والاستغاثة في أصعب لحظات الموت.”

**الجزء الخامس والأخير**

أشرقت شمس الصباح على مدينة القاهرة لتضيء نهاراً جديداً أزال بكتمانه وهدوئه آثار ليلة مرعبة كادت أن تعصف بكل ما نملك. كان شعاع الشمس يتسلل عبر نوافذ شقتنا في حي المعادي، ليلتقي برائحة القهوة الطازجة التي ملأت المكان، بدلاً من رائحة البارود والدخان التي خنقت أنفاسنا طوال الليل.

أنقضت الكابوس… ولأول مرة منذ أربع وعشرين ساعة، تنفستُ الصعداء بصدق وأمان.

كنتُ أقوم بترتيب طاولتنا في الصالة، التي عاد إليها هدوؤها بعد أن أزالت الشرطة وخبراء المفرقعات بقايا الورد والأسلاك والتجهيزات المفخخة. لم يتبقَ من حقل المئة وردة صفراء سوى ذكريات شفرة أمنية، ورسالة استغاثة صنعت المعجزة، وعمّقت الحب بيننا حتى أقصى درجاته.

خرج كريم من الغرفة وهو يرتدي ملابسه المنزلية البسيطة. كان يتكئ على الحائط بخطوات خفيفة، وضمادة بيضاء صغيرة تعلو جبهته فوق عينه اليمنى، وأ آثار الكدمات الخفيفة لا تزال مطبوعة على وجهه المرهق. لكن عينيه كانتا تلمعان بنور الارتياح والس\كينة.

اقتربتُ منه فوراً وسندتُه بحنان نحو أريكة الصالون.

— “كيف تشعر الآن؟” سألتُه وأنا أضع يدي على وجهه بتفقد.

ابتسم كريم ابتسامة دافئة ملأت قلبي بالأمان، وجذب يدي ليقبلها بحرارة:

— “أشعر أنني ولدتُ من جديد يا مريم… وأشعر أن الله رزقني بامرأة ليست مجرد زوجة وشريكة حياة، بل صمام أمان وحصن منيع في أحلك الظروف.”

جلستُ بجواره وأمسكتُ بيده بكلتا يديّ: “عندما اتصلتُ بالشرطة وأخبرتهم عن شفرة الورد والأعداد… ظن الضابط للوهلة الأولى أنني جننت! لكن ثقتي بك وبذكائك كانت أعمق من أي تشكيك. كنت أعلم أن كريم الذي أعرفه لا يمكن أن يرسل ورداً أصفر إلا لسبب يعادل الحياة أو الموت.”

— “وهذا ما أنقذنا بالظبط”، قال كريم وهو يستند برأسه إلى الخلف. “طارق كان يظن أنه أحكم السيطرة عليّ. حين احتجزني في ذلك المخزن، كان يعتقد أنني استسلمت بالكامل عندما طلبتُ منه إرسال الورد إليكِ كوداع أخير. الخائن لا يفهم لغة الشفرات التي نبنيها مع من نحب… لا يعرف أن كل كلمة بيننا، وكل لون، وكل استثناء في حياتنا، له معنى يحميه ويفهمه طرفان فقط.”

في تلك اللحظة، رن جرس الباب.

قفزتُ بسرعة وفتحتُ الباب لأجد المقدم أحمد ناصر يقف بزي رسمي أنيق، يحمل في يده ملفاً رسمياً، وإلى جواره اثنان من رجال المباحث.

— “صباح الخير يا مدام مريم… أرجو ألا نكون قد أزعجناكم في هذا الوقت المبكر”، قال المقدم أحمد بنبرته المحترفة واللطيفة.

— “أهلاً بك يا حضرة المقدم! تفضل بالدخول، لقد أنقذتم حياتنا ونحن ندين لكم بالفضل”، أجبتُ بترحيب كبير.

دخل المقدم أحمد وسلّم على كريم بحرارة وصافحه وهو يجلس بجواره:

— “جئتُ لأطمئن عليك بنفسي يا مهندس كريم… ولأبشرك بالنتائج النهائية للتحقيقات التي جرت طوال الليلة الماضية مع طارق وشبكته.”

اعتدل كريم في جلسته بفضول واهتمام: “ماذا حدث في التحقيق يا أحمد؟”

فتح المقدم الملف وأخرج بعض الأوراق الرسمية:

— “طارق اعترف بكل شيء تحت وطأة الأدلة القاطعة التي وُجدت على الخوادم التي أرسلتها عبر الفلاشة المشفرة والنسخة السحابية. النيابة العامة وجهت له ولخمسة آخرين تهم الاختطاف المسلح، والتجسس الصناعي، ومحاولة تفجير مبنى سكني وتخريب المنشآت العامة. المحاضر أُغلقت رسمياً، وسيُحالون جميعاً إلى محاكمة جنائية عاجلة خلال أيام.”

تنفس كريم بعمق، وسادت القاعة لحظة صمت يملؤها الارتياح.

أضاف المقدم أحمد وهو ينظر إلى كريم ثم إليّ بإعجاب شديد:

— “مجلس إدارة شركتك في دبي أصدر بياناً رسمياً يوجه فيه الشكر والتقدير لك على شجاعتك في حماية بيانات العملاء ورفضك الخضوع للابتزاز تحت التهديد، وتقرر عينيك رئيساً التنفيذي للقطاع الأمني والتكنولوجي في الشركة بالكامل.”

ثم التفت المقدم أحمد إليّ وابتسم بتقدير:

— “أما بالنسبة لكِ يا مدام مريم… فقد تم منحكِ وسام تقدير استثنائي من المباحث العامة لقيادتكِ الذكية وبلاغكِ المحكم الذي يدرّس في كيفية التعامل مع الأزمات والتشفير الميداني. أنتِ مثال حقيقي للزوجة الشجاعة والواعية.”

ابتسمتُ بحياء وشكرتُه من كل قلبي.

بعد أن أنهى المقدم أحمد شربه للقهوة واستئذانه بالرحيل، أغلقتُ الباب وعدتُ لأجلس بجوار كريم. كان البيت هادئاً، والشمس تتوسط السماء ملونة القاعة بضوء ذهبي دافئ.

نظر كريم إلى طاولة الطعام الفارغة، ثم التفت إليّ وعيناه تنبضان بحب لا تنتهي الأيام من تجديده.

— “تعرفين يا مريم…” قال كريم بنبرة هادئة ملؤها الشجن. “في اللحظة التي كنتُ فيها مكبلاً في ذلك المخزن المظلم، ورجل يحمل الس\لاح يوجهه نحو رأسي… لم أكن أفكر في الملفات أو الشركة أو المال. كنتُ أفكر فقط في عينيكِ، وكيف سيكون حزنكِ لو لم أعد. البوكيه لم يكن مجرد خريطة مكان يا حبيبتي… كان صلاتي ورجائي الوحيد للعودة إلى بيتكِ وأحضانكِ.”

تجمعت الدموع في عينيّ، لكنها كانت دموع الفرح والامتنان. مسحتُها بابتسامة صافية ووضعتُ رأسي على كتفه.

— “وأنا لم أتردد ثانية واحدة يا كريم…” همستُ له بصدق. “لأن حبنا لم يكن يوماً مجرد مشاعر عابرة… كان عهداً مبنياً على التفهم والتضحية. والمئة وردة صفراء ستظل دائماً الشاهد الحقيقي على أن الحب والذكاء كفيلان بهزيمة أكبر المخططات الخبيثة.”

في اليوم التالي…

سمعتُ جرس الباب يَرن مجدداً.

فتحتُ الباب بابتسامة واسعة، لأجد عامل توصيل جديداً يقف في الممر. لكن هذه المرة… لم يكن يحمل بوكيه أصفر، ولا وردات مسلحة بعلامات وأسلاك.

كان يحمل بوكيه ضخماً ورائعاً يضم مئة وردة بيضاء ناصعة كالثلج، تتوسطها بطاقة صغيرة كُتب عليها بخط كريم الذي أعرفه وحفظته:

*”إلى مريم…

لأن الورد الأبيض هو لونكِ المفضل،

ولأن المئة وردة هذه المرة…

ليست رسالة استغاثة، بل رسالة شكر وحب أبدي من زوج أنقذتِ حياته.”*

ضممتُ البوكيه الأبيض إلى صدري، ونظرتُ نحو كريم الذي كان يقف خلفي يبتسم لي بدفء. أغلقتُ الباب وأنا أعلم أن قصتنا لم تنتهِ عند حدود الخطر، بل بدأت مرحلة جديدة أعمق وأقوى، حيث لا مكان للخوف، وحيث يظل الحب هو الشفرة الوحيدة التي لا يمكن لأحد في هذا العالم فك أسرارها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *