حكايات رومانى مكرم 1

لما بعتتلي بنتي رسالة: “متجيش. جوزي مش عايزك تكوني جنبه”، ما دخلتش معاها في جدال.

بس فتحت أبلكيشن البنك بتاعي – واتخذت قرار عمرهم ما كانوا متوقعينه 🥹

 

اسمي فاطمة. عندي 63 سنة، أرملة جديد، وبعيش في شقة هادية ريحة الممرات فيها خفيفة من معقم ليمون، والناس كلها مبتسمة بأدب من غير ما تسأل أي سؤال.

 

كنت دايمًا الشخص الثابت.

 

بعد وفاة محمد، حافظت على الروتين اللي خلى حياتي تحس بالسيطرة – القهوة في كبايةه القديمة، والفواتير مدفوعة بدري، والإيصالات مرتبة على الطريقة اللي كان بيحبها عشان تبقى في أكوام منظمة. الاستقرار كان حاجة أعرف أبنيها.

 

وكان جزء من استقراري ده لبنتي ندى كمان.

 

هي بنتي الوحيدة. لما اتجوزت من سامح من تلات سنين واشترت البيت الأنيق في الضواحي بالممر الملتوي وصندوق بريد الـ HOA، قلت لنفسي إني بأديها الحياة اللي كنت أتمنى لو أمي كانت قدرت تديها لي.

 

بدأت الطلبات بسيطة.

 

“ماما، مرتب سامح متأخر.”

“ماما، السقف محتاج يتصلح.”

“ماما، احنا غرقانين في المصاريف.”

 

خمس آلاف. تمن آلاف. اتناشر ألف. خمستاشر ألف. سبعة آلاف تلاتمية.

 

ما بقيتش أعد. الأمهات الجيدات ما بيعملوش كده.

 

لحد يوم الخميس اللي فات، رن موبايلّي الساعة 2:47 بالظبط.

 

“متجيش نهاية الأسبوع ده. سامح مش عايزك تبقي جنبه.”

 

مفيش تفسير. مفيش دفء.

 

مجرد حدود مرسومة حوالين بيت كانت فلوسي بتحميه بهدوء من شهور.

 

حدقت في الرسالة لحد ما خفت الشاشة.

 

وبعدين فتحت أبلكيشن البنك.

 

يناير: 6,500 جنيه.

فبراير: 4,200 جنيه.

مارس: 12,000 جنيه.

أبريل: 8,800 جنيه.

مايو: 15,000 جنيه.

يونيو: 7,300 جنيه.

 

تحويل بعد تحويل. أزمة بعد أزمة.

 

وفجأة، حسيت إن الحسابات بتتكلم بصوت أعلى من أي رسالة.

 

فلذلك ما رديتش.

#الكاتب_رومانى_مكرم

لغيت حجز العشاء.

رجعت بروش عيد الميلاد.

اتصلت بالبنك وأوقفت أربع شيكات، بما فيهم الشيكات اللي كتبتها لأحدث “أزمة السباكة”.

 

“سبب الإلغاء؟” سأل المندوب بلطف.

“تغيير في الخطط”، قلت بهدوء.

 

وبعدين استنيت… تتويج تقشعر له الأبدان مستمر.

 

الرد ما جاش في يومها، ولا في اليوم اللي بعده.

يوم السبت الساعة سبعة بالليل، الموبايل بدأ يرن. اسم “ندى” نور على الشاشة. سبته يرن لحد ما سكت، وبعدها برنتين كمان. في المرة الرابعة، لما حسيت إن الرسالة وصلت، فتحت الخط من غير ما أتكلم.

“ماما؟ إنتي سامعاني؟” صوت ندى كان طالع مخنوق وفيه نبرة لهفة مش متعودة عليها، “الشيكات يا ماما.. البنك بيقول إن الشيكات اتلغت! في إيه؟ إنتي تعبانة؟ حصل حاجة؟”

خدت نفس هادي، ورفعت كباية القهوة بتاعة محمد، الله يرحمه، أخدت منها بؤ، وقلت برود غريب عليا: “لأ يا حبيبتي، أنا كويسة وزي الفل.”

“أمال الشيكات اتلغت ليه؟! سامح واقف برة مع السباك والمقاول، والراجل بيقول الشيك مش مقبول! سامح وشه جايب ألوان وبيتخانق معايا دلوقتي، فكرنا الحساب فيه مشكلة!”

“المشكلة مش في الحساب يا ندى،” قلتها وأنا ببص على الكومودينو المنظم، “المشكلة إن الخطط اتغيرت. مش إنتي قلتيلي متجيش عشان سامح مش عايزني أكون جنبه؟ أنا لبيت الرغبة.. شلت نفسي، وشلت فلوسي معاها.”

الخط سكت تمامًا لثواني. كنت سامعة صوت نفس ندى المتوتر، وبعدها طلع صوت سامح في الخلفية وهو بيزعق: “قالتلك إيه؟ الشيك ماله؟!”

ندى ردت عليا بصوت واطي ومليان صدمة: “ماما.. إنتي بتلوي دراعنا عشان كلمة؟ سامح كان متضايق ومضغوط من الشغل ومش عايز دوشة في البيت، إيه اللي دخل الفلوس في الموضوع؟ إنتي بتبيعي بنتك عشان موقف؟”

“أنا مابعتش يا ندى،” رديت بنبرة حاسمة زي النقط اللي بحطها في آخر السطور، “أنا كنت فاكرة إن الفلوس دي بتسندكم عشان نكون عيلة واحدة، بس اكتشفت إن وجودي تقيل، وفلوسي بس هي اللي خفيفة ومرحب بيها. السباكة اللي سامح واقف عليها دي، فلوسها من تعب أبوكي، وطالما أبوكي وأنا مش عاجبين، يبقى تعبنا كمان ملوش مكان في بيتكم الأنيق.”

وقبل ما تديني أي مبرر، قفلت السكة.

إحساس الخوف اللي كان دايما بيلازمني إني أكون لوحدي اختفى، وحل مكانه هدوء غريب. قمت فتحت الدولاب، طلعت الفستان الكحلي اللي محمد كان بيحبه، وقررت إني مش هقضي السهرة في الشقة.

نزلت، والناس في الممر ابتسموا كالعادة، ريحة الليمون كانت منعشة، ولأول مرة أحس إني مش بهرب من واقعي، أنا ببدأ واقع جديد.

يوم الأحد الصبح، الباب خبط بقوة.

فتحت، لقيت ندى واقفة، وشها شاحب، وتحت عينيها أسود، ومن غير ما تستأذن دخلت وهي بتبكي: “خربتي بيتي يا ماما.. ارتحتي؟”

قفلت الباب بهدوء وراها، ولفيت عشان أواجهها. كانت واقفة في الصالة، سانة إيدها على السفرة وجسمها كله بيترعش من العياط والبهدلة، شكلها مكنش شكل البنت اللي عايشة في بيت الضواحي الأنيق أبو ممر ملتوي.

“خربت بيتك إزاي يا ندى؟” قلتها بنبرة أهدى بكتير من الإعصار اللي جواها، وأنا بتحرك ناحية المطبخ عشان أعمل لها حاجة تشربها، كالعادة.. كأي أم.

“سامح ساب البيت من مبارح بالليل يا ماما!” صرخت وهي بتلتفت ليا ودموعها نازلة بغزارة، “السباك والمقاول لموا حاجتهم ومشيوا لما الشيكات اتلغت، وسامح حس بالإهانة قدامهم. فضّل يزعق ويقولي إني مش مالية عينك، وإنك بتتحكمي فينا بفلوسك، وفي الآخر لم هدومه وقالي مش راجع غير لما تخلصي الحكاية دي مع أمك وتجيبي الفلوس!”

حطيت كباية الليمون الدافي قدامها على السفرة. قعدت على الكرسي اللي قصادها، وبصيت في عينيها مباشرة: “يعني جوزك ساب البيت عشان الفلوس اتمنعت؟ مش عشان أنا زعلت؟ مش عشان بيتك اتهد؟ سابك عشان “الحنفية” اتقفلت؟”

“إنتي مش فاهمة يا ماما!” قاطعتني بحدة وهي بتمسح دموعها، “سامح عليه ديون وشغل المقاولات ده كان هينقذه! هو مكنش يقصد الرسالة دي.. هو بس كان مضغوط.. مضغوط جداً!”

“وهو لما يكون مضغوط، يمنعني أدخل بيت بنتي اللي مدفوع تمن سقفه من فلوسي؟” سألتها، وصوتي بدأ يعلو سنة صغيرة، “ولما هو مضغوط، إنتي تبعتيلي رسالة جافة زي دي؟ مفيش فيها حتى ‘معلش يا ماما تعبانين ومحتاجين نكون لوحدنا’؟ إنتي هُنتي عليه يمشيني، وأنا هُنت عليكي تنفذي أمره وتكسري بخاطري.”

ندى نزلت راسها في الأرض، وبدأت تعيط بشهقات مكتومة. الخوف اللي في عينيها مكنش خوف من خسارة سامح بس، كان خوف من مواجهة الحقيقة اللي أنا وهي كنا بنهرب منها من تلات سنين.. إن سامح متجوز “حسابي البنكي”، مش متجوز بنتي.

“أنا عملت كل حاجة عشانك يا ندى،” كملت وأنا بلمس إيدها المرتعشة، “كنت بداري على عيوبه، وبدفع عشان المركب تسير، وقلت الأمهات الجيدات مابيعدوش.. بس الأمهات الجيدات كمان لازم يعلموا أولادهم إزاي يقفوا على رجليهم، مش إزاي يخلوا قفلة بيتهم رهينة لشيك مقبول أو مرفوض.”

رفعت راسها وبصتلي، النبرة الهجومية اللي دخلت بيها اختفت، وحل مكانها ضياع حقيقي: “طب وأنا هعمل إيه دلوقتي يا ماما؟ الديون هتاكلنا، وسامح مش هيرجع، وأنا مش هقدر أعيش في البيت ده لوحدي..”

قمت من مكاني، ورحت وقفت جنب الشباك اللي بيبص على جنينة العمارة الهادية. كنت شايفة خطوتي الجاية بوضوح، خطوة مكنتش هجرؤ أخدها من أسبوع فات.

“تلفونك يرن يا ندى،” قلتلها وأنا بتلفّت ليها، “سامح بيتصل بيكي دلوقتي.. افتحي الخط، وافتحي الإسبكر.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *