أم فقيرة حكايات رومانى مكرم 1

أم فقيرة بتواسي عيل صغير بيبكي في الشارع وهي شايلة ابنها الرضيع – ومن غير ما تعرف إن أبوه المليونير واقف ومتابع كل حاجة من بعيد…

“خلاص يا حبيبي ما تعيطش، كل حاجة هتبقى تمام”، همست جمالات وهي بتمسح بحنية الدموع اللي مغرقة وش الولد اللي ما تعرفوش.

“إنتي اسمك إيه يا طنط؟” سألها الولد وهو بيعيط وصوته بيرتعش، في الوقت اللي كان فيه مطر الإسكندرية الغزير بيغرق شوارع وسط البلد.

حكايات حصرى لصفحه رومانى مكرم

جمالات ضمت ابنها الرضيع “حسن” بإيد واحدة عشان تدفيه، وبالإيد التانية قلعت جاكتها الوحيد — اللي كان مبلول ومقطع — وحطته على كتاف الولد اللي كان بيتنفض من الساقعة. شفايفها كانت بتزرق من البرد، بس ما فكرتش لحظة.

الولد قال وهو بيشهق: “آدم”.

“آدم إيه يا حبيبي؟”

رد وهو بيترعش: “آدم منصور”.

“وفين أهلك يا آدم؟” سألته جمالات براحة وهي بتحميه بجسمها وبتدخله تحت تندة محل مقفول.

تمتم آدم: “بابا… بابا علطول مشغول في الشغل. أنا اتخانقت مع عم عبده السواق ونزلت من العربية وجريت، ومش عارف أنا فين دلوقتي”.

على بعد كام متر بس، ومن ورا الإزاز المتفيم بتاع عربية مرسيدس سودا، كان منصور السيوفي واقف وقلبه في رجله. بقاله نص ساعة بيلف في الشوارع زي المجنون بعد ما جاتله مكالمة صدمته من المدرسة الإنترناشيونال الغالية: ابنه هرب تاني.

حكايات حصرى لصفحه رومانى مكرم

بس اللي شافه دلوقتي خلاه مش قادر ياخد نفسه.

ست غلبانة — باين عليها جداً إنها من منطقة عشوائية وزي ما يكون من ورا مصنع الكراسي، بالحكم على لبسها المبهدل والشنطة القماش المقطعة اللي شايلاها — كانت حاضنة آدم كأنه حتة منها.

ابنها الرضيع ما يكملش ست شهور، ورغم كده استغنت عن الحاجة الوحيدة اللي حامياها من المطر والتكتكة عشان تدفي عيل غريب.

جمالات قالت بابتسامة: “بص يا بطل، لسه معايا كام قرص بعجوة من بتوع الصبح”، وطلعت كيس نايلون كرمش شوية من شنطتها. “هما سقعوا شوية… بس طعمهم زي العسل. جعان؟”

آدم هز رأسه وأخد القرصة وإيده بترتعش. بقاله كتير محدش قدم له حاجة بالبساطة والحنية دي من غير حساب أو مقابل.

قال وهو بياكل ودموعه نازلة: “طعمها حلو أوي… ماما عمرها ما عملتلي حاجة آكلها”.

الكلمة نزلت على قلب جمالات زي السك\ينة. الولد ده، بلبسه الغالي اللي بملايين وجزمته الماركة، باين إن معاه فلوس الدنيا كلها — بس ناقصه الحاجة الوحيدة اللي ليها قيمة بجد.

مسحت دموعه بكمها وقالتله بحنان: “كل الأمهات بتعرف تطبخ بقلبها يا حبيبي… بس ساعات الدنيا بتاخدهم وبيحتاجوا اللي يفكرهم”.

#الكاتب_رومانى_مكرم

براحة وبخطوات تقيلة، نزل منصور السيوفي من العربية، وكان حاسس إن كل خطوة بيمشيها كأنه دايس على إزاز مكسور. وجع الضمير كان هيموته.

حكايات حصرى لصفحه رومانى مكرم

هي آخر مرة حضن فيها ابنه كده كانت إمتى؟

آخر مرة بص في عينه وحس بيه كانت إمتى؟

نادى بصوت مخنوق: “آدم…”

الولد رفع راسه، وأول ما عينه جت في عين أبوه، جسمه كله اتخشب.

 

**الجزء الثاني**

ارتمى آدم في حضن جمالات أكتر، وجسمه بيتنفض من الخوف والزعل، وبص للأرض وهو مش عايز يبص لوش أبوه. منصور وقف مكانه، المطر كان بينزل على وشه ويمتزج بدموعه اللي نزلت لأول مرة من سنين. حس بعجز كامل، هو المليونير اللي بيحرك ملايين بإشارة من إيده، مش قادر يخلي ابنه يقرب منه خطوة واحدة.

جمالات بصت لمنصور، وبذكائها الفطري عرفت إن ده الأب اللي آدم اتكلم عنه. وقفت براحة وهي شايلة ابنها الرضيع “حسن” على كتفها، وسحبت آدم ورا ضهرها كأنها بتحميه، وقالت بنبرة عتاب هادية بس قوية: ” بالراحة على الولد يا بيه.. هو كان خايف وبردان، ومحتاج بس يحس بالأمان، مش بالعصبية”.

منصور بلع ريقه بصعوبة وقرب خطوة، وبص لجمالات اللي كانت واقفة بالجليد اللي مغرق هدومها وشفايفها الزرقا، وقال بصوت متحشرج: “أنا مش جاي أزعق له.. أنا كنت هموت من الرعب عليه”. التفت لآدم ونزل على ركبه في الطين والمطر، متناسيًا تمامًا بدلته الغالية وبرستيجه، وقال: “أنا آسف يا آدم.. أنا غلطان يا حبيبي، سامحني”.

آدم بص لأبوه باستغراب، أول مرة يشوف منصور السيوفي ضعيف وبيعتذر. طلع من ورا ضهر جمالات وبصوت مخنوق قال: “أنت علطول سيبني يا بابا.. علطول اجتماعات وشغل وسفر.. طنط دي ما تعرفنيش وادتني جاكتها وأكلتني، وأنت مش بتشوفني أصلاً”.

كلام آدم كان زي السكاكين اللي بتقطع في قلب منصور. بص لجمالات اللي كانت بتترعش من البرد من غير جاكت، وقالها وعينه مليانة امتنان وكسرة: “أنا مش عارف أشكرك إزاي يا أمي.. إنتي حميتي ابني في وقت أنا ضيعته فيه. الجاكت بتاعك مبلول وإنتي بتتلجي.. أرجوكي، تعالي معايا في العربية أنقلكوا لأي مكان، مش هينفع تقفوا في المطر ده أكتر من كده بالطفل الرضيع”.

جمالات هزت راسها باعتزاز ونفس أبية وقالت: “الشكر لله يا بيه، أنا ما عملتش غير اللي يمليه عليا ضميري وأمومتي، وأنا بيتي قريب هنا في الحارة اللي ورا المحل، هتمشى أنا وحسن”.

منصور صمم وقال بنبرة رجاء: “عشان خاطر ابنك الصغير ده.. المطر شديد وهيتحجز من البرد، اعتبريني بوصل أختي، أرجوكي ما تكسفيش إيدي”.

وافقت جمالات بعد إلحاحه عشان خاطر ابنها حسن اللي بدأ يكح من البرد. ركبوا العربية المرسيدس الفخمة. آدم قعد جنب جمالات ورفض يقعد في الكرسي القدامي جنب أبوه، وكان ماسك في طرف هدومها كأنها طوق النجاة بتاعه. منصور كان بيراقبهم من المراية وعينه على الجاكت المقطع والشنطة القماش، وحس بالخجل من نفسه ومن عربيتة وفلوسه.

منصور شغل دفاية العربية وبدأ يسأل جمالات عن أحوالها عشان يفتح كلام: “إنتي ساكنة فين بالظبط يا مدام جمالات؟ وجوزك شغال إيه؟”

تنهدت جمالات وقالت وهي بتهز حسن عشان ينام: “أنا عايشة في أوضة وحمام فوق سطح بيت قديم في الحارة اللي ورا، وجوزي الله يرحمه توفى من أربع شهور وسابلي حسن.. وبشتغل بياعة خضار في السوق عشان أعرف أصرف على لقمة عيشنا وأدفع إيجار الأوضة”.

منصور سكت، والسكوت ده كان جواه بركان بيغلي. الست دي اللي مش لاقية لقمة عيشها وتنام في أوضة على السطوح، عندها غنى نفسي ورحمة تشتري بيهم شركات منصور السيوفي كلها.

العربية وصلت أول الحارة الضيقة اللي ما تنفعش تدخلها المرسيدس. جمالات فتحت الباب ونزلت، وسابت جاكت آدم الصغير على الكرسي بعد ما الولد دفي. منصور نزل بسرعة وراها وقبل ما تمشي، طلع دفتر شيكات ومسك القلم، وقالها: “يا مدام جمالات.. ده شيك بمبلغ يأمن مستقبلك ومستقبل ابنك حسن، ويردلك جزء بسيط من جمايلك عليا وعلى ابني”.

جمالات بصت للشيك، وبصت لعينه، وابتسمت ابتسامة انكسار وعزة نفس، وزقت إيده بالراحة وقالت: “يا بيه.. أنا لو كنت عايزة مقابل للي عملته، كنت طلبت منك تمن القرصة اللي آدم أكلها. أنا دفيت ابنك بقلبي مش بفلوسي، والقلوب ما بتتباعش ولا بتتشرى بالورق ده. ربنا يخليلك ابنك ويحنن قلبك عليه.. هو محتاج حضنك مش فلوسك”.

ودارت ضهرها ومشيت في الحارة الضيقة المظلمة وهي شايلة ابنها، ووسط المطر اختفت عن عينيهم.

منصور وقف مذهول، الكلمات هزت كيانه وغيرت تفكيره تمامًا. ركب العربية وبص لآدم اللي كان بيبص على مكان جمالات بحزن. منصور مد إيده وأخد آدم في حضنه بقوة، وبكى بحرقة وآدم كمان بكى، ولأول مرة من سنين يحسوا بدفا حقيقي.

لكن منصور ما قدرش يعدي الموقف ده كأنه محصلش. تاني يوم الصبح، منصور أخد قرار هيغير حياة جمالات وحياة ابنه آدم تمامًا، ونزل بنفسه يسأل عليها في الحارة…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *