اسما السيد 2
الفصل الرابع
في نفس اليوم… كانت أخبار السوق كلها بتتكلم عن حاجة واحدة… استقالة كريم النجار. رجال الأعمال كانوا مستغربين… إزاي الراجل اللي كان بيعتبر العقل الحقيقي للشركة يسيبها فجأة؟ لكن اللي ماحدش كان يعرفه… إن الأزمة لسه ما بدأتش.
الساعة اتناشر الضهر… رن تليفون الحاج عبدالعظيم.
كان المتصل مدير أكبر شركة استيراد كانوا متعاقدين معاها من أكتر من عشر سنين.
رد الجد بثقة وقال: “أهلاً يا باشمهندس.”
لكن الرد ماكنش زي كل مرة.
“آسف يا حاج… إحنا قررنا نوقف تجديد العقد.”
اتكدر وشه.
“ليه؟”
رد الراجل بهدوء: “بكل صراحة… إحنا كنا بنتعامل مع كريم… مش مع الاسم.”
وقفل الخط.
لسه حاطط الموبايل…
رن تاني.
وبعدين تالت.
ورابع.
كلهم نفس الكلام.
عقود بتتلغي.
واجتماعات بتتأجل.
وشركات بتطلب إعادة التفاوض.
لأول مرة…
الحاج عبدالعظيم حس إن الكرسي اللي قاعد عليه بيتسحب من تحته.
في الناحية التانية…
كان كريم في مقر شركته الجديدة.
الموظفين استقبلوه بتصفيق.
لكن أول طلب طلبه…
ماكانش مكتب جديد.
ولا عربية.
قال للمدير المالي:
“عايز أول مشروع للمسؤولية المجتمعية.”
استغرب المدير.
“حضرتك تقصد إيه؟”
ابتسم كريم.
وقال:
“هنعمل مبادرة اسمها «حقها تفرح».”
“كل عيد…
هنوزع ألعاب جديدة على البنات والأولاد…
من غير أي تفرقة.”
المدير ابتسم.
وقال:
“فكرة جميلة.”
رد كريم وهو بيفتكر مريم:
“دي مش فكرة…
دي وعد.”
بعد أسبوع…
كانت مريم راجعة من المدرسة.
جريت على أبوها.
وقالت وهي فرحانة:
“بابا… المدرسة طلبت نرسم الشخص اللي بنعتبره بطل.”
ابتسم.
وقال:
“ورسمتي مين؟”
طلعت الورقة.
كان فيها راجل ماسك إيد بنت صغيرة.
وخلفهم حصان.
واحد مكسور…
وواحد جديد.
تحت الرسمة…
كاتبة بخط طفولي:
“بابا… علمني إن البنت تستحق أحسن حاجة.”
كريم مقدرش يمسك دموعه.
حضنها بقوة.
وقال:
“وأنا كل يوم بتعلم منك.”
في نفس الوقت…
كان الحاج عبدالعظيم قاعد في مكتبه.
أول مرة المكتب يبقى هادي بالشكل ده.
دخل عليه أحمد.
وقال:
“إحنا لازم نكلم كريم.”
رد بعناد:
“مستحيل.”
أحمد قرب منه.
وقال:
“يا بابا…
إحنا مش بنخسر فلوس بس.”
“إحنا خسرنا ابنك.”
سكت الجد.
لأول مرة…
افتكر اليوم اللي كريم كان طفل صغير.
كان كل ما يجيب شهادة تقدير…
يجري عليه يقول:
“بص يا بابا.”
وهو…
كان يقوله:
“المرة الجاية ابقى الأول.”
عمره ما حضنه.
ولا قاله:
“أنا فخور بيك.”
ولما كبر…
بقى بياخد تعبه على إنه واجب.
أما مريم…
فكانت أول حفيدة تكسر القاعدة اللي عاش بيها عمره…
لأنها خلته يواجه الحقيقة.
بعد شهر…
وصلت للحاج عبدالعظيم دعوة.
افتح الظرف.
لقى كارت بسيط.
مكتوب فيه:
“تشرفت بدعوتكم لحضور افتتاح مؤسسة «حقها تفرح» لدعم الأطفال.”
وفي آخر الكارت…
جملة واحدة.
“كل الأطفال… يستحقوا نفس الفرحة.”
عرف فورًا…
إن اللي بعتها…
كريم.
فضل ماسك الكارت دقايق طويلة.
وبعدين بص على الحصان البلاستيك المكسور…
اللي كان أحمد أخده من الفيلا يوم العيد…
وحطه على مكتبه من غير ما حد ياخد باله.
أخده بين إيديه…
ولأول مرة في حياته…
بكى.
لأنه فهم…
إنه ماكسرش لعبة بنت صغيرة…
هو كسر قلب حفيدته…
وخسر ابنه في نفس اللحظة.
مر أسبوعين… والحاج عبدالعظيم ماكانش بيفارق الحصان المكسور. كل يوم يحطه قدامه على المكتب… ويبص له لدقايق طويلة… كأنه أول مرة يشوفه. الموظفين استغربوا… والرجل اللي طول عمره معروف بالقسوة والقرارات الحاسمة… بقى يقفل باب مكتبه بالساعات من غير ما يطلب يشوف حد. أما أحمد، أخو كريم، فكان أول واحد يحس إن أبوه اتغير. دخل عليه يوم وقال: “إيه اللي شاغل بالك يا بابا؟” رد الجد وهو بيلف الحصان بين إيديه: “عمرك شفت لعبة تعمل في راجل كبير كده؟” أحمد ابتسم بحزن وقال: “دي مش لعبة… دي غلطة.” سكت الجد، وبعد لحظة قال: “أنا كنت فاكر إني بربي رجالة… طلعت بكسرهم.”
في الناحية التانية، كانت مؤسسة “حقها تفرح” بدأت شغلها. أول احتفال اتعمل كان في دار أيتام كبيرة. كريم رفض يقعد على المنصة، ونزل بنفسه يوزع الألعاب على الأطفال. كان كل طفل بياخد نفس الهدية… ولد أو بنت… من غير أي فرق. مريم كانت ماشية جنبه، وكل ما تدي لعبة لطفلة، تقول لها بابتسامة: “دي ليكي… علشان البنات يستحقوا أحسن حاجة.” الصحفيين كانوا بيصوروا، لكن كريم طلب منهم يركزوا على الأطفال، مش عليه.
بعد الحفل، جريت طفلة صغيرة ناحية مريم، وقالت لها: “إنتي صاحبة الفكرة؟” ضحكت مريم وقالت: “لأ… بابا هو اللي قال إن كل الأطفال زي بعض.” الطفلة حضنتها، وفي اللحظة دي حس كريم إن القرار اللي أخده يوم العيد كان أغلى قرار في حياته.
في نفس الوقت، كانت شركة العيلة بتدخل أصعب أزمة مرت عليها. أكتر من مدير استقال، وعدد من العملاء نقلوا شغلهم لشركات تانية. مجلس الإدارة بدأ يضغط على الحاج عبدالعظيم، وكلهم كانوا بيقولوا نفس الجملة: “لازم ترجع كريم.” لكنه كان يرفض، رغم إنه في داخله كان عارف إنهم معاهم حق.
وفي ليلة هادئة، فتح الجد درج مكتبه القديم، وطلع ألبوم صور. أول صورة كانت لكريم وهو عنده سبع سنين، واقف ماسك أول شهادة تقدير أخدها في المدرسة. افتكر اليوم ده كويس… كريم فضل يجري وراه في البيت كله علشان يبص على الشهادة، وهو وقتها قال له: “دي حاجة عادية… لما تكبر ابقى حقق حاجة بجد.” قفل الألبوم وهو بيتمتم: “ولا مرة قلتله إني فخور بيه.”
تاني يوم الصبح، أخد العربية من غير سواق، ومن غير ما يبلغ حد، واتجه ناحية بيت كريم. أول ما وصل، وقف قدام الباب أكتر من خمس دقايق، مش قادر يرن الجرس. لأول مرة في حياته، رجل الأعمال اللي الكل بيخاف منه… كان خايف من رد فعل ابنه.
في اللحظة دي، خرجت مريم تجري في الجنينة وهي بتلعب. أول ما شافته، وقفت مكانها. بصت له شوية، وبعدين قربت بحذر. كان الحصان المكسور في إيده. نزل الجد على ركبته قدامها، ومد اللعبة ناحيتها، وقال بصوت مهزوز: “أنا جيت أرجعه لصاحبته… وأقول لها إني غلطت.”
مريم بصت للحصان، وبعدين بصت في وش جدها. سألته ببراءة: “يعني… إنت بقيت بتحب البنات؟”
السؤال كان بسيط…
لكن وقع على قلب عبدالعظيم كان أقوى من أي خسارة فلوس عرفها في حياته.
نزلت دموعه من غير ما يحاول يخبيها، وقال: “أيوه يا مريم… واتعلمت الدرس متأخر… بس اتعلمته.”
وفي اللحظة دي، فتح كريم باب البيت، وشاف أبوه راكع قدام بنته لأول مرة في عمره.
فتح كريم الباب… واتجمد مكانه. لأول مرة في حياته يشوف أبوه راكع قدام مريم. لا كان بيتخانق… ولا بيزعق… ولا بيصدر أوامر. كان مجرد راجل كبير السن… عينيه مليانة ندم. مريم بصت لأبوها وقالت: “بابا… جدو بيعيط.” كريم فضل واقف ثواني من غير ما يتحرك. سنين طويلة كان مستني فيها كلمة اعتذار من أبوه… لكنه لما شافها قدامه… حس إن قلبه مش عارف يفرح ولا يزعل. قام الحاج عبدالعظيم من على الأرض ببطء… ومد الحصان المكسور ناحية كريم وقال: “أنا ظلمتك قبل ما أظلمها… ويمكن ربنا بعتلي البنت دي علشان يوريني أنا كنت غلطان قد إيه.” كريم أخد نفس طويل وقال: “الجرح مش بيتعالج بكلمة يا بابا.” هز الجد راسه وقال: “عارف… وعشان كده مش جاي أطلب تسامح… جاي أتحمل نتيجة اللي عملته.”
دعاهم كريم يدخلوا. قعدوا في الجنينة… نفس الجنينة اللي كان كريم زمان بيجري فيها وهو صغير. فضل الصمت مسيطر عليهم كام دقيقة. فجأة خرجت سارة بصينية شاي وحطتها قدامهم. رغم كل اللي حصل… ما حبتش تكسر احترام الكبير. بص لها الحاج عبدالعظيم وقال: “سامحيني يا بنتي… أنا ظلمتك إنتي كمان.” ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: “اللي فات عند ربنا… المهم اللي جاي.”
بص الجد لكريم وقال: “الشركة بتقع.” رد كريم بهدوء: “كنت متوقع.” قال: “العملاء بيمشوا… والمديرين بيستقيلوا… وأنا لأول مرة عرفت إن الفلوس لوحدها ما بتبنيش نجاح.” سكت لحظة وبعدين قال: “كنت فاكر إني أنا اللي شايل الشركة… طلع إنت اللي كنت شايلها… وساكت.”
كريم ما ردش. كان سايب أبوه يطلع كل اللي جواه. أكمل الجد: “أنا عمري ما شكرتك… ولا مرة حضنتك… حتى يوم نجحت في الجامعة قلتلك ده واجب… ويوم كبرت وبقيت سبب نجاح الشركة قلت ده شغلك… كنت بخاف تدلع… فضيعت ابني بإيدي.”
مريم كانت قاعدة تسمع الكلام من بعيد. قامت فجأة وجريت جوه البيت. رجعت بعد دقيقة شايلة ورقة وألوان. قعدت على الأرض وفضلت ترسم. بعد شوية قامت وراحت لجدها ومدتله الرسمة. كانت رسمة بسيطة… فيها راجل كبير ماسك إيد راجل أصغر… وبينهم بنت صغيرة ماسكة إيد الاتنين. فوق الرسمة كتبت بخطها الطفولي: “العيلة لما تتصالح.”
بص الجد للرسمة… وانفجر في البكاء. حضن مريم وقال: “إنتي قلبك أنضف مننا كلنا.”
بعدها بأيام قليلة… حصل اجتماع طارئ لمجلس إدارة شركة العيلة. كل الأعضاء كانوا موجودين. دخل الحاج عبدالعظيم لأول مرة من غير هيبته المعتادة. وقف قدامهم وقال: “قبل أي قرار… عندي إعلان.” الكل سكت. قال: “أنا هتنحى عن رئاسة مجلس الإدارة.” اتصدموا كلهم. أخته وقفت وقالت: “إزاي؟” رد: “لأن اللي كان فاكر نفسه بيعرف كل حاجة… اكتشف إنه كان أعمى.”
وبعدين كمل: “ومن النهارده… مفيش أي تفرقة في عيلتنا بين ولد وبنت… ولا في الشركة… ولا في الورث… ولا في أي حق.” اعترض بعض أفراد العيلة… لكن لأول مرة ما سمعش كلام حد. قال بحزم: “أنا اللي غرست الفكر ده… وأنا اللي هشيله قبل ما أموت.”
رجع البيت في نفس الليلة… طلب يشوف المحامي الخاص بالعيلة. قال له: “عايز أعدل كل الوصايا والعقود.” المحامي استغرب وقال: “حضرتك متأكد؟” رد: “أول مرة في حياتي… أبقى متأكد.”
وفي صباح يوم الجمعة… كان كريم ومريم رايحين يحضروا افتتاح فرع جديد لمؤسسة “حقها تفرح”. أول ما وصلوا… اتفاجأوا بالحاج عبدالعظيم واقف وسط الأطفال. مش لابس بدلته الغالية… ولا حواليه حرس. كان بنفسه بيوزع الألعاب على الأطفال. وكل ما ييجي لطفلة… يديها اللعبة بإيده ويقول بابتسامة: “دي ليكي يا بطلة… من غير ما حد يقول إنك أقل من أي حد.”
وقف كريم من بعيد يتفرج… وابتسم لأول مرة وهو شايف أبوه بيتغير… مش بالكلام… لكن بالفعل. أما مريم… فجريت على جدها وحضنته، وقالت بصوت كله فرحة: “شايف يا جدو… الحصان المكسور عمل حاجة حلوة أوي.”
يتبع
مرت الشهور… والتغيير اللي بدأ بحصان بلاستيك مكسور بقى حديث كل اللي يعرفوا عيلة النجار. الحاج عبدالعظيم بقى أول واحد يوصل المؤسسة كل أسبوع. كان يقعد مع الأطفال بالساعات… يسمعهم… ويلعب معاهم… وكل ما يشوف بنت صغيرة تدخل من الباب يجري بنفسه يستقبلها. الناس كانت مستغربة… هو ده نفس الراجل اللي كان بيقول إن البنات أقل؟ لكنه كان كل ما حد يسأله يقول: “أنا اتأخرت كتير… وعايز ألحق أصلح اللي أقدر عليه.”
أما كريم… فكان مركز في شغله الجديد. الشركة كبرت بسرعة، لكن عمره ما نسي الوعد اللي وعده لمريم. كل عيد كانت المؤسسة توزع آلاف الهدايا على الأطفال. وكان كريم يرفض يعرف الموظفين مين ولد ومين بنت قبل تجهيز الهدايا. كان دايمًا يقول: “اكتبوا اسم الطفل بس… الباقي مالوش أهمية.”
وفي يوم… رجعت مريم من المدرسة وهي فرحانة أوي. جريت على أبوها وقالت: “بابا… عندنا حفلة آخر السنة، وكل واحد هيجيب حد من عيلته يتكلم عن الشخص اللي أثر فيه.” ابتسم كريم وقال: “وهتختاري مين؟” قالت من غير تفكير: “جدو.”
اتسعت عيون كريم. قال: “جدك؟” هزت راسها وقالت: “أيوه… علشان الناس تعرف إن الإنسان يقدر يتغير.”
وصلت الدعوة للحاج عبدالعظيم. فضل ماسكها بإيده أكتر من ساعة. عمره ما وقف قدام أطفال واتكلم. كان دايمًا يتكلم في اجتماعات وصفقات… لكن المرة دي الموضوع مختلف.
يوم الحفلة… كانت المدرسة مليانة أولياء أمور. كل طفل قاعد جنب أسرته. دخل الحاج عبدالعظيم ببدلته البسيطة، من غير أي مظاهر فخامة. أول ما شافته مريم جريت عليه ومسكته من إيده وطلعته على المسرح.
وقف قدام الميكروفون… وسكت شوية. كل الناس مستنية يسمعوا رجل الأعمال الكبير. لكنه قال بهدوء: “أنا مش جاي أعلم حد… أنا جاي أحكي غلطة عملتها.”
القاعة كلها سكتت.
قال: “أنا كنت فاكر إن الولد أغلى من البنت… وكنت فاكر إن الرجولة معناها القوة… لحد ما بنت صغيرة عمرها تمن سنين وريّتني إن القوة الحقيقية هي العدل.”
بص لمريم وهي قاعدة في الصف الأول.
وقال: “أنا كسرت قلب حفيدتي بلعبة مكسورة… وهي صلحت قلبي كله بابتسامة.”
بدأت الدموع تنزل من عيون ناس كتير في القاعة.
كمل وقال: “لو في أب أو جد سامعني النهارده… أوعى تفرق بين ولادك… لأنك ممكن تكتشف بعد سنين إنك خسرت أغلى ناس في حياتك بإيدك.”
أول ما خلص كلامه… وقفت المدرسة كلها تصقف.
لكن أكتر لحظة أثرت فيه… لما مريم قامت من مكانها وجريت عليه قدام الناس كلها… وحضنته وهي بتقول: “أنا فخورة بيك يا جدو.”
ماقدرش يمسك دموعه.
أما كريم… فكان واقف في آخر القاعة، حاسس إن الحمل اللي كان شايله على قلبه من سنين بدأ يخف.
بعد الحفلة… رجعوا كلهم بيت الجد لأول مرة من يوم العيد. نفس السفرة… نفس المكان… لكن المرة دي كان فيه كرسي صغير محطوط جنب كرسي الجد.
قالت مريم وهي تضحك: “الكرسي ده بتاعي.”
ضحك الجد وقال: “وطول ما أنا عايش… مكانك جنبي.”
وفي وسط الأكل… دخل الخادم وهو شايل صندوق هدايا كبير عليه اسم مريم.
بصت له باستغراب وقالت: “دي ليا؟”
ابتسم الجد وقال: “افتحيها.”
فتحت الصندوق ببطء… ولقت حصان كبير خشب مصنوع بإتقان، مرسوم عليه اسمها بحروف ذهبية، ومعاه لوحة صغيرة مكتوب عليها:
“إلى حفيدتي مريم… أول بنت علمتني إن قيمة الإنسان في قلبه… مش في كونه ولد أو بنت.”
حضنت الحصان… لكن بعد ثواني سابت الصندوق، وجريت حضنت جدها نفسه.
وقالت وهي بتضحك: “أنا فرحت بيك… أكتر من الحصان.”
مر سنة كاملة… وبقى يوم العيد بالنسبة لعيلة النجار مختلف تمامًا عن أي عيد فات. الفيلا اللي شهدت يوم كسر قلب مريم… بقت هي نفسها المكان اللي بدأ منه التغيير. أول قرار أخده الحاج عبدالعظيم كان إنه يبيع كل الهدايا القديمة اللي كانت متخزنة في المخازن من سنين… ويشتري بدلها ألعاب للأطفال في القرى والملاجئ. ولأول مرة… كان بنفسه واقف يحمل الكراتين وينزلها من العربية. الناس اللي كانت تعرفه استغربت. واحد من جيرانه قال له: “الحاج عبدالعظيم اللي كنا نعرفه عمره ما كان يعمل كده.” ابتسم وقال: “الحاج عبدالعظيم اللي كنتم تعرفوه… مات يوم كسر قلب حفيدته.”
أما كريم… فكان بيتابع بنته وهي بتكبر قدامه كل يوم. مريم بقت أكثر ثقة في نفسها. مبقتش تخاف تتكلم… ولا تخجل من رأيها. وفي المدرسة بدأت تشارك في المسابقات، وكل ما تكسب جايزة كانت أول واحدة تجري توريها لأبوها. لكن المرة دي… كان فيه حد تاني مستني يشوفها. جدها. كان كل شهادة تعلقها مريم على الحيطة… يوقف قدامها دقائق طويلة، ويقول: “أنا ضيعت سنين وأنا فاكر النجاح له شكل واحد.”
وفي مساء هادئ… كانت العيلة كلها مجتمعة على العشا. فجأة وقف الحاج عبدالعظيم وخبط على الكوباية بخفة. الكل سكت. قال: “عندي كلام لازم يتقال.” بص ناحية كريم وقال: “أنا ظلمتك سنين… وكنت فاكر إن القسوة هتخليك أقوى. لكن الحقيقة إنها بعدتك عني.” ثم بص ناحية أخته وقال: “وظلمت أولادك لما زرعت بينهم المقارنة.” وبعدها لف ناحية مريم، وابتسم وقال: “وأكبر ظلم عملته… إني خلت بنت صغيرة تشك في نفسها.”
مد إيده تحت الترابيزة، وطلع ملف أزرق. حطه قدام الجميع. قال: “الملف ده فيه تعديل كل العقود والوصايا.” استغربوا كلهم. فتح المحامي الملف، وبدأ يقرأ. “يتم توزيع الحقوق بين جميع الأحفاد دون أي تفرقة بسبب النوع.” ساد الصمت. أكمل: “كما تُخصص نسبة ثابتة من أرباح الشركة كل سنة لدعم تعليم الأطفال.” بصت الأخت لأبوها وقالت: “يعني مريم زيها زي الولاد؟” رد من غير تردد: “لا… مش زيهم… هي حفيدتي، وليها نفس الحق كامل.”
في اللحظة دي… قامت مريم من مكانها، ومشيت لحد جدها. مدت له الحصان البلاستيك المكسور اللي كانت محتفظة بيه في أوضتها طول السنة. قال باستغراب: “بتديهولي ليه؟” ابتسمت وقالت: “علشان تفتكر إننا منرجعش نكسر قلب حد تاني.” أخد الحصان بإيدين مرتعشتين، وحطه في منتصف السفرة بدل أي زينة. وقال: “من النهارده… ده هيبقى أغلى حاجة في البيت.”
بعد أيام قليلة… دعا الحاج عبدالعظيم كل العاملين في الشركة لاجتماع كبير. وقف قدامهم وقال: “زمان كنت باختار الناس على أساس مين أقوى ومين صوته أعلى. من النهارده… اللي هيترقى هو اللي يستحق، سواء راجل أو ست.” بدأ الموظفون يصفقون، لكن كريم كان عارف إن أبوه مش بيقول الكلام ده علشان الناس… كان بيقوله لنفسه قبل أي حد.
وفي نهاية الاجتماع… دخلت مريم تمسك إيد أبوها. كانت شايلة لوحة صغيرة عملتها بنفسها، وعلقتها عند مدخل الشركة. مكتوب عليها بخط طفولي جميل: “المكان اللي العدل فيه يبدأ… النجاح عمره ما يبعد.”
وقف الحاج عبدالعظيم قدام اللوحة، وابتسم لأول مرة من قلبه. وبص لكريم وقال: “أنا كنت فاكر إني هسيب لكم شركات وفلوس. لكن أكبر ميراث أقدر أسيبه… إنكم متكرروش غلطي.”
بص كريم لبنته، ثم لأبوه، وحس إن الجرح اللي بدأ بحصان مكسور… اتحول أخيرًا إلى درس هيعيش في العيلة لأجيال طويلة.
مرت ثلاث سنين… وكبرت مريم. بقت عندها حداشر سنة… لكن عمرها ما رمت الحصان المكسور. كانت حاطاه على رف في أوضتها، وكل ما حد يسألها ليه محتفظة بيه، تبتسم وتقول: “علشان ما أنساش إن ربنا يقدر يطلع الخير من أصعب موقف.”
في يوم… وصلت دعوة للعيلة كلها. مدرسة مريم كانت عاملة احتفال كبير لاختيار الطالب المثالي على مستوى المحافظة. المدير بنفسه اتصل بكريم وقال: “لازم الأسرة كلها تحضر… لأن بنت حضرتك ليها كلمة هتلقيها قدام كل الناس.”
راحوا كلهم. كريم وسارة وأحمد… وحتى الحاج عبدالعظيم أصر يروح رغم إن صحته بقت أضعف من الأول.
أول ما دخل المدرسة… المدرسين والطلبة كانوا بيسلموا عليه باحترام. استغرب جدًا. همس لكريم وقال: “أنا أول مرة أدخل مدرسة من وأنا شاب.”
ابتسم كريم وقال: “يمكن دي كانت ناقصة من عمرك.”
بدأ الحفل… وبعد شوية نادى المذيع: “دلوقتي معانا الطالبة مريم كريم النجار.”
طلعت مريم على المسرح وسط تصفيق كبير. وقفت قدام الميكروفون، وبصت للحضور، ثم قالت: “طلبوا مني أتكلم عن أكتر موقف غير حياتي.”
كل القاعة سكتت.
قالت: “وأنا عندي تمن سنين… خدت في العيد لعبة مكسورة.”
بدأ بعض الناس يبصوا لبعض باستغراب.
كملت وهي مبتسمة: “يومها زعلت جدًا… وافتكرت إن قيمتي قليلة.”
لفت تبص ناحية جدها.
وقالت: “بس أبويا علمني إن قيمة الإنسان مش في رأي الناس… ولا في الهدية اللي بياخدها… قيمة الإنسان في احترامه لنفسه.”
نزلت دمعة من عين كريم.
أما الحاج عبدالعظيم… فكان مطأطئ راسه.
مريم كملت: “وجدي علمني حاجة تانية.”
رفعت عينيها ناحيته.
وقالت: “إن الإنسان الشجاع… هو اللي يعترف بغلطه ويصلحه.”
في اللحظة دي…
وقف كل الموجودين في القاعة يصفقوا.
أما الحاج عبدالعظيم…
فماقدرش يقعد مكانه.
قام ببطء…
ومشي لحد المسرح.
الكل كان متابع في صمت.
طلع السلم…
ووقف جنب حفيدته.
أخد الميكروفون منها.
وقال بصوت متأثر: “أنا الراجل اللي كسر قلب البنت دي.”
القاعة سكتت تمامًا.
قال: “زمان كنت فاكر إن السلطة معناها إن الكل يسمع كلامي.”
“لكن حفيدتي علمتني إن السلطة الحقيقية… إن الإنسان يحكم نفسه قبل ما يحكم غيره.”
ثم لف ناحية مريم.
وقال: “قدام الناس كلها… بشكرك.”
“لولاكي… كنت هموت وأنا فاكر نفسي صح.”
حضنها وسط تصفيق طويل.
بعد انتهاء الحفل…
ركبوا كلهم العربية.
كانت مريم قاعدة جنب جدها.
قال لها وهو بيضحك: “إيه رأيك نعدي على محل الألعاب؟”
ضحكت وقالت: “ليه؟”
قال: “كل عيد من يوم اللي حصل… بقيت أشتري ألعاب للأطفال.”
“بس السنة دي… عايزك إنتِ تختاريها.”
وصلوا للمحل.
دخلت مريم تلف بين الأرفف.
وفجأة وقفت قدام مجموعة من الخيل البلاستيك.
فضلت تبصلهم شوية.
الجد قرب منها.
وقال: “عجبك واحد فيهم؟”
ابتسمت.
وهزت راسها بالنفي.
قال باستغراب: “ليه؟”
ردت وهي ماسكة إيده: “أنا مش جاية أشتري حصان.”
“أنا جاية أشتري عرايس… وعربيات… وكرات… وكل الألعاب.”
استغرب.
قالت وهي تضحك: “علشان كل طفل يدخل المؤسسة… يختار اللعبة اللي يحبها… من غير ما حد يقوله دي للبنات… أو دي للولاد.”
ابتسم الحاج عبدالعظيم.
وقال وهو ينظر إلى كريم: “واضح إن الدرس كبر معاها.”
رد كريم بهدوء: “لأ يا بابا…”
“الدرس كبر بينا كلنا.”مرت خمس سنين…
وكبرت مريم.
بقت في أولى جامعة.
وكل سنة…
في أول يوم عيد…
كانت مؤسسة “حقها تفرح” تستقبل آلاف الأطفال.
وكان فيه عادة محدش يقدر يغيرها.
أول لعبة تتوزع…
لازم تكون حصان صغير.
مش علشان الأولاد…
ولا علشان البنات.
لكن علشان يفضل كل واحد يعرف…
إن لعبة مكسورة كانت سبب في تغيير عيلة كاملة.
في صباح أول أيام العيد…
كان الحاج عبدالعظيم قاعد على كرسي متحرك.
صحته بقت ضعيفة.
لكن كان مُصر يروح المؤسسة بنفسه.
أول ما دخل…
الأطفال جروا عليه.
واحدة صغيرة حضنته وقالت:
“كل سنة وإنت طيب يا جدو.”
ابتسم وهو مسح على رأسها.
وقال:
“كل سنة وإنتوا أحسن مننا.”
بص كريم لأبوه…
وافتكر يوم العيد القديم.
اليوم اللي خرج فيه من الفيلا وهو فاكر إنه خسر أبوه للأبد.
ماكنش يعرف…
إنه كان بداية رجوعه.
بعد انتهاء الاحتفال…
طلب الحاج عبدالعظيم من كريم ومريم يدخلوا مكتبه في المؤسسة.
فتح درج المكتب.
وطلع الحصان البلاستيك المكسور.
كان محتفظ بيه كل السنين دي.
رغم إنه بقى قديم…
ولونه بهت أكتر.
لكن كان بالنسبة له…
أغلى من أي تحفة.
حطه في إيد مريم.
وقال:
“ده أمانة.”
استغربت.
وقالت:
“ليه يا جدو؟”
ابتسم.
وقال:
“لأنه فكّرني كل يوم…
إني كنت ممكن أخسر ابني…
وحفيدتي…
وربنا اداني فرصة أصلح.”
ثم بص لكريم.
وقال:
“أنا فخور بيك.”
الكلمة دي…
كانت أول مرة كريم يسمعها من أبوه.
رغم إنه استناها عمر كامل.
ماقدرش يتمالك نفسه.
حضنه بقوة.
وقال:
“أنا مستنيها من وأنا عندي عشر سنين.”
رد الجد وهو بيبكي:
“وأنا ندمت إني اتأخرت كل العمر.”
بعدها بشهور قليلة…
رحل الحاج عبدالعظيم.
لكن المرة دي…
ماحدش افتكره كرجل أعمال كبير.
ولا كرئيس مجلس إدارة.
كل اللي حضروا جنازته…
كانوا بيتكلموا عن حاجة واحدة.
عن الرجل…
اللي اعترف بغلطه قبل ما يموت.
وفي قراءة وصيته…
اتفاجأت العيلة كلها.
المحامي فتح الظرف.
وقال:
“بناءً على رغبة المرحوم الحاج عبدالعظيم النجار…”
“يتم تحويل الفيلا القديمة بالكامل…
إلى مركز لتأهيل وتعليم الأطفال.”
“ويُطلق عليها اسم…
بيت مريم.”
بدأت الدموع تنزل من عيون الجميع.
وأكمل المحامي:
“كما أوصي…
أن يوضع الحصان البلاستيك المكسور…
داخل صندوق زجاجي…
في مدخل المؤسسة.”
“ويكتب تحته:
لا تستهين أبدًا بكلمة…
ولا بموقف…
فقد يغيّر حياة إنسان للأبد.”
بعد سنة…
كان الأطفال يدخلون المؤسسة.
وأول حاجة يشوفوها…
حصان قديم مكسور.
يسألوا:
“إيه حكاية اللعبة دي؟”
فتبتسم مريم.
وتجلس بينهم.
وتقول:
“دي كانت أول درس اتعلمته في حياتي.”
“علمتني إن قيمتي…
مش بيحددها حد.”
“وإن الإنسان…
يقدر يغير نفسه…
مهما كان غلط.”
كبرت المؤسسة.
وبقت من أكبر المؤسسات الخيرية في البلد.
وآلاف الأطفال…
خرجوا منها متعلمين.
وواثقين في نفسهم.
وفي كل عيد…
كان كريم يقف عند الباب.
يوزع الألعاب بنفسه.
ولما يلاقي حد بيدي ولد لعبة معينة…
وبنت لعبة أقل…
كان يوقفه بابتسامة.
ويقول:
“عندنا هنا…
كل الأطفال يستحقوا نفس الفرحة.”
وفي آخر يوم عيد…
بعد سنين طويلة…
وقفت مريم قدام الصندوق الزجاجي.
وبصت للحصان المكسور.
ابتسمت.
وقالت بهدوء:
“لو اليوم ده ماكانش حصل…
يمكن ماكنتش هعرف قيمة نفسي…
ولا كنت هعرف إن أوقات…
وجع صغير…
يقدر يغيّر مستقبل ناس كتير.”
أمسكت بيد والدها.
وسارا معًا بين الأطفال.
والضحكات كانت تملأ المكان.
أما الحصان المكسور…
فبقي شاهدًا على أن الظلم قد يجرح القلوب…
لكن الحب…
والعدل…
والشجاعة في الاعتراف بالخطأ…
قادرة دائمًا على بناء عائلة من جديد.
تمت.
