حكايات امانى السيد 2

وقفت قدامه وعيني في عينه، الهدوء اللي كان في الشقة كان يسبق العاصفة. هو كان باصص للأرض، مش قادر يرفع عينه في عيني من كتر الخزي والكسوف، وكمان من الخوف من رد فعلي بعد ما أمه وطليقته مشيوا.

ساد الصمت لثواني كأنها سنين، لحد ما هو بلع ريقه وبدأ يتكلم بنبرة كلها تبرير واستعطاف:

“والله العظيم ما كنت أعرف إنهم جايين، ولا أعرف إن أمي هتعمل الحركة دي! أنا اتفاجئت بيهم زيي زيك بالظبط، ومكنتش عارف أتصرف إزاي عشان ما أهينش أمي وفي نفس الوقت مسمحش بقلة القيمة دي في بيتي.”

بصيت له بكل جمود وقولت له بنبرة واضحة ومفيهاش أي مجال للمناقشة:

“أنت مكنتش عارف تتصرف عشان أنت سيبت لهم المساحة من الأول يا محمد. سيبت أمك تتدخل في حياتنا لحد ما افتكرت إن ليها الحق تجيب طليقتك لحد بيتي وعلى سفرتي عشان تكسر عيني! وسيبت طليقتك تتمادى وتتغزل في أيامك معاها وتناديك باسم دلعك قدامي، وأنت واقف تتفرج كأنك ضيف شرف في بيتك!”

حاول يقرب مني ويمسك إيدي وهو بيقول: “يا حبيبتي أنا أسف، أنا عارف إن الموقف كان زبالة، بس أنتِ أخدتي حقك وزيادة، والرد اللي ردتيه عليهم خلاهما يمشوا يولعوا.. أنتِ كسبت الجولة خلاص، بلاش تقلب النكد عليا أنا.”

سحبت إيدي منه بسرعة وعيني برقت بغضب: “جولة؟ أنت فاكر الموضوع ماتش كورة وأنا كسبته؟ دي كرامتي يا سي محمد! كرامتي اللي اتهانت في بيتي. والرد اللي أنا رديته ده كان عشان أصون نفسي لما لقيت الراجل اللي متجوزاه مبيردش! أنت وقفت محتار بيني وبينهم، والسكوت في المواقف دي بيبقى انحياز للطرف الثاني.”

قعدت على الكرسي وحطيت رجل على رجل، وكملت كلامي بثقة ممزوجة بتهديد مبطن:

“أنا دلوقتي مش زعلانة من أمك ولا من أميرة، دول أعداء واضحين وبيلعبوا في المكشوف. أنا زعلي وزعل أبو أولادي الحقيقي منك أنت.. من موقفك السلبي. وعشان الأمور تتصلح، والبيت ده يرجع زي ما كان، لازم النقط تتحط على الحروف.”

هو انتبه لكلامي، وقعد على الكرسي اللي قدامي وبصلي بلهفة وقال: “شروطك إيه يا بنت الأصول؟ أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان ترضي والموضوع ده يقفل تماماً.”

سندت ضهري لورا وابتسمت ابتسامة خفيفة، وقولت له:

“أولاً: طليقتك دي اسمها ميتذكرش في البيت هنا تاني، ولو الصدفة جمعتك بيها في أي مكان عائلي، تتعامل معاها كأنها هوا، لا سلام ولا كلام، وإلا هيكون ده آخر يوم ليا معاك.

ثانياً: أمك على عيني ورأسي، تروح تزورها وتبرها زي ما أنت عايز، لكن خطوتها في البيت هنا بمزاجي وبإذني، ومفيش مخلوق يدخل بيتي من غير ما أكون عارفة وموافقة قبلها بـ 24 ساعة على الأقل.”

هنا جوزي وشه اتغير شوية وقال بتردد: “بس أمي يا…”

قاطعته فوراً وبحزم: “أنا مخلصتش كلامي.. ثالثاً بقى، وده الأهم: التلفون اللي في إيدك ده دلوقتي حالا، هتتصل بأمك وتسمعني وأنت بتقول لها الكلمتين دول..”

جوزي اتسمّر في مكانه وبص للموبايل اللي في إيده وخوفه بدأ يزيد، وأنا كنت قاعدة مستنية أشوف هيختار كرامة بيته ومراته، ولا هيرجع تاني لـ “ميدو” بتاع مامته..

مسك الموبايل بإيد بتترعش، وبصلي بنظرة كلها رجاء وتوسل وقال بصوت واطي: “يا حبيبتي بلاش مكالمة التلفون دي دلوقتي، أمي زمانها ولعة نار، ولو اتصلت أقولها كده هتوقع بيني وبينها وهتكبر الموضوع أكتر، سيبيني أروح لها بكرة و…”

قاطعته بنبرة قاطعة كالسيف، ووقفت من مكاني:

“لو متصلتش دلوقتي وحطيت حد للمهزلة دي قدام عيني، أنا اللي هلم هدومي وهسيبلك البيت، وساعتها مش هترجعني غير بوقفة رجال بجد، ده إذا وافقت أرجع أساساً!”

الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. عارف إني لما باخد قرار مبراجعش نفسي فيه. مسك التلفون وطلّع رقم أمه، وفتَح السبيكر وهو حاطط التلفون على السفرة بيني وبينه، وعينيه باصة للأرض.

الجرس يرن.. مرتين.. ثلاثة.. وفي المرة الرابعة فتحت حماتي، وصوتها كان جايب آخر الشارع من كتر الغضب:

“أهلاً بـ ‘سي محمد’! اتصلت بيا ليه يا حبيبي؟ اتصلت عشان تكمل إهانة أمك اللي جابتك للدنيا؟ ولا السنيورة مليتك كلمتين عشان تيجوا تسخفوا عليا أكتر؟”

جوزي بلع ريقه، وبصلي ولقاني واقفة مربعة إيديا، وبشاور له بعيني إن ده وقت القرار. أخد نفس عميق، ونبرة صوته لأول مرة تتغير وتبان فيها حزم ما شفتوش منه قبل كده:

> “أمي.. اتصلت عشان أقولك كلمتين محشورين في زوري من ساعة ما دخلتي بيتي. أنتِ أمي وعلى راسي من فوق، وجزمتك فوق دماغي.. لكن اللي حصل النهاردة ده خط أحمر ومقبلوش على بيتي ولا على مراتي.”

>

حماتي اتصدمت من النبرة، وسكتت ثواني كأنها مش مصدقة إن ده “ميدو” ابنها، وبعدين صرخت في التلفون:

“أنت بتعلي صوتك عليا عشان خاطر الحرباية دي؟ أنت نسيت أنا مين وهي مين؟ ده أنا جايبة معايا بنت الأصول اللي كانت شايلالك جزمك، تقوم تشتمنا وتطردنا؟”

رد محمد بصوت أهدى بس أشد صلابة:

“أمي.. أميرة دي طليقتي، ست غريبة عني وعن بيتي، ووجودها في بيتي قلة احترام لمراتي وليا أنا شخصياً. مراتي ما أهانتش حد، مراتي دافعت عن كرامتها في بيتها اللي أنتِ جيتي تكسريه بوجود طليقتي. ومن هنا ورايح يا أمي، بيتي له حرمة، وأي زيارة منك تنوريني وتفرحيني، بس تيجوا لوحدك.. ومن غير ما تحاولي تفرضي عليا حد تاني في حياتي. مراتي هي ست البيت ده، والكلمة الأولى والأخيرة ليها فيه.”

حماتي صوتها اتنبح من كتر الغيظ وقالت بنبرة تهديد:

“ماشي يا محمد.. بقيت تمشي ورا كلام الستات وتبيع أمك! حسابي معاك لما أشوفك، وأنا لاعرفك ولا تعرفني من النهاردة!”

ورزعت السكة في وشه!

محمد قفل التلفون وساده الهدوء في الشقة تاني. مسح العرق اللي على جبينه، وبصلي ونظرة انكسار وخوف في عينيه وقال:

“أهو اللي كنت خايف منه حصل.. أمي غضبت عليا، وأميرة زمانها بتضحك ومبسوطة إنها ولعت الدنيا بيني وبين أمي.. ارتاحتي كده؟”

قربت منه بخطوات بطيئة، وحطيت إيدي على كتفه بثبات، وابتسمت ابتسامة هادية وقولت له:

“أمي مش غضبانة عليك يا محمد.. أمك زعلانة إنها فقدت السيطرة عليك، وزعلانة إن ‘ميدو’ كبر وبقى ‘محمد’ اللي بيعرف يحمي بيته ومراته.. وأميرة مش مبسوطة ولا حاجة، أميرة دلوقتي بتضرب دموعها ندماً لأنها اكتشفت إنك مبقتش تحت ضرسها.”

محمد بصلي بقلة حيلة وقال: “وبعدين؟ تفتكري اللعبة خلصت لحد هنا؟ أنتِ مش عارفة أمي ومكر أميرة.. دول مش هيسكتوا على القلم ده!”

ضحكت بصوت واطي وقولت له بكبرياء:

“خليهم يحاولوا.. اللعبة يادوبك لسه تبدأ، وأنا مستعدالهم كويس أوي..”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *