حكايات اسما السيد 2

تحركت عربيات الشرطة بسرعة جنونية، وصوت السارينات كان بيشق سكون الشوارع المهجورة اللي بدأنا ندخلها في أطراف القاهرة. كنت قاعدة في العربية وضهرى مفرود، وعيني مش بتفارق الطريق. كل ثانية بتعدي كأنها سنة، وعقلي عمال يعرض شريط العشر سنين اللي فاتوا.. كل دمعة نزلت مني، كان مدحت بيمسحها بإيده وهو عارف مكانه فين.

العربيات وقفت فجأة قدام مبنى قديم شبه مهجور، شكله كان زي مصنع طوب مقفول من سنين، ومحاط بأسوار عالية. القوة كانت منتشرة في كل مكان، وصوت ضرب نار خفيف سمعته من بعيد خلا قلبي يتخلع من مكانه.

الظابط منعني أنزل من العربية، وقالي بصوت حازم:

“خليكي هنا يا مدام منى.. المكان لسه مش أمان.”

فضلت باصة من الشباك وأنا بدعي ربنا يرجعها لي سليمة. بعد دقايق طويلة من الرعب، بدأ الهدوء يرجع للمكان، ولقيت العساكر خارجين ومعاهم تلات أشخاص مكلبشين، باين على وشوشهم الإجرام.. دول الشبكة اللي جوزي باع بنته ليهم.

وبعدهم ب ثواني.. خرج ظابط من المبنى وهو ساند بتبجح وبطء واحدة ست.

جسمي اتنفض وفتحت باب العربية من غير ما أسمع كلام حد وجريت. البنت كانت ماشية بخطوات ثقيلة، ملامحها كانت تعبانة وشاحبة جداً، شعرها الكيرلي اللي البياع وصفهولي كان طويل ومتبهدل، ولابسة هدوم قديمة.. لكن عيونها.. عيونها كانت هي هي عيون ريم.

“رييييييم!”

صرخت بأعلى صوت عندي والدموع مغرقة وشي.

البنت رفعت راسها بسرعة أول ما سمعت صوتي، وعينها اتسعت بذهول. أول ما شافتني، زقت إيد الظابط وجريت عليا وهي بتصرخ: “ماما!”

اترمينا في حضن بعض.. حضن دافي كنت مستنياه من 10 سنين. كنت بلمس وشها وشعرها وإيديها مش مصدقة إنها بين إيديا فعلاً. ريم كانت بتعيط وتترعش في حضني وتقولي: “كنت عارفة إنك هتوصل لي يا ماما.. كنت عارفة إن الإسورة هتوصلك.”

بعد ما هدينا شوية، والظباط واقفين حوالينا متأثرين بالمشهد، ريم بصت حواليها ووشها اتقلب لخوف وقلق، وسألتني بصوت واطي:

“ماما.. هو بابا فين؟ أنا لمحت عربيته كانت واقفة هنا من يومين.. هو اللي قايدهم عليا؟”

قبل ما أرد عليها وأقولها الحقيقة البشعة عن أبوها، الظابط قرب مننا ووشه متغير تماماً، وهو ماسك جهاز اللاسلكي في إيده، وقال بصوت مليان قلق:

“مدام منى.. اطلعي بالبنت فورا على عربية الإسعاف.. إحنا جالنا بلاغ حالا إن جوزك هرب من المديرية ومختفي، وفي قوة تانية لقت ورق في بيتكوا بيأكد إنه كان ناوي يخلص على الكل لو أمره اتكشف!”

سحبت ريم في حضني وقفلته عليها بكل قوتي، كأن الخطر اللي هددنا عشر سنين رجع يتجسد تاني في لحظة. ركبنا عربية الإسعاف، والعساكر حوطونا لحمايتنا، والعربيات بدأت تتحرك بسرعة جنونية راجعة على وسط البلد.

ريم كانت بتترعش، مش بس من التعب، لكن من الصدمة. بصتلي وعينيها مليانة أسئلة:

“هرب؟ بابا هرب؟ يعني إيه يخلص على الكل يا ماما؟ هو بابا ليه علاقة بالناس دول؟”

مقدرتش أخبي عليها أكتر من كده. دموعي نزلت وأنا ماسكة إيدها الباردة وقلتلها الحقيقة:

“أبوكي هو اللي سلمك ليهم يا ريم… هو اللي باعك عشان الفلوس، وهو اللي كان بياخد صورك طول السنين دي ويخبيها عني.”

الكلمات نزلت على ريم زي الصاعقة. سكتت تماماً، ملامحها اتثبتت وعينيها وسعت بذهول، كأن الصدمة دي كانت أقوى من كل الأيام اللي عاشتها تحت الأرض. حطت إيديها على وشها وبدأت تبكي بحرقة وقهر يقطع القلب.

وفجأة، وسط صوت السارينات، تليفوني اللي في جيبى رن.

طلعت التليفون بوجل… الرقم كان مخفي. الظابط اللي قاعد جمبنا في الإسعاف شاورلي أفتح الخط وأشغل السبيكر بسرعة، وفي نفس الوقت شاور لزميله يجهز تتبع المكالمة.

فتحت الخط وإيدي بتترعش، وجالي صوته… صوت مدحت، بس مكانش صوته الباكي الضعيف، كان صوت واحد قاسي، يائس، ومعندوش حاجة يخسرها:

“وصلتيلها يا منى؟ فرحانة إنك رجعتيها؟”

نطقت بغل: “أنت فين يا مجرم؟ يا خاين يا سارق عمر بنتك!”

ضحك ضحكة قوية خلت شعر جسمي يقف، وقال بصوت فحيح الأفاعي:

“أنا قريب منك أوي يا منى… قريب لدرجة مش هتتخيليها. مفكرين إن الشرطة هتحميكم؟ أنا اللي دخلت الناس دول حياتنا، وأنا اللي هنهي كل حاجة بإيدي. لو ريم اتكلمت وقالت كل اللي تعرفه عن القديم والجديد، أنا هرد سجون ومش هطلع تاني… عشان كده، مفيش حد فيكم هيعيش يشوف بكرا.”

الظابط شاورلي أطول في الكلام عشان يحددوا المكان، فقلت بزعيق:

“أنت اتهبلت؟ هتموتنا يا مدحت؟”

رد ببرود يرعب:

“أنا وراكم… وخطوتكم الجاية أنا عارفها كويس. سلميلي على ريم… وقوليلها الإسورة اللي رجعتك، هي اللي هتدفنك.”

الخط قطع فجأة. الظابط بص للجهاز اللي معاه وبصلي ووشه مخطوف وقال:

“المكالمة جاية من برج تغطية قريب جداً من بيتكوا… هو مستنيكم هناك، أو في الطريق للبيت!”

الظابط صرخ في السواق: “اطلع على المديرية فوراً! بلاش البيت!”

لكن قبل ما عربية الإسعاف تلف من الصينية اللي في أول الشارع، ظهرت عربية نقل ضخمة مشغلة النور العالي في وشنا.. العربية كانت جاية بسرعة جنونية وبتتجه ناحيتنا مباشرة وكأن السواق قاصد يفرمنا.

سواق الإسعاف حاول يتفاداها وكسر الدريكسيون يمين، العربية اتقلبت بينا وسمعت صوت الصاج وهو بيتطبق وصراخ ريم اللي شق وداني قبل ما كل حاجة تسود في عيني.

فقت وأنا حاسة بريحة جاز ودخان مالي المكان.. الدنيا كانت مقلوبة، والظابط وسواق الإسعاف كانوا غرقانين في دمهم وفاقدين الوعي. بصيت جمبي لقيت ريم بتتحرك وبتئن من الألم بس عايشة.

حاولت أزق باب الإسعاف المكسور وخرجت أنا وهي ونحن بنزحف على الأرض.. الشارع كان ضلمة ومفيش فيه صريخ ابن يومين.

وفجأة.. ظهر خيال من ورا الدخان.. خطوات جزمة بتقرب ببطء وثقة.

النور العالي بتاع العربية النقل اللي خبطتنا كان منور عليه، وظهر وشه.. كان مدحت.

ماسك في إيده مس*دس وملامحه خالية من أي رحمة، كأنه شيطان مش البني آدم اللي عشت معاه نص عمري.

وقف قدامنا وبص لريم اللي كانت بتترعش في حضني وقال بفحيح:

“قلتلك يا منى.. مفيش حد هيعيش يشوف بكرا.. ريم لو اتكلمت في النيابة هتدخلني المشنقة، وأنا مستحيل أدخل السجن.”

رفع المس*دس ووجهه على راس ريم.. ريم غمضت عينيها وهي بتصرخ: “يا رب!”

أنا رميت جسمي كله فوقيها وصرخت: “اموت أنا الأول يا مدحت.. اموت أنا الأول!”

مدحت صباعه بدأ يتحرك على الزناد.. وفي اللحظة دي بالظبط، شق سكون الليل صوت ضربة نار قوية جداً.

أنا غمضت عيني مستنية الرصاصة تخترق جسمي.. بس مفيش حاجة حصلت.

فتحت عيني براحة.. لقيت مدحت واقف في مكانه بذهول، المس*دس وقع من إيده، وبدأ خيط دم ينزل من نص جبهته.. بصلي بنظرة أخيرة كلها انكسار، وقبل ما يقع ج*ثة هامدة على الأرض.

من ورا الدخان، ظهرت قوات الشرطة والظابط اللي كان متابع المكالمة ووراهم عربيات نجدة كتير.. الظابط جري علينا وشالني أنا وريم وهو بيقول: “حمد الله على السلامة.. اللعبة انتهت.”

بعد شهر من الحادثة دي..

كنا قاعدين في الصالة، الشمس منورة البيت اللي دخله الفرح بعد 10 سنين ضلمة. ريم كانت قاعدة جمبي، بدأت صحتها ترد وشعرها رجع لجماله، ورجعت الضحكة تنور وشها تاني بعد ما اتعالجت من آثار الحبس.

بصيت في إيدها.. لقيت الإسورة الدهب بتلمع في معصمها. ريم لاحظت نظرتي، مسكت إيدي وقالتلي:

“عارفة يا ماما.. الإسورة دي مكانتش مجرد حتة دهب.. دي كانت الحبل اللي ربط قلبي بقلبك طول الـ 10 سنين، والحمد لله إن قلوب الأمهات عمرها ما بتكدب.”

حضنتها وأنا بنهى حكايتي وأنا حاسة إن روحي هي اللي رجعتلي، وإن سوق الجمعة اللي كان مجرد سوق، بقى المكان اللي اشتريت منه عمري كله من تاني.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *