حكايات زهره الربيع 2
ساد الصمت في الصالون لدرجة أنني كنت أسمع دقات قلبي المتسارعة. أمي مالت لقدام بلهفة وهي بتفرك إيديها بطمع وجشع واضحين، وعينها على الصناديق الفخمة اللي مليانة هدايا وشيكولاتة، وهالة كانت واقفة عند باب الصالون تربع إيديها وتبص بسخرية وتكبر، مستنية تسمع إيه هو “الشرط” اللي ممكن يفرضه شخص ضرير.
سليم أخد نفس عميق، ووضح صوته الرخيم اللي فيه هيبة حقيقية، وقال بلهجة حاسمة:
“أنا عارف ومتابع كل اللي بيحصل… وعارف كويس نظرة المجتمع للمرأة المطلقة، للأسف الناس بتتعامل معاها وكأنها ارتكبت جريمة، مش إنها أخدت حقها في حياة كريمة. وأنا مش هقبل إن وفاء تعيش معايا وهي حاسة ولو للحظة إنها ‘وافقت بيا’ عشان هي ملهاش خيارات تانية، أو إن حد يمنّ عليها بإنها اتجوزت.”
سليم سكت لثواني، ووجه كلامه مباشرة لبابا وأمي:
“شرطي الأول والأساسي… إن هالة أختها، متدخلش بيتي نهائيًا.”
الكلمة نزلت زي الصاعقة! هالة فكت ترييعة إيديها ووشها اتقلب مية لون، وعيونها برقت بغضب عارم. لسه هتنطق وتصرخ، لكن سليم رفع إيده بهدوء وثقة كأنه شايفها، وكمل كلامه بنفس النبرة الحاسمة:
“أنا مبسمعش بعيوني يا جماعة، بس بسمع بقلبي وبعقلي. طنط سعاد حكتلي بمنتهى الأمانة عن رد فعل هالة لما اتعرض عليها الموضوع في الأول، وطريقة كلامها عني وعن وفاء. الشخصية اللي بتبص للناس بتعالي وتكبر، وشايفة إن أختها ‘معيوبة’ لمجرد إنها طلبت كرامتها، دي شخصية مريضة بالغل والحقد. وأنا بيتي هيكون واحة سلام لوفاء… مش هسمح لأي طاقة سلبية أو نظرة حقد تدخل فيه. هالة مش مسموح ليها تعتب باب فيلتي، ولا تشرفني بزيارة.”
هالة هنا مقدرتش تمسك نفسها، صرخت بصوت هز الحيطة:
“أنت مين أصلاً عشان تمنعني؟! فاكر نفسك مين بفلوسك وعيلتك؟ أنت في الآخر واحد أعمى! مش بتشوف صوابع إيدك! وجاي تتفلسف علينا وتعمل فيها قاضي؟! أنا أصلاً لو دفعوا لي ملايين مش هدخل بيتك الكئيب ده!”
والدة سليم وقفت بوقار وغضب شديد من قلة أدب هالة، ولسه هتتكلم، لكن سليم ابتسم بهدوء بارد ومستفز جداً، وقال:
“الحمد لله إنك أكدتي كلامي ووفرتي عليا مجهود الإقناع. قلة أدبك دي هي السبب اللي يخليني أصر على شرطي.”
بص لوالدي وقال: “يا عمي، المهر والشبكة اللي في الصناديق دول بتوع وفاء لوحدها، وفيلا الزوجية هكتبها باسمها كهدية جواز، وده حمايتها وضمانها عشان مفيش مخلوق يفكر يكسر بخاطرها تاني. لو موافقين على شروطي، المأذون مستني برة عشان نكتب الكتاب حالاً.”
أمي كانت في صراع رهيب بين جشعها ورغبتها في تأمين الفلوس والفيلا دي لوفاء (واللي أكيد شايفة إنها هتستفيد منها بعدين)، وبين كرامة بنتها الدلوعة هالة. لكن الفلوس والجاه دايماً بيكسبوا في حسابات أمي. بصت لهالة بحدة وقالتلها: “اسكتي خالص يا هالة وخشي أوضتك حالاً! كفاية قلة أدب بوظتي الدنيا!”
هالة بصت لأمي بذهول ودموع قهر من إن أمها مدافعتش عنها، وجريت على أوضتها ورزعت الباب وراها بكل قوتها.
أما والدي، فهز رأسه بوقار وقال: “أنا موافق يا بني. أنت راجل بجد، ووفاء بنتي تستاهل حد يصونها ويقدر قيمتها.”
وخلال ساعة واحدة، وبحضور المأذون، اتكتب كتابي على سليم. كنت بوقع على الدفتر وإيدي بترتعش، مش قادرة أصدق السرعة اللي حياتي اتغيرت بيها. من مطلقة متهانة في بيت أهلها، لزوجة رجل ملوش مثيل في الشهامة والرجولة، كاتب باسمي فيلا وشبكة ومهر يعجز أي حد في عيلتنا يحلم بربعهم.
بعد أسبوع من التجهيزات السريعة وبدون فرح صاخب بناءً على رغبتي ورغبة سليم، أخدني سليم في عربية فارهة مخصصة ليه مع سواق خاص، وروحنا على بيتنا الجديد… الفيلا اللي وعدني بيها.
أول ما دخلت من الباب، اتفاجئت بجمال المكان وأناقته. الفيلا كانت عبارة عن تحفة معمارية بتصميم مودرن راقي جداً، مفيش فيها أي كركبة أو تفاصيل معقدة؛ كل حاجة كانت محطوطة بنظام دقيق يسهل على سليم الحركة بحرية وأمان.
الصالون الرئيسي كان واسع، مريح للأعصاب بألوانه البيج والرمادي الدافية، مجهز بأثاث فخم ومريح بلمسات من الرخام والإضاءة الأنيقة اللي بتدّي دفء للمكان.
وقفنا في وسط الصالة، وسليم ساب عصايته الذكية على التربيزة، وبص ناحيتي بابتسامته الداغية اللي بتدوب أي توتر، وقال:
“مبروك بيتك الجديد يا وفاء… أتمنى يعجبك. أنا حاولت أخلي تصميم المكان بسيط وراقي، ومريح ليا وليكي.”
قربت منه بخطوات هادية، وحطيت إيدي على كتفه وقولت بصوت طالع من كل قلبي:
“البيت جميل جداً يا سليم… بس الأجمل هو الأمان اللي حسيت بيه معاك من أول يوم. شكراً لأنك رجعتلي كرامتي قدام الكل.”
سليم مسك إيدي بحنان، وقربها من شفايفه وباسها وقال بنبرة مليانة حب حقيقي:
“أنا معملتش غير الواجب يا وفاء. إنتي من النهاردة ملكة البيت ده، ومفيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يضايقك طول ما أنا عايش.”
مرت الأيام الأولى لينا مع بعض زي الحلم الجميل. سليم مكنش بس زوج، كان صديق بكل معنى الكلمة. كنت بنبهر كل يوم بذكائه وطريقة تعامله مع الحياة. كان بيعتمد على نفسه في كل تفاصيله الصغيرة؛ بيعرف مكان كل حاجة بدقة، بيتحرك بخفة في الفيلا، وبيشتغل على اللاب توب بتاعه ببرامج صوتية متطورة لإدارة حسابات شركات والده. كنت بساعده بحب وبشغف، وبدأ يدخلني معاه في تفاصيل شغله ويعلمني إزاي أتابع معاه الحسابات والملفات.
لكن… الهدوء ده دايماً بيكون وراه العاصفة.
في يوم، وسليم كان في الحمام بيستعد للخروج، تليفونه الشخصي كان محطوط على التربيزة قدامي ورن برقم غريب. التليفون كان مبرمج ينطق اسم المتصل أو الرقم بصوت عالي.
التليفون نطق اسم: “ياسمين”…
قلبي انقبض فجأة. ياسمين؟ مين ياسمين دي؟ هل دي خطيبته القديمة اللي سابته بعد الحادثة؟
الخط قطع، ورجع رن تاني وتالت وإلحاح غريب. سليم خرج من الحمام وهو بينشف وشه بالمنشفة، وسألني بهدوء: “مين اللي بيرن يا وفاء؟”
قولتله بنبرة حاولت أخليها طبيعية بس التوتر كان باين فيها: “رقم مسجل باسم… ياسمين.”
فجأة، ملامح سليم اتغيرت تماماً. الابتسامة اختفت من على وشه، وحسيت بجسده كله تشنج وعضلات وشّه اتشدت بغضب وضيق مكتوم. مد إيده ومسك التليفون بسرعة وقفل السكة.
بصيتله بذهول وقولت: “سليم… في حاجة؟ مين ياسمين؟”
سليم أخد نفس عميق، وقعد على الكرسي وهو حاطط راسه بين إيديه بتعب، وقال بصوت واطي ومخلوق بالهم:
“ياسمين دي… هي الغلطة الكبيرة اللي في حياتي يا وفاء. خطيبتي السابقة اللي سابتني بعد الحادثة… بس الموضوع مش بالبساطة دي… ياسمين مرجعتش ترن دلوقتي لمجرد الشوق أو الندم… ياسمين بتهددني بحاجة لو عرفتيها… ممكن تنهي حياتنا مع بعض قبل ما تبدأ!”
حسيت ببرودة بتسري في جسمي كله، والأرض بدأت تلف بيا تاني… يا ترى إيه السر اللي ياسمين بتهدد بيه سليم؟ وإيه اللي ممكن يهدد جوازنا؟…
الدموع هربت من عيني من غير ما أحس، ورجعت خطوة لورا وكأن صدمات عمري كلها اتجمعت تاني في اللحظة دي. بصيت لسليم وأنا حاسة بقلبي بيتعصر: “بتهددك بإيه يا سليم؟ أرجوك اتكلم معايا.. أنا لسه خارجة من علاقة عشت فيها زي الجارية ومكنتش أعرف عن جوزي حاجة، مش هقدر أستحمل أعيش في كذبة تانية!”
سليم قام من مكانه بسرعة، وبدأ يتحرك في الأوضة بتوتر ظاهر، وكان بيخبط العصاية بتاعته في الأرض بعصبية لأول مرة أشوفها فيه. أخد نفس طويل وقال وصوته بيرتعش من الغضب:
“ياسمين مسبتنيش لمجرد إني بقيت ضرير يا وفاء.. ياسمين سابتني بعد ما سرقت ملفات وتصاميم هندسية لشركتنا، ملفات تسوى ملايين، وباعتها لشركة منافسة! ولما كشفتها وطردتها من حياتي، الحادثة حصلتلي بعدها بأيام.. أنا كنت فاكر إنها حادثة قضاء وقدر، بس قبل ما أتجوزك بأسبوع، جالي اتصال منها بتهددني فيه وبتقولي إن الحادثة دي مكنتش صدقة، وإنها عندها تسجيلات ليا وأنا بتكلم في ملفات سرية تانية ممكن توديني في داهية وتدمر سمعة عيلتي لو مديتهاش اللي هي عايزاه!”
حطيت إيدي على بوقي بذهول: “يعني هي اللي تسببت في الحادثة اللي ضيعت نظرك؟! وهي دلوقتي بتبتزك؟!”
سليم هز راسه بمرارة: “أنا ميهمنيش نفسي يا وفاء.. أنا اللي هيموتني إنها بتهدد بيكي إنتي! بتقولي لو مروحتلهاش ودفعتلها المبلغ اللي عايزاه، هتبعت ناس يأذوكي أو يشوهوا سمعتك عشان تكسرني بيكي.. هي عرفت إني كتبتلك الفيلا وعرفت إني بحبك وبحترمك.. ياسمين شيطانة يا وفاء، شيطانة ومش هتهدا إلا لما تدمر أي لحظة فرحة بعيشها.”
في اللحظة دي، الخوف اللي كان جوايا اتمحى وحل مكانه غضب رهيب وقوة عمري ما حسيت بيها قبل كده. قربت من سليم ومسكت إيديه الاتنين وضمتهم لصدري وقولتله بقوة:
“سليم.. بصلي.. أنا مش وفاء الضعيفة اللي كانت بتتهان وتسكت. أنا وفاء اللي اختارت كرامتها ووقفت في وش الدنيا كلها. ياسمين مش هتقدر تكسرنا، وإذا كانت هي بتلعب في الضلمة، فإحنا هنواجهها في النور. إحنا لازم نبلغ الشرطة ونكشفها.”
سليم ابتسم بمرارة وهو بيتحسس وشي بأطراف صوابعه: “الشرطة محتاجة دليل مادي يا وفاء، والتسجيلات اللي معاها متفبركة بذكاء شديد وممكن تضرني قبل ما تضرها.. أنا لازم أقابلها وأفهم هي عايزة إيه بالظبط.”
قبل ما أرد عليه، تليفوني أنا اللي رن!
بصيت على الشاشة ولقيتها أمي. رديت وأنا بحاول أداري التوتر اللي في صوتي: “أيوة يا ماما.. في حاجة؟”
جالي صوت أمي وهي بتعيط وتصرخ بهستيريا: “الحقينا يا وفاء! اختك هالة.. هالة ضاعت يا بنتي!”
قلبي سقط في رجليا: “مالها هالة؟! حصلها إيه؟!”
أمي قالت وهي بتشهق من البكاء: “هالة من ساعة ما كتبتوا الكتاب وهي قافلة على نفسها ومنهارة، والنهاردة الصبح نزلت وقالت إنها رايحة تقابل واحد اتعرفت عليه على النت ووعدها إنه هيشغلها في شركة كبيرة ويعوضها عن الإهانة اللي شافتها.. ومن ساعتها تليفونها مقفول، ولسا واصلني رسالة من رقم غريب بيقولوا فيها إن أختك معاهم ومخطوفة، وطالبين فدية مليون جنيه وإلا.. وإلا هيموتوها يا وفاء! أرجوكي قولي لسليم يلحقنا.. مفيش غيره يقدر يدفع المبلغ ده!”
بصيت لسليم وأنا مذهولة، ونقلتله الكلام بسرعة. سليم ملامحه اتصلبت وعيونه الواسعة ضاقت بتركيز شديد. سحب التليفون من إيدي وقال لأمي بصوت حازم زي الرعد:
“يا أم هالة.. اسمعيني كويس ومتصرخيش. الرقم اللي بعت الرسالة.. ابعتيه على تليفون وفاء حالاً. ومحدش يتكلم مع الشرطة لحد ما أقولكم تعملوا إيه.”
قفل سليم السكة، وبص ناحيتي وقال بنبرة غامضة خلت شعر جيمي يقف:
“مليون جنيه؟ ورقم غريب؟.. اللعبة دي قذرة قوي يا وفاء.. وأنا بدأت أربط الخيوط ببعضها.”
قولتله برعب: “قصدك إيه يا سليم؟ تفتكر ياسمين ليها علاقة بخطف هالة؟!”
سليم ابتسم ابتسامة غامضة وباردة وقال:
“ياسمين متعرفش تجيب أرقام عيلتك لوحدها.. هالة بغبائها وغرورها وقعت في الفخ، وياسمين بتستخدمها دلوقتي ككارت ضغط عشان تخليني أدفع الفدية اللي هي عايزاها تحت اسم ‘مخطوفة’.. هالة ميتخافش عليها دلوقتي لأنها بالنسبالهم كنز، بس هما ميعرفوش إنهم كدة فتحوا على نفسهم باب جهنم اللي مكنش مفروض يتفتح أبدًا!”
سليم سحب لابتوبه وبدأ يضغط على أزرار بسرعة رهيبة وهو بيتكلم في المايك الذكي مع شخص اسمه “عمر”، المحامي وصديق عمره، وبيقوله: “عمر.. جهزلي تتبع للرقم اللي هبعتهولك حالاً.. وعايز قوة حراسة خاصة تطلع على العنوان اللي هيظهر.. اللعبة بدأت والمرة دي مفيش رحمة.”
بصيت لسليم وبقيت شيفاه شخص تاني تماماً.. مش الشاب الضرير الهادي الرومانسى، ده وحش ثائر كرامته وعيلته اتهددوا، ومستعد يهد المعبد على دماغ الكل.
مسك إيدي وقال بصوت واثق: “جهزي نفسك يا وفاء.. إنتي هتيجي معايا.. هنروح ننقذ أختك اللي كسرت بخاطرك، وهننهي كابوس ياسمين للابد.”
خرجنا من الفيلا وركبنا العربية، وضربات قلبي بتسابق الزمن.. يا ترى إيه اللي مستنينا في المكان اللي هالة محبوسة فيه؟ وهل هالة فعلاً ضحية، ولا شريكة في المؤامرة دي من غير ما تحس؟…