حكايات رشا خالد 2

فتحت عيني ببطء شديد بعد ما قفل السكة، وحرصت إن أنفاسي تفضل منتظمة كأنني لسه غرقانة في النوم. حازم لف وبص عليا، ملامحه كانت خالية تماماً من الود اللي بيصطنعه قدام الناس.. وش جاف، بارد، وعينين بتلمع بطمع مرعب. قعد على الكرسي اللي جنب السرير وفضل يراقبني لكام دقيقة، لحد ما تليفونه رن تاني فهز رأسه بضيق وخرج من الأوضة وهو بيتكلم بصوت واطي.

أول ما قفل الباب، اتنفضت من السرير والوجع بيعصر بطني، بس الخوف والأدرينالين كانوا أقوى من أي ألم. كلامه في التليفون كان بيلف في دماغي زي الإعصار.. زبون؟ فصيلة دم ونخاع مطابق؟ غسيل أموال؟ يعني الموضوع مكنش مجرد راجل أناني عايز وريث من ست تانية.. أنا كنت بالنسباله “قطع غيار” متحركة، مشروع تجاري مستني اللحظة المناسبة عشان يتصرف فيه!

مديت إيدي تحت السرير وطلعت الموبايل، وكتبت رسالة سريعة للدكتور يوسف: “حازم بيتكلم عن نخاع مطابق وزبون، وعايز يحبسني في الفيلا.. ساعدني أخرج من هنا”.

الرد جه في ثواني: “مريم، متشيليش أي حركات تلفت النظر.. حازم مراقب كل حاجة. بكبرة هبعتلك ممرضة تبعي بحجة إنها بتغير على الجرح، هكون معاها.. لازم تخرجي من الفيلا دي بأي طريقة لأن حياتك في خطر حقيقي”.

مسحت الرسائل بسرعة ورجعت الموبايل مكانه، ونمت مكاني وأنا بحاول أستجمع ثباتي.

بعد أقل من ساعة، الباب اتفتح ودخل حازم ومعه واحدة ست تلاتينية، لابسة لبس ممرضات، ووشها مفيش فيه أي تعبير:

— مريم حبيبتي.. صحيتي؟ دي داليا، ممرضة ممتازة أنا اتفقت معاها هتقيم معانا هنا في الفيلا الفترة دي عشان تاخد بالها من غيار الجرح والعلاج بتاعك.. أنا مش هأمن عليكي لوحدك بعد كده.

بصيت لداليا، وقلبي كان بيدق بسرعة.. هل دي الممرضة اللي دكتور يوسف قال عليها؟ ولا دي حد تبع حازم عشان يقفل عليا الخط تماماً؟ داليا قربت مني وابتسمت ابتسامة باهتة وقالت:

— حمد الله على سلامتك يا مدام مريم.. الأستاذ حازم موصيني عليكي جداً.

حازم طبطب على رجلي وقال:

— أنا هسيبكم دلوقتي يا حبيبتي ونزل ورايا شوية حاجات في القناة والشركة.. داليا معاكي ولو عوزتي أي حاجة كلميني فوراً.

أول ما حازم خرج وقفل باب الفيلا الخارجي، داليا التفتت بسرعة وقالت بصوت واطي جداً:

— مدام مريم.. دكتور يوسف مستني برة في العربية على أول الشارع.. الفيلا عليها حراسة برة، وحازم مأمن الأبواب الإلكترونية.. بس أنا معايا نسخة من مفتاح الطوارئ للمطبخ اللي بيطلع على الجنينة الخلفية.. قدامنا ربع ساعة بالظبط قبل ما الحرس يعملوا الجولة بتاعتهم.

جسمي كله اترعش:

— بس أنا تعبانة.. مش هقدر أجري!

— مفيش وقت للخوف.. لو فضلتي هنا، الأسبوع الجاي هيكون فيه عملية تانية، ومش هتطلعي منها عايشة.

سندتني داليا بكل قوتها، وطلعت عباية سوداء واسعة من الشنطة بتاعتها لبستهالي فوق لبسي. مشينا بخطوات تقيلة ومرعوبة في طرقة الفيلا لحد ما وصلنا لباب المطبخ الخلفي. داليا فتحت الباب براحة، والهوا البارد خبط في وشي.. الجنينة كانت فاضية.

تسللنا ورا الشجر لحد ما وصلنا للسور الخلفي، ومن بوابة صغيرة مخصصة لعربيات الزبالة والصيانة، خرجنا للشارع الجانبي. دكتور يوسف كان واقف بعربيته، أول ما شافنا فتح الباب وجري علينا.. شالني بسرعة وقعدني في الكنبة اللي ورا، وداليا ركبت جنبه، وطار بالعربية بأقصى سرعة.

أنا مكنتش قادرة أتكلم، كنت ببص ورايا وخايفة في أي لحظة أشوف عربية حازم بتطاردنا.

— إحنا رايحين فين يا دكتور؟ — سألته وأنا بنهج.

— رايحين شقة قديمة تابعة لجدتي محدش يعرف عنها حاجة.. هناك أمان.. وهناك هفهمك كل حاجة بالورق اللي قدرت أسحبه من مكتب مدير المستشفى قبل ما يستقيل ويهرب برة البلد.

بعد نص ساعة، وصلنا عمارة قديمة في وسط البلد. يوسف وداليا سندوني لحد ما طلعنا الشقة. قعدت على الكنبة وأنا حاسة إن روحي بتطلع. يوسف طلع شنطة سوداء وفتحها، وطلع منها ملف أزرق:

— مريم.. حازم جوزك مش مجرد رجل أعمال.. حازم شريك في شبكة دولية لتجارة الأعضاء وغسيل الأموال.. نيرمين المذيعة مش مراته عشان الوريث وبس.. نيرمين هي حلقة الوصل بينه وبين المشتري الأجنبي.. والتحاليل بتاعتك لما عملتي حادثة من سنة وفصيلة دمك النادرة ظهرت، حازم باع بياناتك للشبكة دي.. فيه بروفيسور أجنبي ملياردير محتاج نقل نخاع وفصيلة مطابقة جداً، والجراحة دي تمنها ملايين الدولارات.. هما شالوا الرحم عشان يثبتوا حالتك الصحية ويمنعوا سفرك، ويجهزوا جسمك للعملية الكبيرة اللي كانت ميعادها بعد أسبوعين!

كنت بسمع وبحس إن الموت بيقرب مني.. الراجل اللي عشت معاه تلات سنين كان بيسمنّي عشان يبيعني بالقطعة!

في اللحظة دي.. موبايل داليا رن.. بصت للشاشة ووشها بقى أبيض زي الورقة:

— دكتور يوسف.. الأستاذ حازم بيكلمني على الموبايل بتاعي!

يوسف قال لها بحدة:

— افتحي السبيكر وردي عادي.. أوعي تحسسيه بحاجة.

داليا فتحت الخط بإيد بترعش:

— ألو.. أيوة يا فندم.

صوت حازم جه من السماعة.. بس مكنش صوت حازم الهادي.. كان صوت شيطان حقيقي، وضجكة برود مرعبة هزت حيطان الأوضة:

— داليا.. إنتي ويوسف فاكرين إنكم أذكياء؟ وفاكرة إنك هربتي بمريم؟.. بصي من شباك الشقة اللي إنتي قاعدة فيها دلوقتي كده.. هتلاقي رجالي محاصرين العمارة من أولها لآخرها.. مريم مش هتخرج من هنا غير على المستشفى بتاعي.. والعملية هتتعمل الليلة!

صوت ضحكة حازم في السماعة كان زي فحيح الأفاعي، بيخترق هدوء الشقة القديمة ويحول الهوا لكتلة من التلج. داليا موبايلها وقع من إيدها على الأرض، وشاشته اتشرخت بس الصوت كان لسه طالع منه، مالي الأوضة برعب حقيقي.

يوسف جِري على الشباك بحذر، ورب الملاية المتربة وبص للشارع تحت. وشه اتخطف تماماً، ولف ليا وهو بيبلع ريقه بصعوبة:

— في عربيتين جيب سود واقفين تحت.. وفيه تلات رجالة بجاكت جلد واقفين على باب العمارة.. حازم مش بيهزر يا مريم، المكان متراقب فعلاً!

في اللحظة دي، الوجع الرهيب اللي في بطني اتنسى تماماً، وحسيت بنبضة قوية في عروقي.. نبضة غضب مش خوف. مريم الضعيفة اللي كانت بتعيط من الصدمة في المستشفى ماتت مع الرحم اللي سرقوه مني. بصيت ليوسف ولقيتني ببتسم ببرود غريب:

— حازم غبي.. فاكر إنه لسه سايق اللعبة وميعرفش إن القسيمة والشرط الجزائي معايا.. والملف اللي في إيدك ده يوديه حبل المشنقة.

مسكت الموبايل بتاعي اللي كنت مخبياه، وطلبت نمرة تانية خالص.. نمرة مكنتش أتخيل إني هحتاجها في يوم من الأيام. نمرة المستشار عادل الرفاعي، وصي بابا الله يرحمه وصاحبه الروح بالروح، والراجل اللي حازم كان بيعمل ألف حساب لاسم عيلته ونفوذه في البلد.

— ألو.. عمي عادل؟ أنا مريم.. مريم حسام الرفاعي.

الصوت جه من الناحية التانية ملهوف وقلقان:

— مريم! يا بنتي إنتي فين؟ حازم قالب الدنيا عليكي وبيقول إنك اختفيتي من المستشفى وإنتي تعبانة.. إنتي كويسة؟

— عمي عادل، اسمعني كويس ومن غير ما تقاطعني لأن دقيقتي ببحياة.. حازم سرق رحمي، وحالياً محاصرني في شقة في وسط البلد وعايز يق*تلني وياخد نخاعي يبيعه لشبكة دولية.. ومعايا المستندات والدكتور الشاهد على ج*ريمته.

الخط سكت لثانيتين، وبعدها سمعت صوت خبطة مكتب قوية وصوت عمي عادل وهو بيتحول لبركان غضب:

— ابن (… )! عملها؟ طب ورب العزة ما هيرحمك يا حازم.. مريم، أملي عنوان الشقة بالظبط.. خمس دقايق والمنطقة كلها هتتقلب، ومحدش هيجرؤ يلمس شعرة منك.

مليت عمي عادل العنوان بالملي، وقبل ما أقفل قال لي: “اوعي تفتحي الباب لأي حد مهما حصل.. أنا هكلم وزير الداخلية بنفسي حالاً”.

قَفلت السكة وبصيت ليوسف وداليا اللي كانوا بيبصوا لي بذهول:

— يوسف.. اقفل الباب ده بالترباس، وحطوا الكنب والدواليب وراه.. قدامنا خمس دقايق بس.

بدأنا نجر الكنب الثقيل والدولاب القديم ورا الباب بسرعة وجسمي كان بينزف وجع، بس كنت بدوس على نفسي. فجأة، سمعنا صوت خطوات تقيلة وسريعة طالعة على السلم.. الخطوات وقفت قدام الباب بالظبط.

خبط رزيع وقوي هز الخشب القديم بتاع الباب كأنه هيتكسر، وصوت واحد من رجالة حازم برة بيزعق:

— افتحي يا مدام مريم.. الأستاذ حازم مستنيكي تحت، وبلاش شوشرة عشان متموتيش هنا!

يوسف مسك حديدة قديمة كانت جنبه، ووقف ورا الباب وهو بيتنفس بسرعة، وداليا استخبت ورايا وهي بتبكي بصوت مكتوم. الخبط زاد.. وصوت خشب الباب بدأ يطقطق ويتشرخ..

وفجأة.. صوت الرزع وقف.

بداله، سمعنا صوت صريخ برة على السلم، وجري وعياط، وصوت سرينات بوليس قوية جداً بدأت تملى الشارع تحت والضوء الأحمر والأزرق يضرب في سقف الأوضة من الشباك. عمي عادل جه.. والشرطة حاصرت المكان!

من الشباك، شفت رجالة حازم وهما بيترموا في بوكسات البوليس مكلبشين. يوسف فتح الباب بالراحة بعد ما القوة طلعت، ودخل عمي عادل ومعاه لواء شرطة ورجالته. أول ما شفت عمي عادل اترميت في حضنه وأنا بعيط لأول مرة.. دموع قهر ووجع.

— خلاص يا بنتي.. إنتي في أمان.. حازم نهايته الليلة — عمي عادل قالها وهو بيطبطب عليا.

اللواء أخد الملف الأزرق من يوسف، وبص في الورق وعينيه وسعت من الصدمة:

— الكلام ده مظبوط؟ دي قض/ية أمن دولة وشبكة دولية.. حازم الهواري مش هيشوف الشمس تاني.

تم نقلي للمستشفى العسكري تحت حراسة مشددة عشان أتعالج بجد وبأمان. وبعد يومين، وأنا قاعدة في السرير، الباب اتفتح ودخل عمي عادل والمحامي بتاعي، ووشهم كان فيه علامات تعجب.

— مريم.. حازم اتقبض عليه وهو بيحاول يهرب على طيارة خاصة لليونان ومعه نيرمين.. بس المفاجأة مش هنا — عمي عادل قال وهو بيقعد.

المحامي طلع ورق وقسيمة الجواز بتاعتي وقال:

— مدام مريم.. إحنا فعلنا البند الجزائي في القسيمة، وبما إن حازم اتقبض عليه وجريمته ثبتت، نص أملاك وشركات وقنوات “الهواري ميديا” بقت باسمك قانونياً من النهردا.. إنتي بقيتي الشريكة بالنص في كل حاجة يملكها.

ابتسمت ودموعي في عيني.. حازم اللي كان عايز يكسرني ويموتني عشان الوريث والأملاك، بقى نصه ملكي وأنا اللي هيدير الإمبراطورية بتاعته وهو ورا القضبان.

لكن الفرحة مكملتش لثانية.. موبايل عمي عادل رن، رد وفضل يسمع لثواني ووشه قلب تانيرعب وخوف، وبص لي وهو إيده بتهز:

— إيه؟ بتقول إيه؟.. حازم هرب؟!

المكالمة كانت من مدير المديرية.. حازم وهو بيتنقل لنيابة أمن الدولة العليا، عربية ترحيلات تانية خبطت العربة بتاعته، ومجموعة مسلحة ضربت نار وهربته في وسط الطريق!

وفي نفس اللحظة.. شاشة التليفزيون اللي في أوضتي بالمستشفى اشتغلت لوحدها.. وظهرت نيرمين في بث مباشر من مكان مجهول، وهي بتبتسم وتقول:

— مساء الخير يا جماعة.. الأستاذ حازم الهواري بيسلم عليكم، وبيقول لمدام مريم.. اللعبة لسه مخلصتش، والعملية الكبيرة ميعادها النهاردة بالليل.. وهنجيلك لحد سريرك!

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *