حماتي حكايات رومانى مكرم 1

حماتي حلقتلي شعري وأنا نايمة عشان تجبرني أسيب شغلي… لكنها ما كانتش تعرف إنها كده صحّت جوايا انتقام عمرهم ما هينسوه”

وقالت لو عايزة تفضلي قاعدة في الشقة دي، بكرة الصبح تكتبي استقالتك وتتعلمي إزاي تهتمي بجوزك.”

 

دي كانت أول جملة سمعتها وأنا بفوق من النوم وفروة راسي مولعة نار.

 

ماكانش وجع عادي.

 

كان وجع حارق… مهين… كأن حد غرس سكينة في كرامتي وساب الجرح مفتوح.

 

ريحة الأكل البايت من العشا لسه مالية البيت، وصوت التلاجة القديمة بيزن في المطبخ، والجو كله خانق.

 

حطيت إيدي على راسي…

 

واتجمدت.

 

خصلات شعري كانت مرمية على الملاية.

 

شعري الأسود الطويل اللي كنت بعتني بيه من سنين.

 

شعري اللي كنت بضفره كل جمعة قبل ما أنزل الشغل.

 

شعري اللي كان واصل لنص ضهري.

 

صرخت بأعلى صوتي.

 

النور اتفتح فجأة.

 

ولقيت حماتي أم فوزي واقفة قدام السرير، لابسة روب قديم وممسكة ماكينة حلاقة في إيدها.

 

وعلى السجادة…

 

كومة شعر كبيرة.

 

شعري.

 

نص هويتي.

 

— إنتِ عملتي إيه؟!

 

صرخت وأنا بلمس المكان المحلوق في راسي.

 

حماتي بصتلي ببرود وقالت:

 

— وطي صوتك يا بنتي. الست المحترمة ما تسيبش بيتها وتفضل رايحة جاية في الشغل والسهرات.

 

الليلة اللي فاتت كنت راجعة من احتفال صغير في الشركة.

 

بعد سبع سنين شغل وتعب، أخيرًا اتعينت مديرة قسم المبيعات.

 

كل زمايلي كانوا بيباركولي.

 

لكن بالنسبة لحماتي…

 

كان ده ذنب.

 

وبالنسبة لجوزي فوزي…

 

كان تهديد.

 

رغم إن مرتبي هو اللي كان شايل البيت كله.

 

أنا اللي بدفع القسط.

 

أنا اللي بشتري الأكل.

 

أنا اللي بسدد فواتير الكهرباء والمياه.

 

أنا اللي دفعت ديون فوزي لما خسر فلوسه في مشروع فاشل.

 

حتى علاج حماتي كنت أنا اللي بتكفل بيه.

 

ومع ذلك…

 

كانوا بيتعاملوا معايا كأني خدامة.

 

دخل فوزي على صوت الخناقة.

 

كان لسه صاحي من النوم.

 

بصلي.

 

وبص لأمه.

 

وبص للشعر المرمى على الأرض.

 

استنيت منه كلمة واحدة.

 

أي كلمة.

 

“إنتِ إزاي تعملي كده؟”

 

أو “دي مراتي.”

 

أو حتى “اللي حصل غلط.”

 

لكن ولا كلمة.

 

تنهد وقال:

 

— بصراحة يا سارة… أمي غلطت شوية.

 

شوية؟!

 

كنت حاسة إني هختنق.

 

— أمك حلقتلي شعري وأنا نايمة!

 

هز كتفه وقال:

 

— الشعر بيطول تاني.

 

ساعتها فهمت.

 

المشكلة ما كانتش في حماتي.

 

المشكلة كانت في الراجل اللي واقف قدامي.

 

راجل عايش من فلوسي.

 

وبيسمح لحد يهيني.

 

وبعدين يطلب مني أسكت.

 

ابتسمت حماتي وقالت بانتصار:

حكايات رومانى مكرم

— بكرة تكتبي الاستقالة وتقعدي في البيت. الست مكانها وسط جوزها مش وسط الرجالة في الشغل.

 

بصيت لهم الاتنين.

 

ولأول مرة…

 

بطلت أعيط.

 

قمت بهدوء.

 

أخدت الماكينة من على الكومودينو.

 

ودخلت الحمام.

 

وقفت قدام المراية.

 

بصيت على الجزء المحلوق من شعري.

 

وبدون ما أقول كلمة…

 

شغلت الماكينة.

 

وكملت الباقي بإيدي.

 

خصلة ورا خصلة.

 

لحد ما بقيت حالقة شعري كله.

 

لما خرجت من الحمام…

 

فوزي كان فاتح بقه من الصدمة.

 

وحماتي أول مرة ما كانتش مبتسمة.

 

قال فوزي:

 

— إنتِ بتعملي إيه؟!

 

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

 

وقلت:

 

— عندك حق. هسيب الشغل.

 

فرحت حماتي لدرجة إنها كادت تزغرط.

 

وقالت:

 

— أهو كده. أخيرًا عرفتي مقامك.

 

هزيت راسي وسكت.

 

لكن جوايا كان فيه حاجة تانية بتحصل.

 

الساعة كانت 2:17 بعد نص الليل.

 

فتحت تطبيق البنك.

 

حوّلت كل مدخراتي لحساب أمي.

 

بعدها بدقايق ألغيت كل البطاقات الإضافية اللي كان فوزي وحماتي بيستخدموها.

 

وقفت كل المدفوعات الشهرية.

 

الإنترنت.

 

الكهربا.

 

الميه.

 

اشتراك العربية.

 

كل حاجة.

 

ونزلت نسخ من كل العمليات على موبايلي.

 

وبعدين بعت رسالة لمساعدتي في الشغل:

 

“هشتغل من البيت بكرة. أجلّي أي مقابلات لحد ما أكلمك.”

 

ردت فورًا:

 

“خير يا مدام سارة؟”

 

بصيت لانعكاسي في شاشة الموبايل.

 

وكتبت:

 

“كل حاجة هتبقى خير.”

 

قفلت الموبايل.

 

ونمت جنب جوزي.

 

وهو فاكر إنه انتصر.

#الكاتب_رومانى_مكرم

لكن الحقيقة…

 

إن الحرب لسه ما بدأتش.

 

وفي الساعة 6:12 الصبح…

 

أول إشعار ظهر على موبايل فوزي خلا وشه يصفر.

 

ولأول مرة من ساعة ما شفت حماتي وماكينة الحلاقة في إيديها…وو

في الساعة 6:12 الصبح، النور الميت بتاع الفجر كان يادوب مالي الأوضة. فوزي قلق على صوت “الرنّة” بتاعة الإشعارات اللي ورا بعضها من الموبايل.

مسك التليفون وهو بنص عين، وفجأة لقيت جسمه اتنفض وقعد على السرير، وشه اتقلب ألوان، وبقى يبص للشاشة ويبصلي وأنا عاملة نفسي نايمة وبراقب من تحت الرمش.

أول رسالة كانت من البنك: **”تم إلغاء تفعيل البطاقة الإضافية رقم ….”**

والرسالة اللي بعدها: **”عذرًا، تم إيقاف سداد فاتورة السيارة التلقائي لعدم كفاية الرصيد.”**

وبعدها بدقيقة، رسالة من شركة التكييفات، ورسالة من الصيدلية اللي حماتي بتجيب منها علاج الضغط والسكر الشهري بدفتر الحساب بتاعي: **”نأسف، تم تعليق الحساب المفتوح لعدم تجديد الضمان البنكي.”**

فوزي صوته كان بيرتعش وهو بيهزني:

— سارة.. سارة قومي! إيه المهازل اللي بتتبعت على تليفوني دي؟ الحسابات واقفة ليه؟ الكروت مش شغال ليه؟!

قمت بهدوء شديد.. برود قاتل عمري ما عرفته في حياتي قبل الليلة دي. قعدت على السرير، راسي المحلوقة تمامًا كانت بتلمع تحت ضوء الفجر، المنظر خلاه يبلع ريقه بخوف ويتراجع خطوة لورا.

قلتله بابتسامة صافية:

— مش إنت وأمك عايزينني أقعد من الشغل؟ وأنا وافقت. وبما إني ست بيت ومستقيلة، فما بقاش عندي مرتب، وطبيعي قفلت كل الحسابات والفيزا كارد اللي كنتوا عايشين عليها.. مش الراجل هو اللي ملزم يصرف برضه يا فوزي؟ وريني شطارتك بقى، الشقة دي إيجارها الجديد هيندفع بعد ثلاثة أيام.

في اللحظة دي دخلت حماتي “أم فوزي” وهي بتطوح في المشية، وشها باهت وضغطها عالي، وماسكة علبة الدواء الفاضية في إيدها:

— الحقني يا فوزي.. الصيدلية ماردتش تديني دواء السيولة، بيقولوا الحساب المقفول اتلغى! والدكتور طالب تحاليل جديدة وماعييش ولا مليم!

بصيت لها من فوق لتحت وقلت ببرود:

— معلش يا حمايا العزيزة.. أصل أنا خلاص “عرفت مقامي” زي ما قلتي، ومقامي كست بيت مايسمحليش أدفع آلاف الجنيهات علاج وتحاليل.. فوزي يسد بقى، هو الراجل.

فوزي مسك رماشة راسه وبقى يلطم:

— أصرف منين يا سارة؟! إنتِ عارفة إن المرتب بتاعي يادوب بيكفي قعدتي على القهوة وسجايري وقسط القرض اللي عليا! إنتِ عايزة تخربي البيت؟!

وقفت بكل طولى، وبصيت في عينيه وقربت منه لحد ما نفسنا اتقابل:

— البيت اتخرب لما أمك مدت إيدها على شعري وإنت واقف تتفرج وتقولي “الشعر بيطول”.. دلوقتي بقى فرجني طولك ورجولتك هتعمل بيهم إيه.

سبتهم واقفين في صدمتهم، ودخلت المطبخ أعمل فنجان قهوة. البيت اللي كان دايماً ريحته أكل وخدمة ليهم، النهاردة ريحته كانت غريبة.. ريحة خوفهم هما.

على الساعة 10 الصبح، الباب خبط بقوة.

فوزي فتح وهو مسطول مش عارف يفكر، لقى اتنين رجالة بعضلات واقفين قدام الباب، ومعاهم تلات عربيات نقل نص نقل تحت البيت.

واحد منهم زق الباب ودخل وهو ماسك ورق في إيده:

— السلام عليكم.. إحنا تبع شركة “الأمانة لإيجار السيارات وبيع الأجهزة”. الأستاذ فوزي متأخر عن سداد قسطين من العربية، والمدام سارة سحبت ضمانها البنكي النهاردة الصبح.. يا تدفعوا كاش دلوقتي حالا، يا هناخد العربية وتلاجة العرض وشاشة التليفزيون اللي مأخذينهم بالضمان.

حماتي صرخت:

— تاخدوا إيه يا عمر! دي حاجتنا! شقا ابني!

الراجل ضحك بسخرية وهو بيبص لفوزي:

— شقا ابنك؟ ده الورق كله باسم المدام سارة، وهي رفعت إيدها.. اخلص يا أستاذ، هتدفع ولا نلم الحاجه؟

فوزي بصلي بنظرة رجاء مكسورة، كأنه طفل بيستجدى أمه:

— سارة.. عشان خاطري.. بلاش الفضيحة دي قدام الجيران، الحاجه دي لو نزلت في الشارع هبقى ماليش عين أمشي وسط الناس.

شربت بق من القهوة، وبصيت للراجل بتاع النقل وقلتله:

— فكوا الشاشات والتلاجة وخموا العربية يا سيدي.. الأستاذ فوزي ماعندوش كاش، وأنا ماليش دعوة بالليلة دي.

في أقل من ساعة، الشقة اتعرت. الصالة بقت فاضية، والبيت رجع على البلاط، وصوت زغاريد الجيران المحروق دمهم من حماتي كان مالي الشارع وهما شايفين العفش والعربية بيتسحبوا من “البرنس فوزي”.

حماتي قعدت على الأرض تعيط وتلطم على وشها:

— خربتي بيتنا.. الله يخرب بيتك يا شيخة.. ضيعتي هيبتنا وسط المنطقة!

قربت منها، ووطيت لحد ما بقيت في مستوى وشها، وهمست في ودنها:

— دي البداية بس يا أم فوزي.. أنا حلقت شعري بإيدي عشان أثبتلك إن اللي تقدس شعرها، تقدر تدوس على أي حد يمسه.. إنتِ لسه ماشفتيش حاجة من انتقام “القرعة”.

فتحت تليفوني ولقيت رسالة من رئيس مجلس إدارة الشركة الكبيرة اللي بشتغل فيها، باعتلي “لوكيشن” لفيلا في التجمع، وبيقولي:

“مدام سارة.. المؤتمر السنوي لنقل الإدارة بكرة بالليل، وبصفتك المديرة الإقليمية الجديدة، حضورك ضروري.. إحنا باعتين ليكي عربية خاصة وسواق هيبقوا تحت أمرك من الصبح.”

بصيت لفوزي اللي كان قاعد على الأرض يلم في خيبته، وقلتله:

— أنا خارجة اشتري “باروكة” تليق بمقام مديرة مبيعات إقليمية.. عشان بكرة عندي حفلة تانية، بس المرة دي.. إنت وأمك مش معزومين.

أخدت شنطتي وفتحت الباب، وقبل ما أقفل، لفيت وشي ليهم وقلت:

— أه صحيح.. نسيت أقولكم.. صاحب الشقة كلمني، ولو الإيجار ماندفعش بعد بكرة الساعة 12 الضهر، هيرمي بقية الهدوم بتاعتكم في الشارع.. وروني بقى هتعيشوا إزاي من غير “فلوس الست”؟

قفلت الباب ورايا، ونزلت السلم وأنا حاسة بنسمة الهواء الباردة بتلمس فروة راسي المحلوقة.. ماكانش وجع.. كان إحساس بالحرية والنصر..

واللي جاي.. هيدفعوا تمنه غالي أوي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *