العروسة حكايات زيزى احمد 2
صوت سرينة الإسعاف اللي كان جاي من بعيد بقا عالي جدًا وبيقرب من باب الفندق، وكأن كل دقة فيه بتعلن نهاية الحياة القديمة وبداية كابوس جديد. المسعفين دخلوا القاعة بسرعة، شايلين التروللي الطبي، والناس وسعتلهم بذهول وخوف. الحاجة فاطمة كانت بتصرخ وتلطم على وشها وهي شايفة ابنه البكري، السند في نظرها، بيترفع على السرير وجسمه مسترخي تمامًا ووشه ملوش أي ملامح غير الشحوب والزرقة.
الحاج عبد السلام كان واقف طوله بالعافية، ساند على ضهر كرسي، وباصص لندى بنظرة مكسورة، مخلوطة بغضب ملوش أول من آخر. قرب منها بخطوات تقيلة، وصوته خرج رعاش بس مليان قسوة:
“لو أخوكي جرى له حاجة يا ندى… لا إنتِ بنتي ولا أعرفك، وهييكون حسابي معاكِ عسير. ضيعتي شرف العيلة في ليلة زي دي؟”
ندى ما اتهزتش. نظرتها لأبوها كانت صافية، خالية من الخوف اللي عاشت بيه تلاتين سنة. ردت عليه بنبرة هادية لدرجة تستفز الحجر:
“شرف العيلة ضاع لما ابنك دخل القاعة وفي جيبه مخدر عشان يضيع أخته في ليلة دخلتها يا بابا. أنا ما عملتش حاجة غير إني حميت نفسي… وحميت اسمك اللي هو كان عايز يمرمغه في التراب.”
رانيا، مرات كريم، كانت واقفة بتلم حاجتها من على الترابيزة وعينها بتطق شرار. بصت لندى وقالت بزعيق سمعه نص المعازيم اللي لسه واقفين:
“مش هنسيبك يا ندى. الكاميرات مالية القاعة، والمصور صور كل حاجة، والبوليس لما ييجي هيعرف مين اللي بدل الكاسات… إنتِ مجرمة!”
في وسط المولد ده كله، كان أحمد الشاذلي، العريس، واقف في ركن بعيد. فك زرار البدلة، وإيده كانت بترتعش وهو بيمسح العرق من على جبهته. أحمد مكنش مصدوم بس من اللي كريم عمله، هو كان مصدوم من رد فعل ندى. البرود اللي اتعاملت بيه، والسرعة والثبات الانفعالي اللي خلوها تبدل الكاسات في ثوانٍ من غير ما إيدها تتهز… كل ده خلاه يحس إنه واقف قدام لغز، قدام ست ميعرفهاش.
أحمد قرب من ندى، مسكها من دراعها وشدها بعيد عن العيلة شوية، في ممر جانبي ورا الكوشة. بص في عينها وقال بصوت مكتوم بس مليان غضب وحيرة:
“ندى… فهميني في إيه؟ إحنا في فرحنا! الناس بتتفرج علينا، وأخوكي بيموت، وأهلك بيتهموكِ بمصيبة! إيه البودرة دي؟ وكريم كان عايز يعمل إيه بالظبط؟”
ندى بصت لأحمد، ولأول مرة لمعت في عينها دمعة حبسها كبرياء السنين. قالتله:
“أحمد… كريم مكنش عايزني أفرح. كريم طول عمره بياخد حاجتي، ولما لقاك راجل محترم وبتحبني وشايفني غالية، مكنش قادر يستحمل إن البنت اللي كان بيذلها طول عمرها تطلع من البيت ده مرفوعة الراس. البودرة دي… دي مادة بتغيب الوعي وتخلي الواحد يعمل تصرفات مش طبيعية… كان عايزني أتبهدل قدامك وقدام أهلك والمعازيم، عشان الفرح يبوظ وأطلع أنا الفضيحة اللي ملهاش لزمة.”
أحمد سكت ثواني، بيستوعب الكلام. سألها: “وعرفتي منين إنه حطها؟”
ندى ضحكت وجع: “شفته يا أحمد. شفته في المراية اللي ورايا وهو بيميل وبيداري بإيده. تفتكر كنت المفروض أشرب؟ أو أصرخ وأعمل فضيحة وأبويا يقولي ‘لمي الدور عشان منظرنا قدام الناس’ وكريم يطلع منها زي الشعرة من العجين كالعادة؟ لأ يا أحمد… أنا من الليلة دي مش هلم الدور تاني.”
قبل ما أحمد يرد، دخل القاعة اتنين من أفراد أمن الفندق ومعاهم ضابط شرطة برتبة نقيب، كان موجود بالصدفة تأمين للفندق. الضابط قرب من المكان اللي فيه لسة آثار الإزاز المكسور وبقايا العصير المدلوق على الأرض.
الضابط بص للحاج عبد السلام وقال بحسم:
“يا فندم، جايلنا بلاغ بحالة تسمم أو اشتباه جنائي في القاعة، والإسعاف أخدت المصاب. مين هنا المسؤول؟ ومين اللي كان واقف معاه قبل ما يقع؟”
رانيا جريت على الضابط بسرعة وشاورت بإيدها على ندى:
“هي يا فندم! أخته… ندى عبد السلام. هي اللي بدلت الكاسات وحطتله السم في العصير قدام الكل!”
الضابط لف وبص لندى اللي كانت واقفة بفستانها الأبيض، وبص لأحمد العريس اللي وشه كان جايب مية لون. الضابط قال بنبرة جادة:
“يا فندم… يا عريس… معلش هنضطر نوقف كل حاجة. مفيش حد هيخرج من القاعة دي، والكاميرات بتاعة الفندق هيتحفظ عليها فورًا. اتفضلي معايا يا عروسة… إنتِ والعريس والحاج.”
ندى بصت لأحمد، وبصت لأبوها وأمها اللي كانوا بيبصولها بغل، وفي اللحظة دي عرفت إن الفستان الأبيض اللي كانت بتحلم بيه طول عمرها، مش هيخرجها لبيت جوزها… ده هيخرجها على قسم الشرطة. بس الغريبة… إنها مكنتش خايفة، كانت حاسة بانتصار غريب، لأنها لأول مرة… خدت حقها بإيدها.
الضابط أخد ندى وأحمد والحاج عبد السلام ورانيا على مكتب أمن الفندق الكبير، والقاعة وراهم تحولت لخلية نحل من الهمس والخوف. المعازيم بدأوا يمشوا وهم مش مصدقين اللي حصل، وفرقة الموسيقى كانت بتلم آلاتها في صمت مرعب.
في المكتب، كانت الأجواء مشحونة لدرجة تخنق. رانيا رايحة جاية وهي بتعيط وتصرخ:
“دي مجرمة يا فندم! دي كانت عايزة تخلص من جوزي في ليلة فرحها، الغل مالي قلبها من ناحيته طول عمرها!”
الضابط خبط على المكتب بقوة وقال بحسم:
“اسكتي خالص يا مدام… الكلام هنا بنظام.”
لف الضابط وبص لندى اللي كانت قاعدة على الكرسي بفستانها الأبيض المنفوش، رامي ضله على الأرض، ملامحها مكنتش ملامح متهمة خايفة، كانت هادية، لدرجة خلّت الضابط نفسه يستغرب. بص لها وقال:
“يا ندى… جوز أختك اتقل في المستشفى، والمؤشرات الأولى بتقول إنه واخد جرعة عالية من مادة مهدئة ومخدرة لو زادت كانت ممكن توقف قلبه. مراته بتتهمك مباشر بتبديل الكاسات. إيه ردك؟”
ندى رفعت عينها وبصت للضابط، ومن بعده بصت لأحمد جوزها اللي كان واقف ساند على الحيطة، حاطط إيده في جيبه وباصص للأرض، مكسور ومش قادر يبص في عين حد من الصدمة.
ندى قالت بصوت ثابـت:
“أنا ما أنكرتش يا فندم. أنا فعلاً بدلت الكاسات.”
الحاج عبد السلام وقف من على الكرسي وعكازه اترعش في إيده، زعق بصوت مخنوق:
“سمعت يا سادة الضابط؟ سمعت بفمها؟ اعترفت الفاجرة! اعترفت إنها بغلها كانت هتموت أخوها!”
ندى لفت وشها لأبوها وقالت بنبرة وجعت كل اللي في الأوضة:
“أخويا؟ أخويا اللي جاب المادة دي معاه في جيبه يا بابا؟ أخويا اللي استغل إن المصور بيجمع الناس، ومال على كاسي وحط البودرة دي عشان يكسرني ويفضحني قدام عريسي وأهله؟ أنا ما جبتش مادة من بره، ولا اشتريت سم. أنا شفته في المراية الكبيرة اللي ورا الكوشة وهو بيحطها. ولما ساب الكاس والتفت يتصور، بدلت الكاسات. لو المادة دي بتموت، يبقى هو اللي كان جاي يموتني أو يضيع شرفي، ولو هي مجرد مفاجأة زي ما قال في المايك… يبقى هو شرب من نفس الكاس اللي كان عايزني أشرب منه. مين المجرم هنا يا بابا؟ اللي حط السم… ولا اللي رفض يشربه؟”
الأوضة كلها سكتت. الضابط بص للحاج عبد السلام اللي وشه جاب ألوان وفجأة ملقاش كلام يقوله. رانيا بدأت تتوتر وبصت للأرض وهي بتفرك في إيدها.
في اللحظة دي، خبط عسكري ودخل الأوضة، ومعاه فلاشة صغيرة.
“يا فندم، دي تفريغ كاميرات القاعة اللي فوق الترابيزة الرئيسية بالظبط، وفيه فني من الفندق جابها فورًا.”
الضابط أخد الفلاشة وحطها في اللاب توب بتاعه، ولف الشاشة عشان الكل يشوف.
الشاشة عرضت الكادر… كريم وهو بيقرب من الترابيزة، عينه بتلف في المكان، وبحركة سريعة ومدارية بطرف جاكيت البدلة، طلع كيس صغير جداً من جيبه، ورش البودرة في كاس ندى. بعدها بـ30 ثانية، ظهرت ندى وهي بتقعد، وبحركة أسرع وأذكى من غير ما تبص، حطت كاسها مكان كاس كريم وأخدت كاسه النضيف.
الضابط قفل اللاب توب، وبص لرانيا وللحاج عبد السلام وقال:
“الفيديو واضح زي الشمس. ابنك يا حاج هو اللي بدأ بالجناية. الشروع في تسميم أو تخدير شخص بدون علمه دي جناية كاملة الأركان. وبنتك تصرفها كان دفاع عن النفس، وإن كانت بدلت الكاسات فده يخليها شريكة في النتيجة، لكن المحرض والفاعل الأصلي هو ابنك.”
الحاج عبد السلام قعد على الكرسي وكأنه كبر عشرين سنة في لحظة. بص لندى وقال بصوت مكسور:
“برضه يا ندى؟ تفضحينا؟ كان ممكن ترمي الكاس! كان ممكن تقوليلي في سري وأنا اتصرف معاه! لكن تخليه يشرب ويقع قدام الناس؟”
ندى وقفت، وبصت لأبوها وقالت:
“لو كنت قولتلك يا بابا، كنت هتقولي ‘لمي الدور يا ندى وما تخربيش فرحك وأخوكي طايش معلش’. أنا الليلة دي مابعتش العيلة… العيلة هي اللي باعتني من تلاتين سنة لحساب كريم.”
لفت ندى وبصت لأحمد، اللي كان لسه ساكت. قربت منه وقالت بصوت واطي:
“أحمد… إنت ساكت ليه؟”
أحمد رفع عينه ليها، النظرة اللي في عينه مكنتش غضب… كانت خوف وحيرة. بص لفستانها الأبيض وقال بنبرة هادية بس شرخت قلبها:
“أنا مش زعلان عشان كريم يا ندى… كريم يستاهل اللي جرى له وأكتر. أنا مصدوم فيكِ إنتِ… الهدوء اللي بدلتِ بيه الكاس، والنظرة اللي بصيتي له بيها وهو بيموت قدامك من غير ما تتهزي… خلوني أحس إني متجوز واحدة تانية خالص مأعرفهاش. أنا خايف يا ندى… خايف من قوتك.”
ندى تراجعت خطوة لورا، والصدمة بدأت تظهر على وشها لأول مرة الليلة دي.
الضابط وقف ولم أوراقه وقال:
“أنا هعمل المحضر بالواقعة دي، وبناءً على التقرير الطبي اللي هييجي من المستشفى عن حالة كريم، النيابة هي اللي هتقرر مين هيفضل محبوس ومين هيطلع بكفالة. اتفضلوا معايا على القسم.”
خرجوا كلهم من الفندق… ندى بفستان فرحها الأبيض وأحمد جنبها كأنهم أغراب، ورانيا بتعيط، والحاج عبد السلام ساند على عكازه. ركبوا عربيات الشرطة، والبلد كلها كانت نايمة، لكن حياتهم كلهم كانت بتتحرق في وسط ليل القاهرة.
ومع أول خيط من نور الفجر، ندى كانت قاعدة في نقطة الشرطة، بتبص من الشباك على الشمس اللي بتطلع، وهي عارفة إن الليلة دي مخلصتش… دي لسه بتبدأ، والمفاجأة الأكبر كانت مستنياهم في المستشفى لما كريم يفوق… أو لو مَفاقش!
