قام من عليـ،،ـها2

أغلق الباب خلفه، فعمّ السكون أرجاء الشقة مجدداً، سكوناً لم يخلُ من ضجيج الأفكار التي كانت تعصف برأس “مريم”. جلست على حافة الفراش، وضمت “أحمد” إلى صدرها بقوة أكبر، وكأنها تستمد من جسده الصغير القوة لمواجهة ما هو قادم. كانت أنفاس الصغير المنتظمة تشعرها بالأمان المؤقت، لكن كلماته الأخيرة قبل أن يرحل ظلت تتردد في أذنيها كطنين مزعج: “مش هطلق… مش قبل ما تديني فرصة أخيرة”.

لم تكن “مريم” تريد فرصاً، كل ما كانت تصبو إليه هو نقطة نهاية لدفتر امتلأ بسطور من القهر والتضحيات التي لم يطلبها منها أحد، بل فُرضت عليها فرضاً.

مرت ثلاثة أيام كاملة، لم يظهر فيها ولم يحاول الاتصال، لكنه أرسل شخصاً من طرفه يحمل كل ما تحتاجه هي والصغير من مستلزمات، في إشارة صامتة منه إلى أنه ما زال موجوداً، ولم يتخلّ عنها رغم ابتعاده الجسدي.

في اليوم الرابع، صدح جرس الباب. انقبض قلب “مريم” ظناً منها أنه هو، فتقدمت بخطوات حذرة ونظرت من العين السحرية، لتجد والدها يقف بالخارج وملامح الغضب والوجوم تكسو وجهه. فتحت الباب بوجل، ودلف الوالد دون أن ينطق بكلمة ترحيب، وجلس في الصالة بوقار مصطنع ثم نظر إليها بحدة قائلاً:

* “إيه اللي أنا سمعته ده يا مريم؟ جوزك جالي المكتب أول امبارح وهو قالب الدنيا، وقالي على كل حاجة!”

تصلبت “مريم” في مكانها، وشعرت برعشة خفيفة تسري في جسدها، لكنها تملكت نفسها وقالت بنبرة حاولت جعلها قوية:

* “وقالك إيه يا بابا؟ قالك إنه شك في شرفي؟ ولا قالك إنه عرف السر اللي أنتوا فضلتوا دافنينه سنين وسيبتوني أشيل ذنبه لوحدي؟”

وقف الوالد بغضب وصاح بها:

* “إحنا عملنا كده عشان نحميكي! عشان نستر على اسم العيلة، وعشان ابن أخويا الله يرحمه ميبقاش ابن حرام في السجلات! وإيه يعني لما شيلتي السر؟ ما أنتِ عشتي معززة مكرمة، وجوزناكِ سيد الرجالة بعده. جاية دلوقتي تخربي على نفسك وتطلبي الطلاق؟”

نزلت دموع “مريم” حارة، لكن هذه المرة لم تكن دموع انكسار، بل كانت دموع قهر تفجر كبرياءها المستباح:

* “تحموني؟ أنتوا حميتوا نفسكم واسمكم وبس! أنا كنت مجرد عروسة حبر على ورق لعلي، وسيبتوني أواجه مجتمع كامل بلقب أرملة وأنا ملمسنيش راجل! ولما اتجوزت تاني، عشت في رعب وشك بسبب كدبتكم! أنا مش هكمل في الجوازة دي يا بابا، وطلاقي هيحصل.”

قاطعها الوالد بقسوة وجفاء:

* “لو اطلقتي يا مريم، لا أنتِ بنتي ولا أعرفك، ولا ليكي مكان في بيتي. وتنسي تماماً إن ليكي أب يربطك بيه صلة دم!”

وقع الكلمات كان ثقيلاً، لكنه هذه المرة لم يكسرها بل جعلها تتخذ قراراً لم تجرؤ عليه يوماً. نظرت إلى والدها بنظرة غريبة، نظرة تخلٍّ تامة، وقبل أن تنطق بحرف، انفتح باب الشقة فجأة بالمفتاح.

دلف زوجها إلى الداخل، وكانت ملامحه مرهقة للغاية، وعيناه غائرتان وكأنه لم ينم منذ أيام. نظر إلى والدها ثم نظر إليها، وتقدم بخطوات واثقة حتى وقف بينهما، وقال لوالدها بنبرة هادئة ولكنها تحمل تهديداً مبطناً:

* “عمي… يا ريت متضغطش على مريم. الكلام اللي بيني وبين مراتي إحنا اللي هنحله، وأنا مش هسمح لأي حد، حتى لو كان أبوهـا، إنه يهددها أو يوجعها تاني.”

التفتت “مريم” إليه بذهول، ولم تكن تفهم سر هذا التحول المفاجئ، وهل هو دفاع حقيقي عنها أم محاولة جديدة لكسب رضاها؟ بينما وقف الوالد وهو ينظر إليهما بضيق، وشعر أن خيوط اللعبة بدأت تفلت من بين يديه.

تابعو صفحه رومانى مكرم

## الجزء الخامس

لم يستطع والد “مريم” تحمل هذا الموقف، فوقف بعصبية ونظر إلى زوجها قائلًا بنبرة حادة:

* “بقى كده؟ طيب يا ابن أخي… أنت وهي حرين في حياتكم، بس افتكري يا مريم، لو رجعتيلي ندمانة في يوم، الباب ده مش هيتفتحلك!”

خرج الوالد وصامد الباب خلفه بقوة هزت أرجاء الشقة. ساد صمت ثقيل، غلّف المكان بهدوء مخيف. التفتت “مريم” نحو زوجها، وكانت عيناها تشعان ببريق غامض يمزج بين الامتنان والصدمة، لكن الكبرياء ظل مسيطرًا عليها. قالت بنبرة جافة:

* “شكرًا على موقفك مع بابا… بس ده مش هيغير حاجة في قراري. أنا لسه عند طلبي.”

اقترب منها بخطوات بطيئة، وبدت عليه علامات إنهاك شديد، وقال بصوت منخفض ومبحوح:

* “أنا مش طالب منك تغيري رأيك فجأة يا مريم. أنا بس طلبت من أبوكي يسيبنا في حالنا، لأني عرفت إننا كلنا ضحايا للعبة قذرة اتلعبت علينا. أنا روحت لـ ‘بسمة’ يا مريم.”

توسعت عينا “مريم” بذهول، وحبست أنفاسها وهي تستمع إليه يكمل:

* “روحتلها وعرفت منها كل حاجة. عرفت إن علي الله يرحمه مكنش عاوز يتجوزك، وإن أبوه وأبوكي هما اللي غصبوه عشان يقطع علاقته ببسمة، ولما مات، هما اللي اشتروا منها أحمد بالفلوس وضغطوا عليها عشان تختفي. أنا عرفت إنك عيشتي مظلومة من كل اللي حواليكِ… وأولهم أنا.”

انهمرت دموع “مريم” صامتة، ولم تجد كلمات ترد بها. تابع وعيناه تلمعان بالندم:

* “أنا مش هضغط عليكي… أنا هسيب الشقة دي وهقعد في مكان تاني لفترة. فكري، وخدي وقتك كامل، ولو صممتي على الطلاق بعد ما تهدي… أنا هفذلك رغبتك بنفسي، بس اديني فرصة أثبتلك إني مش زي الباقيين.”

حمل حقيبة صغيرة كان قد جهزها، ونظر إليها نظرة أخيرة مليئة بالرجاء، ثم غادر هادئًا، تاركًا خلفه المساحة التي طلبتها، والحرية التي كانت تبحث عنها، لكنها حرية بطعم الحيرة.

## الجزء السادس (قبل الأخير)

مرت أسابيع ثلاثة على غيابه. كانت الشقة هادئة بشكل لم تعهده “مريم” من قبل. في البداية، شعرت براحة غامرة؛ فلا نظرات شك، ولا أسئلة، ولا ضغوط. لكن مع مرور الأيام، بدأ الفراغ يتسلل إلى قلبها.

كان “أحمد” يسأل عنه يوميًا: “فين بابا يا ماما؟ هو سافر؟” ولم تكن تجد إجابة سوى الابتسام الصامت. أدركت “مريم” خلال هذه الفترة أن زوجها لم يتخلَّ عنها وعن الصغير للحظة؛ فرغم غيابه، كانت تصلها مصاريف البيت بانتظام، وكان يتصل يوميًا بناني “أحمد” ليطمئن على صحته ودراسته دون أن يزعجها باتصال مباشر.

ذات مساء، وبينما كانت ترتب بعض الأوراق القديمة في درج مكتبه، عثرت على دفتر مذكرات صغير يخصه. ترددت في فتحه، لكن الفضول قادها لتصفحه. كانت صفحات الدفتر الأخيرة مليئة بكلمات كتبها في فترة غيابه:

> “أعلم أنني أخطأت في حقكِ يا مريم… الغيرة عمت قلبي لأنني أحببتكِ بصدق، ولم أتحمل فكرة أن تكوني قد عشتِ لغيري يوماً. لكنني الآن أدرك أن نضجكِ وطهارتكِ كانا أكبر من عقلي المريض بالشك. أنا لا أطلب غفرانكِ سريعاً، بل أطلب فقط أن تحمي نفسكِ وأحمد، حتى لو اخترتِ الابتعاد عني.”

>

سقطت الدموع من عيني “مريم” فوق السطور. شعرت لأول مرة بنبضات قلبها تتحرك نحوه. لم يكن رجلاً قاسيًا، بل كان عاشقًا جرحه الشك وأعماه الغضب، وعندما عرف الحقيقة، امتلك الشجاعة ليعتذر وينسحب ليعطيها حق الاختيار.

حسمت “مريم” أمرها، والتقطت هاتفها، وضغطت على رقمه لأول مرة منذ أسابيع. ما إن رن الهاتف للمرة الأولى حتى أتاها صوته ملهوفًا، يحمل كل مشاعر الشوق والقلق:

* “مريم! أنتِ كويسة؟ أحمد حصله حاجة؟”

تنحنحت وقالت بصوت هادئ يحمل نبرة جديدة:

* “إحنا كويسين يا… يا ابن عمي. أحمد بيسأل عليك بقاله كتير… وأنا كمان شايفة إن الفترة اللي طلبتها خلصت. يا ريت تيجي بكرة عشان نتكلم.”

## الجزء السابع (الأخير)

في المساء التالي، كان يجلس في الصالة، وعيناه معلقتان بنظراتها، بينما كان “أحمد” ينام في غرفته بسلام بعد أن شبع من أحضان والده التي افتقدها. كان التوتر سيد الموقف، حتى قطعت “مريم” الصمت قائلة:

* “أنا فكرت كتير يا… في كل اللي حصل. وفهمت إننا الاتنين دفعنا ثمن كدبة وأخطاء ناس تانية.”

نظر إليها بلهفة وقال:

* “يعني إيه يا مريم؟ طمنيني… قررتي إيه؟”

أخذت نفسًا عميقًا، ونظرت في عينيه بثبات وقالت:

* “قررت إن الماضي مات مع علي، ومات مع كلام بابا. أنا مش هعيش مسجونة في ذنب مش بتاعي تاني. وأنت… أنت أثبتلي إنك بتخاف عليا بجد، وإنك مستعد تتغير عشاننا.”

لم يصدق ما تسمعه أذناه، فنهض وجثا بالقرب منها وقال بصوت متهدج من الفرحة:

* “يعني مش هتسبيني؟ هتديني الفرصة اللي حلمت بيها؟”

أومأت برأسها مع ابتسامة خفيفة ظهرت لأول مرة على وجهها منذ زمن:

* “هنديك الفرصة… بس بشرط. أحمد هيفضل ابننا إحنا الاتنين، والبيت ده مش هيدخله الشك تاني أبدًا. اللي فات انتهى، وهنبدأ من جديد، على نظافة وبصراحة كاملة.”

التقط يدها هذه المرة، ولم تسحبها منه. قبل كفها باحترام وامتنان شديد قائلاً:

* “أوعدك يا مريم… أوعدك هكون ليكي الزوج والأب والأمان اللي اتحرمتي منه سنين. وأحمد هيفضل في عيني ابني البكر اللي مخلفتوش.”

تنفست “مريم” الصعداء، وشعرت وكأن جبلًا من الهموم قد انزاح عن صدرها. نظرت نحو النافذة، ورأت أن خيوط الفجر بدأت تبدد ظلام الليل، تمامًا كما تبددت الغيوم من حياتها، لتبدأ صفحة جديدة مليئة بالأمل والاستقرار، برفقة رجل عرف قيمتها واختار أن يحارب من أجلها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *