بعد سنتين حكايات صافى هانى 2

المكتب تحول لساحة صمت رهيب، مفيش غير صوت رنين الموبايلات المستمر، وصوت شهقات فانيسا اللي كانت بتبص لشاشة تليفونها ووشها بيتحول للون الأبيض التلجي. المساهمين، الموظفين، وحتى الصحافة.. كلهم عرفوا في لحظة واحدة إن “إمبراطورية” أحمد ونورث ستار اتبنت على كدبة كبيرة، وخيانة أكبر.
​أحمد بص للموبايل بإيد بتترعش، وقرأ العناوين اللي بدأت تظهر: “فضيحة مالية وأخلاقية تهز شركة نورث ستار”، “المدير التنفيذي متورط في تزوير نسب”، “الخيانة اللي دمرت أقوى تحالف اقتصادي”.
​إيفلين حطت إيدها على قلبها ووقعت على الكرسي وهي بتبص لابنها اللي مابقاش لاقي مكان يستخبى فيه. فانيسا حاولت تصرخ، بس صوت رجال الأمن اللي بدأوا يقربوا منها عشان ياخدوا أقوالها بخصوص قضايا الاختلاس اللي اتورطت فيها، خلاها تخرس تماماً.
​بصيت لأحمد اللي كان قاعد مكسور، كأنه عجز 20 سنة في دقيقة واحدة. قربت منه، ووطيت لمستوى وشه، وقلت بنبرة تقيلة:
“كنت فاكر إنك بتلعب مع واحدة غلبانة ملهاش ضهر، بس الحقيقة إني كنت بجهز لك “الجرد” الأخير من سنين. كل قرش سرقته، كل كدبة كدبتها، كل إهانة وجهتها لي.. كل ده متوثق، ومتحول لملفات جنائية هتدخلك السجن سنين طويلة.”
​أحمد رفع عينه ليا، وعيونه كانت مليانة توسل: “كلير.. أنا.. أنا مكنتش أقصد، كان ضغط.. أرجوكي، خليني نلم الموضوع!”
​ضحكت بسخرية، ووقفت بشموخ: “تلم الموضوع؟ الموضوع ده “اتسرب” يا أحمد، والعالم كله دلوقتي بيتفرج على نهايتك. وأنا مش “الست اللي مخلوقة للجداول” بس.. أنا الست اللي قررت توقف المهزلة دي وتسترد كرامتها.”
​في اللحظة دي، دخلت الشرطة المكتب، وصوت الكلبشات وهي بتتقفل في إيد أحمد كان أحلى سيمفونية سمعتها في حياتي. فانيسا كانت بتعيط وتتحايل على الضابط، بس كان مفيش فايدة.. الأدلة اللي قدمتها كانت قوية لدرجة إن مفيش محامي في البلد يقدر يخرجهم منها.
​قبل ما الضباط ياخدوهم، بصيت لأحمد نظرة أخيرة، وقلت له:
“البيت اللي كنت فاكر إنك ضمنته، والشركة اللي كنت فاكر إنك ملكتها.. النهاردة بقوا مجرد أطلال، وأنا اللي هبني من فوقها حياة جديدة، بس المرة دي.. من غير أي “خونة”.”
​خرجت من المكتب، ووقفت في الممر، أخدت نفس عميق.. لأول مرة من 8 سنين، حسيت إني بتنفس هواء نضيف، هواء الحرية.. بس قبل ما أمشي، المحامي بتاعي جالي وجري ناحيتي بورقة جديدة، وقال لي بصوت واطي:
“كلير، فيه مفاجأة أخيرة.. الشخص اللي طلع هو الأب الحقيقي للتوأم، طلع مش بس شريكك، ده طلع…”
​سكت المحامي، وأنا اتجمدت في مكاني لما عرفت هو مين، والحقيقة دي كانت أخطر بكتير من كل اللي فات.. يتبع.المحامي بص لي بتوتر، وإيده بتترعش وهو بيسلمني ملف صغير أصفر، وقال: “يا كلير، اللي اكتشفناه في الحسابات السرية، بيكشف إن اللي دفع تكاليف العيادات، وسهل تزوير ورق التوأم، والممول الحقيقي لحياة فانيسا الترفيهية.. مش بس شريكك، ده هو الشخص اللي كنتِ بتثقي فيه أكتر من نفسك.. ده أخوكي الكبير “مراد”.”
​وقفت مكاني زي اللي ضربتها صاعقة. “مراد؟ أخويا؟ اللي كان بيجي يقعد معانا ويواسينا في عدم الخلفه؟ اللي كان دايماً بيشجع أحمد إنه يضغط عليا عشان “نستثمر” أكتر في الشركة؟”
​المحامي هز راسه بأسف: “أيوه، هو. مراد كان بيطمع في الشركة من سنين، وكان عايز يوقعك ويوقع أحمد عشان يورث هو كل حاجة، ولما عرف بموضوع عقم أحمد، استغل الفرصة دي عشان يزرع فانيسا في حياتكم، ويضمن إن التوأم يكونوا من صلبه هو، عشان يضمن مكانه كـ “ولي أمر” قانوني يسيطر بيه على ورث جدك اللي باسمك.”
​حسيت بمرارة في حلقي. سنين من الخداع.. مش بس جوز خاين، وأخت ما عندهاش دم، لا.. ده كمان أخويا اللي كان دمه من دمي.
​دخلت مكتبي وقفلت الباب على نفسي، وفتحت الملف الأصفر. لقيت صور، ومكالمات مسجلة، وعقود بيع وشراء وهمية بتثبت إن مراد كان بيمول كل خطوة دنيئة اتعملت في حقي. مكتوب في آخر ورقة: “خطة السيطرة على تركة العائلة”.
​بصيت من الشباك على عربية مراد اللي كانت واقفة تحت الشركة، كان مستني يشوف أحمد بيخرج مكلبش، عشان يتدخل هو “كمنقذ” للعيلة ويمسك هو زمام الأمور.
​ضحكت ضحكة مسمومة، مسحت دموعي بسرعة، وطلعت تليفوني واتصلت بالنائب العام، وقلت بصوت ثابت:
“حضرتك، أنا عندي ملف بيكشف أكبر مؤامرة اقتصادية وأسرية في تاريخ الشركة.. والمدبر الحقيقي لكل ده واقف دلوقتي تحت مكتبي، مستني الفرصة عشان ينقض على البواقي.”
​في اللحظة اللي نزلت فيها من مكتبي للمدخل، شفت مراد واقف بيوزع ابتسامات كذابة للموظفين اللي كانوا بيعيطوا. لما شافني، وشه اتغير للحظة، وحاول يمثل الصدمة: “يا كلير! يا حبيبتي، إيه اللي حصل؟ أنا سمعت عن الفضيحة وجيت فوراً عشان أقف جنبك!”
​قربت منه، وبصيت في عينيه مباشرة، وبصوت هادي قلت له: “جيت تنقذني يا مراد؟ ولا جيت تلم التركة بعد ما العبيد بتوعك وقعوا؟”
​مراد اتجمد، ولقى كل الموظفين والشرطة بيبصوا له. حاولت أخرج من جيب الجاكيت تسجيلاً صوتياً، بس فجأة، مراد شدني من دراعي وخرج مسدسه اللي مكنش حد يتخيله، ووجهه ناحيتي وقال بصوت واطي ومجنون:
“إنتي اللي جبتيه لنفسك يا كلير.. كان ممكن تعيشي ملكة، بس طمعك في “الحق” هو اللي هينهي حياتك.”
​في اللحظة دي، الكل في الممر اتسمر، صوت سارينة الشرطة بدأت تقرب، ومراد مكنش عنده طريق للهروب.. بس السؤال الأهم: هل أنا كنت محضرة مفاجأة لأخويا زي ما حضرت لأحمد، ولا دي كانت المرة اللي قلبت فيها “اللعبة” ضدي؟ يتبع.مراد كان فاكر إنه مسيطر، وضغطه على دراعي زاد، بس مكنش يعرف إني كنت لابسة “جهاز تسجيل صغير” في الياقة من أول ما عرفت الحقيقة من المحامي، وموصله صوتي مباشرة لغرفة العمليات في الشرطة اللي كانت مراقبة المكان من بدري.
​بصيت لمراد بعيون واثقة، رغم المسدس الموجه ناحيتي، وقلت بصوت عالي: “إنت فاكر إنك لو خلصت عليا هتورث؟ إنت ناسي إن كاميرات المراقبة في الممر ده متصلة مباشرة بسيرفر الشركة، وكل حركة بتعملها دلوقتي متسجلة لايف للنيابة العامة.”
​مراد اتوتر، وبدأ يتلفت حواليه، لقى الموظفين والأمن بيحاوطوه من كل اتجاه. حاول يشدني كـ “درع بشري” ويتحرك ناحية المخرج الجانبي، بس في اللحظة دي، دخلت قوة العمليات الخاصة من مدخل المطبخ والباب الرئيسي، وصوت الضابط كان هز المكان: “ارمي الس*لاح يا مراد.. اللعبة انتهت!”
​مراد حاول يتردد، صوابعه كانت بتترعش على الزناد، بس أنا استغليت لحظة تشتته، ودفعت بكل قوتي برجلي على رجله، وفي نفس الثانية، قوة الشرطة هجمت عليه وطرحته أرضاً، والمسدس طار بعيد.
​أنا وقعت على الأرض من الصدمة والضغط، بس كنت حاسة بنصر عظيم. شوفت مراد وهو متكتف بالكلبشات، بيبصلي بنظرة حقد وغل، بس كان مغلوب على أمره.
​الضابط قرب مني، وساعدني أقوم: “أستاذة كلير، إحنا سمعنا كل حاجة.. اعترافاتك، وتهديداته، وكل الأدلة اللي جهزتيها كانت كافية جداً. مراد، وأحمد، وفانيسا.. التلاتة دلوقتي في قبضة العدالة.”
​وقفت، ونفضت هدومي، وبصيت لمراد للمرة الأخيرة وهو بيتاخد للسجن، وقلت له ببرود: “أنا مكنتش بس شاطرة في الجداول يا مراد.. أنا كنت أشطر بكتير في كشف الخونة.”
​خرجت من المبنى، والشمس كانت طالعة، إعلان لبداية يوم جديد في حياتي. العربية كانت مستنياني، بس المرة دي، أنا اللي كنت سايقة، وأنا اللي كنت بحدد طريقي.
​فتحت الموبايل، ولقيت رسالة من المحامي: “كل الأسهم رجعت لاسمك، والشركة تحت إدارتك الكاملة.. والبيت، والأملاك، كلهم بقوا ملكك قانونياً.”
​ابتسمت، ودوست بنزين، وأنا عارفة إن اللي جاي هيكون أفضل بكتير.. لأن الحياة مش بس صدف، الحياة بتبدأ لما تقرر إنك تكون البطل، مش الضحية.
​النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *