كنت بدفع إيجار 3
## الجزء الخامس: زلزال الحقيقة
السكوت اللي ساد في الصالة كان أرعب من أي صرخة. أمي “نادية” لما سمعت رامي وهو بيقول السر، وقعت من طولها.. أغمى عليها تماماً. رامي كان بيبص لي بنظرة ضياع، كأنه مابقاش عنده حاجة يخسرها بعد ما فجر القنبلة دي.
فوّقنا أمي بصعوبة، وأول ما فتحت عينها وبصت لرامي، بدأت تترعش وتقول:
— “عرفت منين؟ إحنا خبينا عنك كل حاجة عشان تحس إنك صاحب بيت.. عشان ما تحسش بكسرة النفس يا رامي!”
رامي ضحك بمرارة:
— “صاحب بيت؟ أنتم عيشتوني في كذبة! عرفت بالصدفة وأنا بدور في ورق بابا على “فلوس” تخبيها عني.. لقيت شهادة ميلاد قديمة وورقة تنازل من دار أيتام. من يومها وأنا بقيت بكرهكم، وبقول لنفسي لازم آخد كل حاجة قبل ما تطردوني لما السر ده يتعرف!”
قربت منه وقلت له بحدة:
— “نطردك؟ ده أنا كنت بشتغل وأدفع إيجار عشان أنت تعيش وتكبر! بابا وماما شالوك في عينيهم أكتر مني، وفي الآخر تقول خايف نطردك؟ أنت دمرت البيت بجد المرة دي.”
في وسط الدراما دي، موبايلي رن.. كانت “بريهان” تاني:
— “إيمي.. شريف عرف مكاني! هو دلوقتي بيحاصر الشقة اللي أنا فيها، وبيقول لو مخدش الورقة “الناقصة” اللي مع رامي، هيبلغ عني بالسرقة. إلحقيني يا إيمي، أنا خايفة على الولاد!”
سألت رامي وأنا بصرخ فيه:
— “الورقة اللي معاك يا رامي! ورقة إيه دي اللي شريف هيق*تل عشانها؟”
رامي طلع محفظته وفتح جيب سري فيها، وطلع ورقة قديمة ومكرمشة.. كانت “عقد بيع ابتدائي” من صاحب الأرض الأصلي لبابا، بس المميز فيها إنها كانت “على بياض” في خانة المشتري! بابا كان شايلها كده عشان لما يقرر يكتب الأرض لمين فينا، والورقة دي هي المفتاح اللي يخلي “شريف” يملك المنطقة كلها مش بس بيتنا.
قلت لرامي بسرعة:
— “هات الورقة دي، وهات مفتاح عربيتك.”
خدت الورقة وتحركت زي المجنونة، وكلمت “أحمد” زميلي في المباحث وقلت له على عنوان بريهان. وصلت هناك لقيت عربية شريف واقفة، وهو واقف مع اتنين “بودي جارد” بيحاولوا يكسروا باب شقة في عمارة قديمة.
نزلت من العربية وبكل ثقة صرخت:
— “شريف! الورقة اللي بتدور عليها معايا!”
شريف لف وبص لي بابتسامة صفراء:
— “أهلاً بالبطلة.. إيمي اللي بتدفع الإيجار. هاتي الورقة يا شاطرة وخدي بريهان والعيال وامشوا، أنا مش عايز مشاكل مع عيلة “محمود”.”
— “المشاكل بدأت فعلاً يا شريف.. والورقة دي مش هتاخدها إلا على ج*ث*تي.”
في اللحظة دي، بريهان فتحت الباب وخرجت وهي شايلة بنتها وبتحاول تهرب، بس واحد من رجالة شريف مسكها. وفجأة، ظهرت عربيات البوليس في أول الشارع.. أحمد وجهازه وصلوا في الوقت المناسب.
شريف ارتبك وحاول يهرب، بس بريهان عملت حاجة مكنتش في الحسبان.. طلعت “موبايل” صغير من جيبها وقالت بصوت عالي:
— “كل مكالماتك وتهديداتك يا شريف مسجلة هنا! وأنا اللي بلغت عن مكانك!”
القبض على شريف وبريهان كان “تحصيل حاصل”، بس الورق رجع لنا. بريهان اتقبض عليها بتهمة التستر والسرقة، وشريف بتهمة التزوير والترويع.
رجعت البيت وأنا شايلة العقود والورقة اللي “على بياض”. لقيت رامي قاعد في ركن في الصالة، وبابا “محمود” كان رجع من المستشفى على كرسي متحرك وهو بيبص لرامي بحزن.
بابا بص لرامي وقال له بصوت واهن:
— “يا رامي.. أنا ما كتبتش الأرض باسمي عشان كنت مستني اليوم اللي أشوفك فيه راجل بجد عشان أكتبها لك.. بس أنت استعجلت الغدر.”
بابا بص لي وقال: “هاتي القلم يا إيمي.”
مسك بابا القلم، وكان الكل فاكر إنه هيكتب الأرض باسمي تعويضاً عن اللي عملته.. بس بابا عمل حاجة خلتنا كلنا نبرق عينينا من الذهول!
**
## الجزء السادس: القرار الصادم وفخ الزنزانة
أمسك بابا “محمود” بالقلم ويده ترتجف، ونظر إلى الورقة التي “على بياض”. رامي كان يراقب في صمت، والدموع تجمدت في عينيه، ظناً منه أن بابا سيمحوه من تاريخ العيلة تماماً.
لكن بابا كتب اسمًا لم يتوقعه أحد.. كتب: **”أسماء رامي محمود”** و **”ياسين رامي محمود”**.. أحفاده.
نظر لرامي وقال بصوت مكسور:
— “الأرض دي ملك لولادك يا رامي.. عشان اضمن إنهم ما يترمش في الشارع بسبب طيشك، وعشان تعيش طول عمرك “ضيف” في ملك ولادك، وتعرف إن الأمان اللي كنت عايز تسرقه، أنا كنت بديهولك بالحب، مش بالورق.”
رامي انهار وبدأ يبوس إيد بابا وهو بيعتذر، لكن بابا سحب إيده بجمود وقال له:
— “الاعتذار ما بيرجعش اللي انكسر.. أنت من بكرة هتنزل تدور على شغل، وأي قرش هتاخده هيروح لسداد ديون البيت، وإلا هطردك وأخلي ولادك هنا يتربوا بعيد عنك.”
أما أنا، فبص لي بابا وقال:
— “أما أنتي يا إيمي.. فالبيت اللي أنتي قاعدة فيه دلوقتي، والشقة اللي تحت، بقوا ملكك قانوناً من اللحظة دي.. ده مش مكافأة، ده حقك اللي دفعتيه “إيجار” وتعب وشقى سنين.”
كنت فاكرة إن الدنيا بدأت تروق، لحد ما جالي اتصال من “أحمد” زميلي في المباحث:
— “إيمي.. لازم تيجي القسم فوراً. بريهان طلبت تقابلك، وقالت إنها مش هتتكلم في التحقيق إلا لو شوفتك، وبتقول إن فيه “كارثة” تانية أنتم متعرفوش عنها حاجة، وليها علاقة بيكي أنتي شخصياً!”
رحت القسم، ودخلت لبريهان الحجز. كانت قاعدة ومنكسرة، بس أول ما شافتني عينيها لمعت بشر غريب:
— “جاية تشمتي يا بنت الأصول؟ جاية تتفرجي على بريهان وهي محبوسة؟”
قلت لها ببرود:
— “أنتي اللي عملتي في نفسك كده. قولي اللي عندك وخلصيني.”
ضحكت ضحكة هستيرية وقربت من السلك وقالت بصوت واطي:
— “فاكرة الـ 4000 جنيه اللي كنتِ بتبعتيهم لأمك كل شهر؟ فاكرة إنهم كانوا بيروحوا لسداد ديون البيت؟”
— “أيوة.. أمي كانت بتقول كده.”
بريهان طلعت ورقة صغيرة مخبياها في هدومها وقالت:
— “أمك كانت بتضحك عليكي يا إيمي. الفلوس دي مكنتش بتروح لديون، باباكي مكنش عليه ديون أصلاً! الفلوس دي كانت بتروح لحساب “سري” باسم رامي، أمك كانت بتجمع لك “مهر” لأخوكي عشان لما يتجوز يفتح مشروع، ولما اتجوزني، الفلوس دي هي اللي شطبت لنا الشقة فوق وجابت لي الشبكة اللي كنت بلبسها قدامك!”
الدنيا اسودت في عيني.. يعني أنا كنت بشتغل وبحرم نفسي عشان أمي تاخد فلوسي وتدلع بيها رامي؟ يعني تعب 9 سنين كان بيروح لرفاهية الشخص اللي كان عايز يرميني في الشارع؟
بريهان كملت وهي بتستمتع بكسرتي:
— “ومش بس كده.. أمك كانت ناوية تخليه يكتب “عقد صوري” يبيع فيه نصيبك في البيت لرامي بمجرد ما تتجوزي وتطلعي برا، عشان البيت ما يروحش لـ “غريب”. رامي مكنش لوحده الحرامي يا إيمي.. أمك هي اللي علمتنا السرقة!”
خرجت من القسم وأنا مش شايفة قدامي. وصلت البيت لقيت أمي قاعدة بتسبح وبتحمد ربنا إن الأزمة عدت. بصيت لها ونار القهر بتاكل قلبي، وطلعت الموبايل وواجهتها بكلام بريهان.
أمي سكتت، وبدأت ملامحها تتغير من الطيبة للجحود، وقالت الكلمة اللي كانت القشة اللي قصمت ضهر البعير:
— “وأيه يعني؟ مش أخوكي؟ والبيت بيته؟ أنتي بكرة تتجوزي وتتستري في بيت راجل، إنما هو اللي هيشيل اسمنا.. كنت عايزة أضمن له مستقبله بفلوسك، أنتي بنتي واللي ليكي لرامي!”
في اللحظة دي، حسيت إن كل الحب اللي كان جوايا ليهم اتحول لرماد.
بصيت لها وقلت لها جملة واحدة:
**”أنا كنت فاكرة إني سيبت البيت باللي فيه عشان يشبعوا ببعض.. بس دلوقتي أنا هسيبلكم “الماضي” كله، وهعرفكم إزاي “الآلة الكاتبة” اللي كنتوا بتستغلوها، ممكن تمحيكم من حياتها للأبد.”**
دخلت أوضتي القديمة، وفتحت الخزنة الصغيرة اللي بابا كان مديني مفتاحها، وطلعت “المفاجأة” اللي كانت بريهان ورامي وشريف بيدوروا عليها، واللي بابا نفسه نسي إنها موجودة.. الورقة اللي هتقلب الطاولة على الكل وتخلي “نادية” و”رامي” يندموا على اليوم اللي فكروا فيه يستغلوا إيمي.
## الجزء السابع والأخير: الحساب الختامي
الورقة اللي كانت في إيدي مكنتش مجرد عقد، كانت “إقرار ذمة مالية” موثق من بابا “محمود” من 5 سنين، لما كان في كامل صحته. بابا كان كاتب فيه إن كل مليم دفعته إيمي تحت مسمى “إيجار” هو في الحقيقة “قرض حسن” بفوائده، وإن إجمالي المبالغ دي يعادل قيمة “نصف البيت” بالتمام والكمال، وفي حالة عدم السداد، تؤول ملكية النصف ده لإيمي فوراً.
نزلت الصالة والصمت كان سيد المكان. بصيت لأمي اللي كانت لسه فاكرة إن دموعها هي اللي هتمشي المركب، وبصيت لرامي اللي قاعد مستني “العطية”.
قلت بصوت قوي وهادي:
— “يا بابا، يا ماما.. أنا كنت مستعدة أسامح في الفلوس اللي اتخدت مني بالخداع عشان تتصرف على رامي وبريهان، وكنت مستعدة أبدأ صفحة جديدة.. بس الغدر لما بيجي من الأم، بيكسر الظهر.”
طلعت الورقة وحطيتها قدامهم:
— “الورقة دي بتقول إن نص البيت ده ملكي شرعاً وقانوناً. وبما إن رامي لسه مديون، وأمي ساعدته بفلوسي.. أنا قررت الآتي:”
رامي رفع عينه بلهفة، وأمي بدأت تسمي، فكملت:
— “أنا مش هطردكم.. أنا مش زيك يا رامي. بس البيت ده هيتقسم. الدور الأرضي اللي هو شقتي، هيفضل ملكي، وهأجره لغيركم، وعائده هيروح لسداد ديون بابا في المستشفى وقسط الجمعية اللي أمي ورطت نفسها فيه. أما الدور اللي فوق، فبابا كتبه لولادك يا رامي، وأنا هبقى “الوصية” عليهم لحد ما يكبروا، يعني أنت ومراتك لو رجعت، هتقعدوا بصفة “ضيوف” عند ولادكم.. وبشروطي أنا.”
أمي صرخت: “أنتي عايزة تتحكمي فينا يا إيمي؟ عايزة تذلي أخوكي في بيت أبوه؟”
رديت عليها بوجع:
— “أنا بحمي البيت منكم! رامي ملوش تصرف في مليم واحد، وأنتي يا ماما، “الفيزا” بتاعتك والبيت مصاريفه هتبقى تحت إشرافي. اللي عايز ياكل ويشرب في البيت ده، يشتغل ويحط قرشه على قرشي. زمن “الدلع” على حسابي انتهى.”
**بعد مرور سنة:**
البيت حاله اتغير. رامي اشتغل محاسب في شركة توزيع، وبقى بيجي آخر الشهر يحط نص مرتبه في “صندوق البيت” وهو ساكت، وعرف إن الرجولة مش بالدلع، لكن بالمسؤولية. بريهان خرجت من الق*ضية بظروف مخففة، ورجعت تعيش مع ولادها، بس بقت تخاف من نظرة عيني، وعرفت إن البيت ده ليه “كبيرة” ومحدش يقدر يكسر كلمتها.
أما أمي، فكانت في الأول بتقاطعني، بس لما لقت إن إخلاصي وحزمي هو اللي أنقذ بابا من الديون وحمى رامي من السجن، بدأت تفهم إن “الحنية الزيادة” كانت هتضيع الكل، وإن “البنت” اللي كانت بتدفع الإيجار، هي اللي شالت البيت وقت ما “الراجل” اللي دلعته كان هيبيعه.
في يوم جمعة، كنا قاعدين كلنا في الجنينة، وبابا “محمود” ماسك إيدي وقال لي قدامهم كلهم:
— “يا بنتي، أنا كنت فاكر إني بظلمك لما كنت بخلّيكي تدفعي، بس الحقيقة أنا كنت بدربك تكوني “سند” العيلة دي.. والنهاردة أنا بموت وأنا مطمن، لأن البيت ده فيه “إيمي”.”
بصيت لبيت أهلي، وابتسمت. أنا فعلاً سبت لهم البيت “باللي فيه” يشبعوا ببعض، بس رجعت له “بالقانون” عشان أحميهم من نفسهم. الإيجار اللي كنت بدفعه سنين، مكنش ضايع.. كان تمن حريتي، وتمن حماية شقى عمر أبويا.
**تمت.**
