حكايات زهره الربيع 2
تكملة الجزء الثالث:
الشخص اللي واقف على عتبة الأوضة، ومعاه مفتاح بيتي، وبيتحرك بكل الثقة دي.. مكنش غريب أبداً. ده كان طليقي.. أبو تاليا!
أنا شلتني الصدمة لدرجة إني مكنتش قادرة أتنفس. طليقي اللي بينا وبينه قضايا ومشاكل، واللي كان رافض تماماً فكرة إننا ننقل ونعيش لوحدنا بعد الطلاق. عيني كانت مبرقة في الضلمة وأنا شايفاه بيقرب من السرير بخطوات بطيئة وكاتمة للصوت.
بصيت على تاليا، لقيتها بدأت تتقلب وتفتح عينيها بنص عين، زي ما وصفتلي بالظبط. هو قعد على طرف السرير في هدوء، ومد إيده في جيبه وطلع باكو شوكولاتة، وحطه جنبها وطبطب على شعرها، ورفع صباعه وقرب من وشها وقالها بهمس: “شششش.. زي ما اتفقنا يا لولو، سرنا الصغير عشان ماما متزعلش.”
البنت هزت راسها بخوف وخدت الشوكولاتة، وهو بدأ يلتفت للناحية التانية من السرير.. الناحية اللي المفروض إني نايمة فيها ومتبنجة. مد إيده وبدأ يحرك الغطا براحة، وهو بيقرب من المخدات اللي أنا حطاها عشان يلمسني ويطمن إن النوم مغيبني تماماً بفعل “حاجة” أنا لسه مش عارفاها، بس الأكيد إن جارتنا أم هاني ملهاش ذنب، واللعبة أكبر من كدة بكتير!
في اللحظة دي، مكنتش قادرة أتحمل أكتر. الخوف اتمسح وحل محله غل ورعب وأمومة دافعت عن بيتها وبنتها بكل ما تملك. قمت من ورا الدولاب فجأة، وفتحت كشاف الموبايل في وشه مباشرة وصوتت بأعلى صوت عندي: “أنت بتعمل إيه هنا يا مجرم؟!!!”
هو اتفزع واتنطط من على السرير، والنور جه في عينه فمبقاش شايف حاجة، وتاليا بدأت تصرخ وتعيط من الخوف. طليقي لما استوعب إن كشفته، وشه اتقلب تماماً، ومبقاش فيه نظرة الخبث اللي كانت عليه، وبقى بيبص حواليه برعب ويدور على طريقة يهرب بيها من الأوضة.
بس أنا مكنتش هسيبه يهرب.. جريت على باب الأوضة عشان أقفل عليه وأصرخ وألم الجيران، بس هو كان أسرع مني، زقني بكل قوته وقفتني وخلاني أقع الأرض، وجري على باب الشقة وفتحه وخرج يجري في وسط عتمة السلم.
قمت وأنا بجري وراه زي المجنونة، وبصرخ في عمارة غريبة لسه معرفش حد فيها: “الحقوني.. حرامي.. مجرم!!”
الناس بدأت تفتح الأبواب، بس هو كان اختفى تماماً ونزل في ثواني. رجعت الأوضة جري وأنا بترعش، أخدت تاليا في حضني وفضلنا نصرخ سوا. تاليا كانت بتقولي: “هو ده يا ماما.. هو ده عمو اللي بيجي يديني شوكولاتة بس أنا مكنتش عارفة إنه بابا عشان كان بيجي في الضلمة ومغطي وشه دايماً بmask أسود!”
لما الصبح طلع، وأنا منمتش ولا دقيقة، أخدت تاليا ورحت على طول على القسم وعملت بلاغ رسمي. الصدمة الكبيرة بقى مكنتش في وجوده في البيت، الصدمة كانت لما الشرطة بدأت تحقق، واكتشفنا التفاصيل المرعبة اللي كان بيعملها عشان يدخل البيت كل يوم من غير ما أحس بيه، والحاجة اللي كان بيحطها في الشقة وخلاها تفضل تاكل في جسمي وعقلي من غير ما أدرى!
تكملة الجزء الرابع (قبل الأخير):
الشرطة وصلت الشقة معاية ومعاهم المعاينة الفنية. كنت واقفة وضامة تاليا لحضني وأنا بترعش، مش قادرة أصدق إن البني آدم ده خطط ودبر لكل ده بس عشان يدمر حياتي ويحسسني إني مش هعرف أعيش من غيره في أمان.
المعاين البدء يفتش الأبواب والكوالين. مكنش فيه أي أثر لكسر، وده أكد للظابط إن اللي دخل معاه نسخة من المفتاح. سألني الظابط: “هو طليقك كان معاه نسخة؟” قلت له بنفي قاطع: “استحالة يا فندم، أنا أول ما نقلت هنا غيرت قلب الكالون بالكامل وجبت قفل جديد، والمفاتيح كلها معايا وفي محفظتي دايماً!”
هنا الظابط طلب يفتش أوضة النوم بدقة. فضلوا يدوروا تحت السرير، وورا الدولاب، لحد ما واحد من العساكر لفت انتباهه حاجة غريبة ورا الكومودينو اللي جنب السرير مباشرة.. جهاز صغير جداً باللون الأسود متوصل بفيشة المشترك ومحشور في داري.
الظابط أخرجه وبص له بتركيز، وملامحه اتغيرت تماماً. بص لي وقال: “ده جهاز تبخير إلكتروني صغير، بس مش شغال بزيوت عطرية عادية.. ده جهاز بيشتغل بالتحكم عن بُعد عن طريق شريحة موبايل، وبيفرز مادة مخدرة ومخملة للأعصاب بتترش على فترات بطيئة جداً طول الليل.”
في اللحظة دي، كل الخيوط اتجمعت في دماغي زي الصاعقة! افتكرت الأسبوع اللي فات لما كنت في الشغل، وتاليا في الحضانة، ورجعت لقيت الكومودينو متحرك سنه صغيرة من مكانه، واعتبرت إن ده خيال أو إني نسيت. هو استغل غيابي، ودخل الشقة -اللي لسه معرفش جاب مفتاحها ازاي- وزرع الجهاز ده عشان يضمن إني أروح في نوم عميق يشبه الغيبوبة، ومحسش بأي حركة أو لمسة مهما كانت!
الظابط كمل كلامه وهو بيعاين الباب تاني: “المفتاح مش قصة يا مدام مريم.. طالما دخل أول مرة وزرع الجهاز، أكيد غفلِك في أي مكان، أو أخد المفاتيح من شنطتك في الحضانة أو الشغل وعمل عليها نسخة ورجعها في ثواني.”
كل اللي كان هاممني في اللحظة دي هو بنتي. بصيت لتاليا وسألتها والدموع محبوسة في عيني: “يا تاليا، هو بابا كان بيعمل إيه تاني يا حبيبتي وأنا نايمة؟” تاليا بصت في الأرض وقالت ببراءة: “كان بيقعد يفتش في دولابك يا ماما، وياخد ورق من الشنطة بتاعتك ويصوره بالتليفون، وكان دايماً يمسك إيدك ويقعد يضحك ويقولي: ماما دي مسكينة وفاكرة إنها هتهرب مني.”
عرفت ساعتها إنه مكنش مجرد انتقام شخصي.. ده كان بيدور على ورق قضايا النفقة والوصاية اللي بيني وبينه، وكان بيحاول يثبت إني أم مهملة ومش واعية عشان ياخد البنت مني بالقانون بعد ما عجز ياخدها بالمحاكم!
الظابط أخد مواصفات الجهاز وبقايا المادة المخدرة، وصدر أمر ضبط وإحضار رسمي لطليقي. قفلنا الشقة وأنا مش قادرة أقعد فيها دقيقة واحدة، وأخدت تاليا ورحت عند بيت والدتي عشان أستخبى ورا حيطانها.
مر يومين وأنا قاعدة على نار، مستنية التليفون يرن ويقولوا لي إنهم قبضوا عليه.. لحد ما الموبايل رن فعلاً الساعة 2 بالليل، وكان رقم الظابط. فتحت الخط وإيدي بترتجف، وبمجرد ما سمعت جملته الأولى.. تلفوني وقع من إيدي، وحسيت إن الأرض بتلف بيا، والخبر اللي قالهولي غير مجرى كل حاجة!!
تكملة الجزء الخامس والأخير:
تلفوني وقع من إيدي، وجسمي كله سقع وأنا بسع صوت الظابط وهو بيقولي بنبرة حاسمة: “مدام مريم.. إحنا قبضنا على طليقك، بس الصدمة مش هنا.. الصدمة إنه اتمسك وهو واقف تحت بيت والدتك دلوقتي حالا، وكان معاه نسخة من مفتاح باب العمارة وباب الشقة الجديد!”
في اللحظة دي، حسيت إن الرعب ملوش نهاية، وإن الراجل ده كان مراقبني خطوة بخطوة، ومستني اللحظة اللي يكرر فيها ليلته المرعبة وسط أهلي عشان يثبت للكل إني مجنونة وبتخيل حاجات مش حقيقية.
الشرطة أخدته على القسم، وتاني يوم الصبح رحت أنا ومحاميّ عشان نواجهه في النيابة. كان قاعد والكلبشات في إيده، وعينيه مليانة غل وحقد ومفيش فيها أي ندم. لما وكيل النيابة واجهه بالجهاز المخدر اللي زرعه في شقتي، وشهادة تاليا، والمفاتيح اللي اتمسكت معاه، انهار تماماً وبدأ يتكلم ويعترف بكل حاجة.
قال وهو بيصرخ: “أيوة عملت كده! كانت فاكرة إنها هتاخد بنتي مني وتبعد؟ كنت بدخل عشان أخد مستندات القضايا، وكنت بحط المادة دي عشان تنام زي القتيلة ومتحسش بيا، وكنت بخلي البنت تشوفني وبديها شوكولاتة عشان لما تحكي لأمها، وأمها تصرخ وتقول في حد بيدخل، ومفيش أي أثر لكسر، الكل يتهمها بالجنون والمرض النفسي، وأرفع عليها قض..ية وأسقط عنها الحضانة والوصاية!”
كلامه كان مقزز، وبشع، ومجرد من أي إنسانية أو أبوة. النيابة وجهت له تهم انتهاك حرمة مسكن، والسرقة، والشروع في إيذاء طفلة وأمها باستخدام مواد مخدرة وممنوعة، وصدر حكم سريع ورادع بسجنه مشدد لسنوات طويلة عشان يكون عبرة.
الجهاز اللي كان بيفرز المادة المخدرة اتشال، والشقة القديمة بعتها تماماً ومفكرتش أرجع لها ولا حتى لبيت والدتي اللي بقيت بخاف عليه. غيرت كل حاجة في حياتي؛ أرقام تليفوناتي، وأماكن شغلي، ونقلت لمحافظة تانية خالص بعيد عن كل ذكريات الماضي.
النهاردة، بعد مرور سنة كاملة على الليلة دي، أنا قاعدة في بيتي الجديد، الأمان رجع لقلوبنا تاني. تاليا بدأت تنسى وبيرجع لها وشها اللي بيضحك من تاني، ومبقتش تخاف من السرير ولا من النوم.
كل ما ببص لبنتي وهي نايمة في حضني بأمان، بحمد ربنا إني فوقت في الوقت المناسب، وإني سمعت همسها وممررتوش كأنه خيال طفلة. علمتني التجربة دي إن الأمان مش حيطان بنقفلها علينا، الأمان هو إننا نصدق ولادنا ونحميهم لحر أخر نفس في عمرنا. ودلوقتي بس، قدرت أتنفس وأقول.. إحنا بقينا في أمان.