جوزى استلف حكايات رومانى مكرم 1

جوزى استلف من بابا مبلغ 850 الف جنيه علشان كان هيشترى ميراث اخوه واخوه باع وخد الفلوس وسافر

جوزى كان ميعاد سدد الفلوس لبابا خلال 6شهور

ودلوقتى فات سنه وجوزى حاله المديه كويسه ولسه مشترى عربيه جديده غاليه ولم كلمته عن فلوس بابا قال يبقا يخصمهم من ورثك

 

الحكاية بدأت من سنة بالتمام والكمال. “عاصم” جوزي، ابن سوق ورجل أعمال مالي مركزه، بس الطمع لما بيمشي في الدم بيعمي العينين. أخوه الكبير “مدحت” كان ناوي يبيع حقه في ورث أبوهم.. حتة أرض ومحلات تسوى ملايين في قلب البلد. عاصم قعد يفرك في إيديه أيام وليالي:

> “الميراث ده لو طلع برة العيلة، هتحسر عمري كله يا صفاء.. مدحت عارض حقه بمليون و850 ألف، وأنا معايا مليون كاش، وناقصني 850 ألف.. لو الأرض دي راحت، هبقى كأني خسرت هيبتي في السوق.”

>

أنا بطيبتي، وبأصلي اللي اتربيت عليه، قولتله: “يا عاصم، الغريب مياكلش خيرنا، وأنا ماليش بعد ربنا غيرك أنت وأبويا.. هكلم الحج شاكر، وهو مش هيتأخر عننا.”

وفعلاً، الحج شاكر.. أبويا.. راجل طول عمره شقيان، مقاول تقيل، كلمته في السوق توزن بلد، وفلوسه بفضل الله ماليها العد. لما عاصم دخل عليه ووشه في الأرض وعامل فيها الصعباني الحنين، أبويا مبصش للفلوس، بص لبنته وكرامة جوز بنتها. فتح الخزنة وطلعله الـ 850 ألف جنيه عَد ونَقد.. قاله كلمة واحدة مفيش غيرها، والرجالة بتربطها كلمتها:

> “بص يا عاصم، الفلوس دي فلوس شغل ومقاولات، وأنا مأمنك عليها.. قدامك 6 شهور بالتمام والكمال، تكون الشغلانة صفت وتردلي الأمانة.”

>

عاصم وطى على إيد أبويا يبوسها، وحلف بميت يمين إن الفلوس هتكون عنده قبل الست شهور ما يخلصوا.

لكن يا دنيـا يا غدارة.. مدحت أخوه طلع ألعن منه. خد المليون و850 ألف من هنا، ومفيش تالت يوم.. حزم الشنط، وباع كل اللي وراه وقدامه، وخد الفلوس وسافر أمريكا! لا ساب أرض، ولا مضى على تنازل، ولا عمل لعاصم أي اعتبار. عاصم لقى نفسه شرب المقلب، والفلوس طارت في الهوا، وأخوه فص ملح وداب.

 

الست شهور عدوا، وبقوا سنة.. والحال اتمطع.

في الأول عاصم كان بيمشي جنب الحيط، وشه في الأرض من أبويا، ويقولي: “اصبري عليا يا صفاء، السوق مريح.. اصبري عليا الشغلانة دي تخلص.”

وأنا أصبر، وأقول لأبويا: “معلش يا بابا، عاصم بيمر بظروف، وأنت عارف اللي حصله مع أخوه.” وأبويا يطبطب عليا ويقول: “عشان خاطرك يا بنتي، بس أصول الشغل أصول.”

لكن اللعبة اتكشفت لما “النحس” اتفك وعاصم ربنا كرمه كرم كبير.. دخل في مناقصة حديد وأسمنت، وضربت معاه في العالي، وبقى بيمشي يوزع فلوس يمين وشمال. وفي ليلة ودخلة، لقيت الجراج بيرن، وعاصم داخل عليا بضحكة لغاية ودانه، وفي إيده مفتاح العربية الجديدة اللي تمنها يعدي الملايين!

فرحت؟ لاء.. قلبي اتقبض.

قربت منه، والصوت كان هادي بس مليان لوم: “مبروك العربية يا عاصم.. تتربى في عزك.. بس مش كان الأولى والأحق، فلوس الحج شاكر اللي بقالها سنة؟ الراجل بيسألني ووشي بـقى في الأرض منه.. والفلوس دي كانت واقفه عليها مصلحة في شغل المقاولات بتاعه.”

عاصم ضحك ببرود، وقعد على الكنبة، وفرد دراعاته بكل غطرسة، وبصلي من تحت لفوق وقال الكلمة اللي هدت السقف فوق دماغي:

> “جرى إيه يا صفاء؟ هو الحج شاكر غريب؟ ما الفلوس في قيد الحياة أهو.. وبعدين يا ستي، لما يجرى له حاجة، يبقي يخصم الـ 850 ألف دول من ورثك! إحنا هنقعد نوجع دماغنا بقا ونطلع كاش وندخل كاش؟!”

>

 

الدنيا لفت بيا. “يخصمهم من ورثك؟!”

يعني بيموّت أبويا بالحيا؟ وعايز ياكل فلوس الراجل اللي وقّفه على رجليه وسنده في زنقته؟ الراجل اللي لولا فلوسه، مكنش عاصم هيبقى له حس في السوق النهاردة!

بصيتله وعيني بتطلع شرار: “أنت بتقول إيه يا عاصم؟ أنت بتتحكم في ورث أبويا وهو عايش ووسطينا؟ بتتميلح بفلوسه وتشتري عربيات زيرو، وعايز تاكل حقه؟!”

وقف عاصم، وطوله بان، والوش الحنين المكسور بتاع زمان اختفى.. ظهر وش التمساح بتاع السوق:

“بقول اللي عندي يا بنت الحج.. وأعلى ما في خيلك وخيل أبوكي اركبوه.. الفلوس دي مش طالعة من جيبى دلوقتي، وعربيتي ماليش دعوة بيها.. وروحي قولي لأبوكي الكلمتين دول، خليه يشوف حِسبة ورثك كام ويشيل منهم الفلوس!”

سابني ودخل الأوضة ورزع الباب وراه.. وأنا وقفت في الصالة، باصة لمفتاح العربية، ودموع القهر والغل نازلة على خدي. التليفون في إيدي رن.. لقيت اسم “بابا” منور على الشاشة.

#الكاتب_رومانى_مكرم

حطيت إيدي على بوقي عشان ميعرفش إني بعيط.. فتحت الخط وصوتي بيترعش: “أيوة يا بابا.. حبيبي..”

جالي صوته التعبان بس المليان هيبة: “أيوة يا صفاء يا بنتي.. قوليلي، عاصم كلمك في الموضوع؟ أنا محتاج الفلوس دي الأسبوع ده ضروري عشان شحنة الإسمنت الجديدة، والشركاء واقفينلي على الوحدة.. قوليلي يا بنتي، جوزك قالك إيه؟”

سكت.. والكلمات وقفت في زوري.. هقول لأبويا إيه؟ أقوله جوزي مستني تموت عشان يخصمهم من الميراث؟ ولا أقوله إنه اشترى عربية جديدة وداير يتنطط بيها في السوق وضهرك أنت مكسور؟

فتحت “صفاء” الخط، وأنفاسها المتسارعة كانت تكاد تفضح كتمانها، وضعت يدها على فمها تمنع شهقة قهر كادت أن تخرج مدوية. صوت والدها، الحاج شاكر، كان يأت عبر الهاتف محملاً بوقار السنين، لكن نبرة التعب فيه كانت واضحة، نبرة رجل لم يعتد أن تضيق به الدنيا، ولم يعتد أن ينتظر حقاً له عند أحد.

“أيوة يا بابا.. حبيبي..” قالتها صفاء بصوت متحشرج، حاولت بكل ما أوتيت من قوة أن تبدو طبيعية.

رد الحاج شاكر، وصوت جلبة العمال والسيارات في موقع المقاولات يظهر في الخلفية: “أيوة يا بنتي، عاصم كلمك؟ أنا مش عايز أضغط عليه يا صفاء، بس السوق مبيرحمش، والموردين واقفين على الباب، وشحنة الإسمنت لازم تتدفع قيمتها قبل آخر الأسبوع.. قوليلي يا بنتي، جوزك جاهز؟”

ابتلعت صفاء غصتها، نظرت نحو باب الغرفة المغلق حيث يقبع “عاصم” ببروده وجبروته الجديد، ثم نظرت إلى مفتاح السيارة الفارهة الملقى على الطاولة كأنه طعنة في كبريائها وكبرياء أبيها. في تلك اللحظة، علمت صفاء أن قول الحقيقة كاملة للحاج شاكر في الهاتف قد يصيبه بجلطة، وأن الكذب سيعطي عاصم وقتاً أطول ليمارس نذالته.

أخذت نفساً عميقاً وقالت: “يا بابا.. عاصم لسه داخل البيت حالا، وعنده شغل مأخر عينه، والموضوع كبير.. أنا هجيلك بكرة الصبح بنفسي المكتب، ونتكلم يا حبيبي، متقلقش كل شيء هيبقى تمام.”

أقفل الحاج شاكر الخط وهو يشعر بنغزة في قلبه، فخبرته في الحياة علمتة أن نبرة ابنته وراءها ما وراءها.

في صباح اليوم التالي، نزلت صفاء من بيتها وعيناها لم تذق النوم. لم تنظر لعاصم الذي كان غارقاً في نومه، وركبت تاكسي متجهة إلى مكتب والدها. عندما دخلت، وجدته يجلس وراء مكتبه الخشبي الكبير، وتلال من الأوراق أمامه، ووجهه يكسوه الهم.

ارتمت في حضنه وبكت بحرقة، بكت كأنها تعتذر له عن اللحظة التي وثقت فيها بعاصم وأدخلته بيتهم. فزع الحاج شاكر وقيدها من كتفيها: “في إيه يا صفاء؟ عاصم جراله حاجة؟ الفلوس ضاعت تاني؟”

مسحت دموعها، واستجمعت شجاعتها، فالسكوت هنا لم يعد فضيلة، بل مشاركة في الجر*يمة. وقفت بقوة وقالت: “الفلوس مضاعتش يا بابا.. عاصم كسب في مناقصة الحديد والأسمنت، عاصم بقى معاه ملايين.”

استبشر وجه الحاج شاكر للحظة: “طب وليه العياط يا بنتي؟ الحمد لله إنه وقف على رجليه، كده الأمانة هترجع!”

نكست صفاء رأسها وقالت بصوت يملأه الخزي: “عاصم اشترى عربية زيرو بملايين امبارح.. ولما قولتله فين فلوس الحج شاكر.. قالي خليه يخصم الـ 850 ألف من ورثك لما يموت.. وقالي أعلى ما في خيلكم اركبوه.”

وقع الكلمات على الحاج شاكر كان كصاعقة نزلت من السماء. صمت تام ساد المكتب لثوانٍ بدت كالأعوام. تحول وجه الرجل الطيب الصبور إلى كتلة من الغضب المكبوت، وعروق جبهته برزت كحبال مشدودة. لم يتكلم، لم يصرخ، بل قام من وراء مكتبه وهيبته تمتد في أركان الغرفة.

أمسك هاتفه، وضغط على زر الاتصال، ووضع الهاتف على مكبر الصوت.

رن الهاتف ثلاث مرات قبل أن يأتي صوت عاصم متغطرساً، ومن خلفه صوت محرك سيارته الجديدة: “أيوة يا حج شاكر.. صباح الخير.”

رد الحاج شاكر بنبرة هادئة كالهدوء الذي يسبق العاصفة، نبرة جعلت ركب صفاء ترتجف: “صباح الخير يا عاصم.. صفاء حكتلي على فكرتك الذكية بتاعة خصم الفلوس من الميراث.. وعجبتني.”

فرمل عاصم سيارته فجأة على جانب الطريق، وضارت ضحكة مكتومة في صدره، وظن أن الشيخ الكبير قد استسلم للأمر الواقع: “أيوة كده يا حج.. أنت راجل سوق وتفهمها وهي طايرة، إحنا أهل، وفي الآخر كله رايح لصفاء، مفيش داعي للرجرجة في السيولة دلوقتي.”

تغيرت نبرة الحاج شاكر فجأة لتصبح حادة كالسيف، وضرب بقبضته على المكتب ضربة زلزلت المكان: “اسمع يا ابن سوق الندالة.. الميراث ده للي بيموت، وأنا بفضل الله حي، وكلمتي في السوق لسه بتهز جبال. الأرض والمحلات اللي أخوك ضحك عليك فيها وسافر؟ أنا اللي شاريها من صاحبي القديم، وعقودها الابتدائية لسه تحت إيدي وممضتش عليها لمدحت بالتنازل النهائي، يعني أخوك باعلك الهوا في قزازة وسافر!”

تجمد الدم في عروق عاصم، وسقطت هيبته في ثانية: “أنت.. أنت بتقول إيه يا حج؟!”

تابع الحاج شاكر وعيونه تطق شرراً: “بقولك إن الأرض دي لسه بتاعتي قانوناً، والـ 850 ألف جنيه بتوعي، وعربيتك الجديدة الزيرو دي، أنا هحجز عليها قسماً بالله وبقوة القانون وعقود البيع اللي معايا في ظرف 48 ساعة لو الفلوس مكنتش في حسابي.. وورث بنتي اللي بتتكلم عليه وهي واقفة في وسطيني؟ بنتي ملهاش جوز نذل زيك يورث فيها بالحيا.. ورقتها هتوصلها، وفلوسي هتدفعها وفوقيها كرامة بنتي اللي داست عليها رجلك!”

أغلق الحاج شاكر الهاتف في وجه عاصم، والتفت إلى ابنته صفاء التي كانت تنظر إليه بذهول وفخر، وقبل أن تنطق بكلمة، رن هاتف صفاء.. كان عاصم يتصل وهو يصرخ ويبكي ويلهث خلف خط الهاتف، وصوت فرامل سيارته يدوي في المكان وهو يتجه عائداً إليهم بأقصى سرعة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *