حكايات اسما السيد 2
أسرع طارق نحو الفراش ودون أن ينتظر إذنًا من نغم، خلع جاكيته الجاف من الداخل ولف به جسد زينة النحيل، ثم ضمها إلى صدره بحنان جارف، وشعر بضربات قلبها الصغيرة والمتسارعة من أثر الحمى.
نظرت إليه زينة بعيونها الرمادية المتعبة، وهمست بصوت مبحوح: “عمو.. أنت جيت هنا إزاي؟”
دمعت عينا طارق وهو يقبل جبينها الساخن وقال بصوت يرتجف: “أنا جيت علشان مش هسيبك تاني أبدًا يا قلب عمو.. هتدفي دلوقتي وكل حاجة هتبقى تمام.”
وقفت نغم عند باب الغرفة، واضعة يدها على فمها لتكتم شهقاتها. رؤية طارق الحربي، بكل كبريائه وجبروته، جاثيًا على ركبتيه فوق الأرضية الباردة ودموعه تسيل على وجه ابنتها، مزقت ما تبقى من قسوة مصطنعة في قلبها. لكن جرح السنين كان أعمق من أن يلتئم في مشهد واحد.
قالت نغم بنبرة حازمة رغم انكسارها: “سيبها يا طارق.. سيبها وأخرج بره، الدوا بدأ يشتغل وهتبقى كويسة، وجودك هنا ملوش معنى.”
التفت إليها طارق، ولم يكن في عينيه سوى الرجاء: “ملوش معنى؟ نغم.. المكان هنا تلاجة، البنت محتاجة رعاية ومستشفى نضيف، محتاجة تدفئة وأكل يغذيها.. أنا مش هسيب بنتي ليلية واحدة كمان في الظروف دي.”
ردت عليه نغم بمرارة: “ست سنين وعشنا كده، وموتناش.. متدخلش في حياتنا دلوقتي وتعمل فيها البطل.”
لم يجادلها طارق، بل حمل زينة برفق بين ذراعيه، والتفت نحو الباب وهو يقول بإصرار: “مش وقت خناقنا يا نغم.. بنتنا تعبانة، وأنا هاخدها على مستشفى خاص دلوقتي حالا، وعربيتي تحت.. لو عاوزة تيجي معايا أهلاً وسهلاً، لو مش عاوزة.. أنا مش هتحرك من غيرها.”
نظرت نغم إلى ابنتها المستسلمة تمامًا بين ذراعيه، ورأت كيف تتعلق يد زينة الصغيرة بقميصه كأنها وجدت الأمان الذي طالما بحثت عنه. لم تجد نغم مفرًا من الرضوخ، سحبت عباءتها السوداء وطرحتها، وخرجت خلفه بصمت والدموع تحرق وجنتيها.
هبط طارق السلالم بسرعة وحذر، وفتح باب سيارته الفارهة ووضع زينة في المقعد الخلفي بحنان، وصعدت نغم بجوارها وتوسدت رأس الصغيرة حجرها. طوال الطريق إلى المستشفى، كان طارق ينظر إليهما عبر المرآة، يشعر بخلط عجيب من السعادة الممزوجة بالذنب الشديد.. هذه الطفلة التي تحمل تفاصيل أمه ونظرات نغم، هي دمه الذي أنكره دون أن يدري.
وصلوا إلى واحدة من أكبر المستشفيات الخاصة بالمهندسين، وبمجرد دخول طارق الحربي، تحرك طاقم الأطباء والممرضات بسرعة فائقة. تم نقل زينة إلى غرفة خاصة مجهزة، وبدأ الأطباء في تعليق المحاليل وخافضات الحرارة لها.
جلس طارق ونغم في الممر الخارجي للغرفة بعد أن نامت زينة بتأثير المهدئات. خيم الصمت الثقيل بينهما لولا صوت الأجهزة الطبية من الداخل.
قطع طارق الصمت وهو ينظر إلى الأرض: “ليه يا نغم؟ ليه مقلتليش إنك حامل؟ ليه مشيتي وكتبتي ورقة الطلاق وضيعتي منا ست سنين في العذاب ده؟”
ضحكت نغم بمرارة، والتفتت إليه وعيناها تشتعلان بالغضب: “أقولك؟ أقول للراجل اللي اتهمني في شرفي لمجرد إنه شافني واقفة مع ابن عمي اللي كان جاي يحل المشكلة المادية بتاعة أبويا؟ أقول للراجل اللي قفل في وشي كل أبواب الكلام وسافر وسابني لأهله يذلوني؟ أنت محمتنيش يا طارق.. أنت صدقت أول كذبة اتقالت عليا، ورميتني بره حياتك.. كرامتي كانت أغلى عندي من إني أقولك أنا شايلة في بطني حتة منك علشان تفتكرني بشحت منك العطف أو الفلوس!”
سقطت الكلمات على رأس طارق كالمطارق، وتذكر كيف أعماه الغضب والغيرة الشيطانية وقتها، وكيف رفض الاستماع لأي تبرير وسافر لإيطاليا ليترك المحامين ينهون كل شيء.
امتدت يده المرتعشة لتمسك بيد نغم، وقال وعيناه تفيضان بالندم: “أنا كنت حمار.. كنت ندل وجبان.. بس والله العظيم ما عشت يوم حلو من بعدك، سجن نفسي في الشغل والفلوس كنت بهرب بيهم من صورتك اللي مكنتش بتفارقني.. سامحيني يا نغم.. اديني فرصة واحدة بس أصلح اللي انكسر.”
سحبت نغم يدها بقوة وقالت وهي تقف: “اللي انكسر بيننا مبيرجعش يا طارق.. أنا وافقت أجي معاك هنا علشان زينة بس.. وعلشان هي ملهاش ذنب في غبائنا.. لكن أول ما البنت تخف، كل واحد هيرجع لطريقه.”
وفي تلك اللحظة، فتح طبيب الغرفة الباب وخرج بملامح جادة، وبيده بعض التحاليل الطبية لزينة، ونظر إلى طارق ونغم قائلاً: “يا بشمهندس طارق.. إحنا سيطرنا على السخونية الحالية، لكن التحاليل أظهرت حاجة تانية ومقلقة جدًا بخصوص حالة زينة الصحية.. ولازم نتكلم فيها فورًا.”
انقبض قلب طارق ونظرت نغم إلى الطبيب بذعر، والدموع تجمدت في عينيها. تقدم طارق خطوة وسأل بصوت متحشرج: “في إيه يا دكتور؟ بنتي مالها؟ طمنا أرجوك.”
تنحنح الطبيب ونظر إلى الأوراق التي بيده قائلاً بأسف: “التهاب الصدر اللي عندها مش مجرد دور برد شديد بسبب المطر.. التحاليل بينت إن زينة بتعاني من ضعف شديد في عضلة القلب، وده مسبب لها نقص أكسجين مزمن، وهو اللي بيخلي مناعتها ضعيفة جداً وبتتعب من أقل حاجة.. والوضع ده محتاج تدخل جراحي سريع بره مصر، أو هنا تحت إشراف فريق طبي متخصص جداً، لأن التأخير مش في مصلحتها.”
كأن الأرض دارت بنغم، ترنحت ووقعت بين ذراعي طارق التي امتدت لتسندها قبل أن تسقط على الأرض. كانت تبكي بنحيب مرير وهي تضرب صدره بضعف: “بنتي هتموت يا طارق… بنتي ه تضيع مني… أنا السبب.. مكنش معايا فلوس أعالجها ولا أكشف عليها صح.. ذنبها في رقبتي.”
احتضنها طارق بقوة، متجاهلاً مقاومتها وضاماً إياها إلى صدره، ودموعه هو الآخر تنهمر بغزارة. نظر إلى الطبيب بعينين تشتعلان بالإصرار وقال بنبرة هزت الممر: “البنت مش هيمسها سوء يا دكتور.. أنا طارق الحربي، وفلوسي وروحي كلها فداها. جهزوا لي طيارة إسعاف طبي، واكتب لي على أكبر مستشفى في ألمانيا أو أمريكا.. الليلة دي تكون الترتيبات خلصانة.”
رد الطبيب مهدئاً: “اهدى يا بشمهندس، السفر في حالتها الحالية وهي سخنة كده خطر على الرئة.. لازم تقعد تحت الملاحظة هنا 48 ساعة على الأقل لحد ما حرارتها تستقر ونقدر ننقلها بأمان.. وأنا هتابع حالتها بنفسي دقيقة بدقيقة.”
أومأ طارق برأسه وصوته يتهدج، ثم التفت إلى نغم التي كانت شبه غائبة عن الوعي من الصدمة. حملها برفق وأدخلها إلى الغرفة المجاورة لغرفة زينة، ومددها على السرير وجلس بجوارها يمسح على شعرها الذي ظهر من طرحتها المنزلقة.
فتحت نغم عينيها ببطء، ونظرت إلى سقف الغرفة الأبيض ثم التفتت إليه وعيناها مليئتان بانكسار لم يره فيها من قبل. همست بصوت واهن: “هتموت يا طارق؟”
جلس على ركبتيه أمامها، وأمسك يديها الباردتين وقبلهما مراراً وقال بصوت مليء باليقين والحنان: “مش هتموت يا نغم.. أنا جيت في الوقت الصح، ربنا مجمعناش في الصيدلية دي وسط المطر بالصدفة.. ربنا بعتني علشان أحميكم.. أنا هسفرها لأكبر دكاترة في العالم، وهتخف وتكبر وتلعب.. بس أنتِ خليكي قوية علشانها.. وعلشاني.”
نظرت إليه نغم، ولأول مرة منذ ست سنوات، لم تسحب يدها من بين يديه. الخوف على ابنتها كسر كل جدران الكبرياء والزعل. قالت بدموع محرقّة: “أنا خايفة أوي يا طارق.. خايفة يجرالها حاجة.. أنا معنديش غيرها في الدنيا دي.”
ضم يديها إلى صدره وقال: “وأنا معنديش غيركم.. أنا ضيعت ست سنين من عمري في وهم غبي، والنهارده بس صحيت.. زينة هتقوم بالسلامة، وأنا مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي.. أنا بس عاوزك تديني فرصة أكون جنبكم.. أكون الأب اللي حرمتها منه، والراجل اللي خذلك زمان وجاي النهارده يطلب الرضا.”
مرت الساعات ثقيلة كالجبال. طارق لم يذق طعم النوم، كان يتنقل بين غرفة نغم وغرفة زينة، يتابع الأجهزة ويطمئن على حرارة الصغيرة التي بدأت تنخفض تدريجياً بفضل المحاليل.
ومع دقات الساعة الرابعة فجراً، استيقظت زينة ببطء. فتحت عينيها الرماديتين الجميلتين، ونظرت حولها لتجد طارق جالساً بجوار فراشها، ممسكاً بكتيب صغير يقرأ فيه القرآن بصوت خافت جداً وعيناه باكيتان.
همست زينة بصوت ضعيف: “عمو…”
أغلق طارق المصحف بسرعة ومال عليها بلهفة: “نعم يا قلب عمو.. حاسة بإيه؟ لسه سقعانة؟”
هزت زينة رأسها بالنفي، وابتسمت ابتسامة صغيرة خطفت قلبه وقالت: “لأ.. المكان هنا دافي أوي.. والسرير ناعم.. شكراً يا عمو.”
انهمرت دموع طارق ولم يستطع السيطرة عليها، قبل يدها الصغيرة وقال بنبرة مخنوقة: “متشكرينيش يا زينة.. أنا اللي آسف.. آسف على كل حاجة.”
في تلك اللحظة، كانت نغم تقف عند الباب، تراقب المشهد بصمت وعيناها تتساقط منهما الدموع. رأت نظرة الأبوة الحقيقية في عيني طارق، ورأت كيف ارتاحت صغيرة زينة لهذا الرجل الغريب عنها وكأن دمهما يتعارف دون إذن.
اقترب موعد الصباح، وحان وقت القرارات الحاسمة التي ستغير مجرى حياتهم الثلاثة إلى الأبد، فالـ 48 ساعة القادمة لن تحدد فقط مصير حياة زينة، بل ستحدد ما إذا كان جرح الماضي سيلتئم أم سينفتح بطريقة تقضي على الجميع.
مرت الساعات الثماني والأربعون كأنها دهر كامل. لم يغادر طارق المستشفى لدقيقة واحدة، ألغى كل اجتماعاته، وأدار عمله بكلمات مقتضبة عبر الهاتف، بينما كان كل تركيزه منصبًا على تلك الشاشة التي تقيس نبضات قلب زينة. نغم كانت تجلس في زاوية الغرفة، تراقبه وهو يتحدث مع الأطباء بإلحاح، ويسأل عن كل تفصيلة في التحاليل، ويشرف بنفسه على إحضار الوجبات المغذية لها ولابنتها. رأت فيه رجلًا آخر غير الذي عرفته؛ رأت أبًا يحارب العالم لإنقاذ طفلته.
وفي صباح اليوم الثالث، دخل البروفيسور المتخصص ونظر إلى طارق ونغم بابتسامة مطمئنة غابت عن وجوههم لأيام: “البشمهندس طارق.. المؤشرات الحيوية لزينة استقرت تمامًا، والحرارة نزلت للمعدل الطبيعي. الرئة بقت صافية وجاهزة للسفر. طائرة الإسعاف الطبي الطائر وصلت المطار ومجهزة بكل اللي هنحتاجه.”
تنفس طارق الصعداء، والتفت إلى نغم وعيناه تلمعان بالأمل: “سمعتي يا نغم؟ زينة جاهزة. السفر هيكون لألمانيا بعد ساعتين، أنا رتبت كل حاجة، وهناك أكبر جراح قلب أطفال مستنينا.”
نظرت نغم إلى ابنتها النائمة بهدوء، ثم رفعت عينيه إليه وقالت بصوت هادئ غابت منه حدة الغضب وحل محله التعب: “أنا جاهزة يا طارق.. هروح معاها لآخر الدنيا عشان تعيش.”
تمت إجراءات النقل بسرعة ودقة فائقة. وفي غضون ساعات، كانت طائرة الإسعاف الخاصة تشق السحاب متجهة نحو أوروبا. طوال الرحلة، كانت زينة مستيقظة وتنظر من نافذة الطائرة بدهشة طفولية، بينما كان طارق يجلس بجوارها، يمسك يدها ويقص عليها قصصًا خيالية لتشتيت خوفها، ونغم تجلس في المقعد المقابل، تتأمل هذا التلاحم الفطري بين أب وابنته حرمتهما الأقدار والظنون من بعضهما لسنوات.
بعد يومين من الوصول إلى المستشفى الجامعي في ميونخ، ودقائق الانتظار القاتلة أمام غرفة العمليات التي مرت على طارق ونغم كالجمر، خرج الجراح الألماني وهو يبتسم ويزف إليهما الخبر المنتظر: “العملية نجحت تمامًا.. العيب الخلقي في الشريان تم إصلاحه، وعضلة القلب هترجع لقوتها الطبيعية مع الوقت. زينة طفلة قوية جدًا.”
في تلك اللحظة، لم تتمالك نغم نفسها، انهارت باكية من الفرحة، ولأول مرة منذ ست سنوات، وجدت نفسها تلقي بجسدها في أحضان طارق. احتضنها بقوة وجنون، يبكي معها ويهمس في أذنها: “الحمد لله يا نغم.. بنتنا عاشت.. ربنا رجعهالنا.”
بعد أسبوعين، كانت زينة تجلس على فراش الشفاء في غرفتها بالمستشفى، وقد ردت الدماء إلى وجهها الشاحب، وعيناها الرماديتان تلمعان بصحة وعافية. كانت تمسك بلعبة جديدة اشتراها لها طارق، ونغم تجلس بجوارها تصفف شعرها الأسود الناعم.
دخل طارق الغرفة وبيده حجز تذاكر العودة إلى مصر. نظر إليهما، ثم اقترب وجلس على طرف الفراش، ونظر إلى نغم بعيون مليئة بالرجاء: “نغم.. إحنا راجعين مصر بكرة.. زينة بقت كويسة، والحمد لله كابوس المرض انتهى.. بس أنا عاوز أبدأ معاكِ صفحة جديدة. أنا مش بطلب منك تنسي اللي فات في يوم وليلة، أنا بس بطلب منك نرجع لبيتنا.. فيلتنا اللي سبتي مفاتيحها زمان لسه زي ما هي، مقفولة ومستنياكِ.. ارجعي معايا عشان زينة.. وعشاني.”
نظرت نغم إلى طارق، ورأت الصدق والندم الحقيقي في عينيه، ثم نظرت إلى زينة التي التفتت إليهما وقالت ببراءة: “ماما.. أنا عاوزة أروح بيت عمو طارق.. هو طيب أوي وبيديني شوكولاتة.”
ابتسم طارق بدموع، ونظرت نغم إليه ثم همست للطفلة: “هو مش عمو يا زينة.. ده بابا.. بابا طارق.”
اتسعت عينا الطفلة بفرحة عارمة وارتمت في أحضان طارق وهي تنادي: “بابا!”، فضمها إلى صدره وهو يبكي، بينما امتدت يده الأخرى لتمسك بيد نغم التي استسلمت أخيرًا ولم تسحبها. تلاقت أعين طارق ونغم في نظرة طويلة، شايلة وجع سنين مضت، لكنها مليئة بوعد لغدٍ جديد، حيث انتهى المطر وبدأت حياتهم الحقيقية معًا.
