حكايات مشيرا احمد1

لما كان عندي 7 سنين، فضحت العمارة كلها وأنا بعيط وبقول إني هتجوز ابن جيراننا. وبعد 15 سنة، رحت مقابلة شغل، المدير التنفيذي بص لي وابتسم وقال: “هو أنتي مقدمة الطلب ده عشان تشتغلي.. ولا عشان تبقي حرم المدير التنفيذي؟”

لما كنت في السابعة، كل اللي في منطقتنا في “إزمير” كانوا عارفين إني أكتر بنت ركبها ناشفة وعنادية في الحي.

عنادي ده خلاني في يوم وقفت في وسط منور العمارة، ووشي كله دموع ومخاط، وشاورت بصباعي على “إمرة” جارنا، اللي كان أكبر مني بـ 10 سنين، وصرخت قدام كل الكبار:

“لما أكبر هتجوز إمرة! مش هقبل بحد غيره!”

طبعاً المنطقة كلها انفجرت من الضحك، أما ماما فكانت ميكس بين الكسوف والغل، راحت سحباني من ودني على جوه البيت. و”إمرة” الغلبان وشه بقى زي الطماطم ووقف مش عارف يودي وشه فين من كتر الاحراج.

الكبار فضلوا يهزروا معايا: “يا عبيطة يا صغيرة، أنتي تعرفي إيه عن الحاجات دي؟”

بس أنا فاكرة اليوم ده بالتفصيل.. “إمرة” وطى عليا، وطبطب على راسي وقال لي بحنية:

“ابقي قولي الكلمتين دول لما تكبري.. دلوقتي ركزي في مذاكرتك وبس.”

هزيت راسي بالموافقة من غير تفكير.

ومن اليوم ده، بقى عندي هدف واضح وصريح: أكبر، وأذاكر كويس.. وبعدين أتجوز إمرة.

إمرة كان حبيب الكل؛ طويل، وذكي، ومؤدب جداً. خسر أهله وهو صغير وكان عايش مع جدته في الشقة اللي جنبنا.

لما كنت في أولى ابتدائي، كان هو بقى شاب جامعي.

وكل يوم بالليل، كان يقعد على سلم العمارة والكتاب في إيده، ويراقبني بطرف عينه وأنا بلعب في الشارع.

لو وقعت من على العجلة، يطهر لي جروحي.

لو درجاتي نزلت، يقعد يذاكر لي.

ولو حد من صحابي زعلني وعيطت، ياخدني يشتري لي آيس كريم.

في عالمي الصغير، إمرة كان هو “السوبر هيرو” بتاعي.

وفجأة، وأنا عندي 12 سنة.. مشي.

من غير سلام ولا وداع.

صحيت في يوم لقيت شقتهم مقفولة.. جدته كانت اتوفت، وهو ساب الحي كله ومشي.

فاكرة إني وقفت قدام باب شقتهم، حاضنة شنطة مدرستي وبكسر بالعيط، كأني فقدت حتة من طفولتي.

ومن يومها، ما شفتوش تاني.

مرت 15 سنة.

كبرت.. ومبقتش الطفلة أم 7 سنين اللي بتعيط عشان تتجوز.

طحنت نفسي في المذاكرة، واتقبلت في جامعة كبيرة في إسطنبول، وتخرجت بامتياز، والكل كان بيقول لي إن مستقبلي منور.

بس في ركن بعيد في قلبي، كان لسه فيه مكان محجوز لإمرة.

مكنتش أعرف عنه حاجة، ولا هو فين، ولا حتى لسه فاكرني أصلاً؟

بس كل ما كنت أتعب، كنت بفتكر كلمته: “ركزي في مذاكرتك.”.. فبكمل وأدوس على نفسي.

وفي اليوم اللي دخلت فيه مقر شركة “غونيش القابضة”، واحدة من أكبر شركات تركيا، وأنا ماسكة ملفاتي في إيدي، قلت لنفسي: “ركزي في الوظيفة وبس، ما تستنيش أكتر من كدة.”

قاعة المقابلة كانت واسعة، ونورها قوي، وساقعة لدرجة إن إيدي عرقت.

قعدت وفردت ظهري وبدأت أجاوب على أسئلة اللجنة واحد ورا التاني، وكل حاجة كانت ماشية زي الفل..

لحد ما الباب اللي ورا اتفتح.

دخل راجل.. الكل وقف في ثانية.

“المدير التنفيذي وصل.”

حسيت إن قلبي هيقف من مكانه.

كان أطول مما فاكرة، لابس بدلة متفصلة عليه بالمللي، نظرته ثابتة بس مش بتخوف، أما وشه.. فكان مألوف لدرجة غريبة.

بص للجنة بصه سريعة، وبعدين عينيه جت عليا.. وفضل باصص لي كتير.

كتير لدرجة إني بدأت أتوتر.

وفجأة.. ابتسم.

الابتسامة دي خلت قلبي يتنفض..

وقال بصوت فيه نغمة هزار على نغمة جد:

“هو أنتي مقدمة الطلب ده عشان تشتغلي.. ولا عشان تبقي حرم المدير التنفيذي؟”

 

فتحت عيني على وسعهما، وشعرت أن الدماء هربت من وجهي بالكامل. نظرتُ إلى اللجنة، فوجدت علامات الدهشة والذهول مرتسمة على وجوههم؛ فالموظفون الذين كانوا يرتعدون قبل قليل من هيبته، ينظرون الآن إليّ وإليه وعلامات الاستفهام تكاد تقفز من أعينهم.

أما أنا، فلم أسمع صوت ضربات قلبي التي كانت تدق كالعاصفة، بل كنت أستمع فقط لصدى كلماته التي هزت كياني. هل يعقل؟ هل هذا هو “إمرة”؟ الشاب الغلبان الذي كان يرتدي ملابس بسيطة ويجلس على سلم العمارة والكتاب في يده، أصبح الآن المدير التنفيذي لأكبر الشركات القابضة في تركيا؟!

تقدم إمرة بخطوات واثقة، وعيناه لا تفارقاني، تلك النظرة الحنونة القديمة كانت تختبئ خلف قناع الجدية والعملية. أشار بيده إلى أعضاء اللجنة وقال بنبرة هادئة ورصينة:

“يمكنكم مغادرة القاعة الآن، سأكمل أنا مقابلة الآنسة بنفسي.”

لم يتردد أعضاء اللجنة لثانية واحدة، جمعوا أوراقهم بسرعة وخرجوا، تاركين خلفهم باباً يُغلق ببطء، وجواً مشحوناً بصمت قاتل.

بقيت واقفة، متصلبة في مكاني، وملفاتي تكاد تسقط من يدي المرتجفة. مشى إمرة حتى وصل إلى المكتب الكبير، لكنه لم يجلس وراءه، بل استند عليه من الأمام، وضع يديه في جيبي بنطاله، ونظر إليّ بابتسامة دافئة اتسعت شيئاً فشيئاً.

قال بصوته الرجولي العميق:

“ما زلتِ عنيدة، وما زالت ركبكِ ناشفة كما كنتِ في إزمير.. ألم تطلبي مني أن أركز في مذاكرتي؟ لقد ركزتُ، وأنتِ أيضاً ركزتِ كما أرى.”

ابتلعتُ ريقي بصعوبة، وخرج صوتي مهزوزاً ومليئاً بالعتب والدموع المحبوسة:

“إمرة؟.. أنت حقاً إمرة؟ كيف؟ ولماذا مشيت دون أن تقول وداعاً؟ خمسة عشر عاماً وأنا أسأل نفسي أين اختفيت!”

تلاشت الابتسامة من وجهه قليلاً، وحلت محلها نظرة حزن قديم. أخذ خطوة نحوي، ثم أشار لي بالجلوس على المقعد المقابل له. جلستُ وأنا أشعر أن قدمي لا تقويان على حملي.

تنحنح وقال بصوت منخفض:

“عندما توفيت جدتي، لم يعد لي أحد في إزمير. كنت مجرد طالب جامعي فقير، والبيت الذي كنا نعيش فيه كان بالإيجار ولم أعد أملك ثمنه. اضطررت لبيع كل شيء والانتقال إلى إسطنبول لأعمل وأدرس في نفس الوقت. لم أكن أريد أن أودعكِ وأنا مكسور، ولم أكن أريد أن أربط طفلة صغيرة بوعود غامضة ومستقبل مجهول.”

صمت لحظة، ثم نظر إلى الملف الخاص بي والموضوع على المكتب، وتابع:

“لكنني لم أنسَ يوماً ذلك المنور، ولم أنسَ طفلة السبع سنوات التي تحدت الجميع من أجلي. كنت أتابع أخباركِ من بعيد لبعيد عن طريق أحد الجيران القدامى، وعلمت بدخولكِ الجامعة وتفوقكِ. وعندما رأيتُ اسمكِ في قوائم المتقدمين للوظيفة أمس.. لم أصدق عيني.”

شعرتُ بخلطة غريبة من المشاعر؛ الفرح الشديد لأن البطل الخارق لطفولتي لم ينسني، والغضب لأنه تركني كل هذه السنوات أعيش على الذكرى.

نظرتُ إليه بجدية حاولتُ جمعها من بين شتاتي، وقلت:

“إذاً.. هل هذه المقابلة الآن بسبب كفاءتي وسيرتي الذاتية التي طحنت نفسي لسنوات من أجلها، أم لأنني جارتك القديمة؟”

ضحك إمرة ضحكة قصيرة، خففت من توتر الأجواء، ثم اعتدل في وقفته وقال بنبرة عملية بحتة:

“في شركتي، لا مكان للمجاملات. سيرتكِ الذاتية هي التي أتت بكِ إلى هنا، وتفوقكِ هو ما جعلكِ تصلين للمرحلة النهائية. لكن بالنسبة لسؤالي الأول…”

اقترب خطوة أخرى، ونظر في عيني مباشرة وقال:

“الوظيفة لكِ لأنكِ تستحقينها بجدارة، وستبدأين من الغد. أما الشق الثاني من السؤال.. فحسابنا عليه مؤجل، لأن أمامي رحلة طويلة لأثبت لكِ أنني ما زلت السوبر هيرو الخاص بكِ.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *