حفيدي حكايات زهره الربيع 3
ضحكت في التليفون ضحكة عالية سمعها المحامي، وقلت له بكل ثقة ووداعة: “يا متر، روح ارفع القضية اللي تعجبك، واطلب النفقة اللي تريح موكلتك.. بس نصيحة لله وللهندسة، ابقى اقرأ العقود اللي في المحكمة الأول عشان متضيعش وقتك ووقت القاضي في قضية خسرانة من قبل ما تبدأ.. سلام يا فالح”.
قفلت السكة، والتفت لعامر اللي كان قاعد على الكرسي حاطط راسه بين إيديه، وشه مخطوف والنعش باين في عيونه. بص لي وقال بصوت مخنوق: “أمي.. هبة مش ه تسيبني في حالي، دي ه ترفع قضية نفقة ومؤخر، وممكن تحبسني لو مدفعتش، وأنا والله العظيم المحل مبيجيبش همّه بعد ما بقيت أدفع لك الإيجار، ومحيليش مليم بره قرشين الأكل والشرب”.
قعدت قدامه، وطبطبت على كتفه، بس المرة دي بحنان الأم اللي غاب عنه شهور، وقلت له: “جمد قلبك يا عامر، هو أنت فاكر أمك ه تسيبك تتسجن؟ أنا كنت بربيك وبعلمك الأدب، إنما الغريب ملوش إنه ينهش في لحمي.. اسمع يا بني أنا هعمل إيه، وخلي برج دماغ هبة وأمها يطير للمرة الثالثة!”
تاني يوم الصبح، خدت عامر والمحامي بتاعي وطلعنا على المحكمة.
أنا مكنتش هسيب هبة تاخد مليم واحد من شقى ابن scrap، ولا من أملاكي. المحامي بتاعي قدم للمحكمة “عقد عمل” رسمي وموثق، بيبت تد فيه إن عامر مش صاحب المحل، ولا شريك فيه، ده مجرد “عامل باليومية” عندي في المحل اللي بملكه رسمي بعقد البيع والشراء القديم من أبوه!
ولأن عامر “عامل غلبان” على قده، ومثبت في الأوراق الرسمية إن دخل شهري لا يتعدى حد الكفاف، فالقاضي لما حكم بنفقة المتعة والمؤخر، حكم بمبلغ زهيد جداً.. مبلغ هبة ميعملهاش تمن علبة مكياج من اللي كانت بتشتريها!
لما هبة وأمها سمعوا الحكم في القاعة، أمها صرخت وقالت: “إزاي يا سيادة القاضي؟ ده عنده محل دهب وقماش وشغال وبيربح ألوفات!”
المحامي بتاعي وقف بكل هدوء وقدم للقاضي المستندات: “يا سيادة القاضي، المحل ملك السيدة نوال، والابن عامر مديون لوالدته بموجب إيصالات أمانة وإيجار متأخر، ودخله المثبت لا يسمح بأكثر من هذا المبلغ”.
القاضي خبط بالشاكوش: “رفعت الجلسة!”
هبة خرجت من القاعة بتعيط من الغل والحسرة، وجريت عليا في الممر وقالت وهي بتجز على سنانها: “والله ما هسيبكم.. مش ه تتهنوا بالواد، أنا هرفع قضية ضم حضانة لياسين، وهاخده منكم وأحرق قلبك عليه يا نوال يا كركوبة!”
بصيت لها وضحكت: “أعلى ما في خيلك اركبيه يا بنت هبة.. وريني ه تاخديه إزاي”.
مرت الأيام، وهبة فعلًا راحت رفعت قضية عشان تاخد ياسين الصغير، وكانت فاكرة إن القانون معاها لأنها الأم ولأني “جدة” والأم أولى بالحضانة.
بس هبة كانت غبية، ومكنتش تعرف إن عيون الحاجة نوال في كل مكان.
خلال الست شهور اللي فاتوا، لما هبة راحت اتجوزت راجل تاني (وكان راجل متجوز وعنده عيال ومبهدلها)، أنا كنت مشغلة ناس يراقبوها ويكتبوا كل تحركاتها. هبة مكنتش بتقعد في بيتها، وكانت بتسيب الواد لو كانت خدته، والأهم من كده.. المحامي بتاعي قدم للمحكمة مستندات وفيديوهات بتثبت إن هبة اتجوزت من راجل أجنبي عن الصغير، وإن بيتها الجديد غير آمن لتربية طفل، بالإضافة لشهادة الجيران إنها مهملة ومبتسألش في ابنها اللي ذراعه ا تكسر بسبب إهمالها هي لما سابته وخرجت.
القاضي بص في الأوراق، وبص لياسين الصغير اللي كان ماسك في عبايتي وخايف يبص لأمه.. ولأن أم هبة (الجدة لأم) ست مسنة ومريضة بمرض مزمن ومتقدملها شهادة طبية إنها غير قادرة على رعاية طفل.. القاضي حكم بـ “إسقاط الحضانة عن الأم” ونقلها فوراً للحاجة نوال!
هبة صرخت في وسط المحكمة صرخة هزت الحيطان، وأمها وقعت من طولها وجالها شلل نصفي من الصدمة والحسرة!
رجعنا البيت، وياسين في حضني، وعامر ماشي ورايا زي الضِل، باصص للأرض ودموعه نازلة، بس المرة دي دموع فرحة وندم.. فرحة إن ابنه بفضل ربنا ثم بفضل أمه م ضاعش، وندم على كل يوم حسّس فيه أمه إنها “حمل” عليه.
أول ما دخلنا الشقة، عامر رمى نفسه تحت رجلي تاني، وقال بصوت بيترعش من البكاء: “أمي.. أنا مكنتش ابن صالح، أنا كنت جاحد، وأنتي حميتيني وحميتي ابني من الضياع.. أنا مش عايز المحل، ولا عايز الفلوس، أنا عايزك بس ترضي عني، لو رضيتي عني الدنيا كلها مش عايزها”.
ملست على راسه وقلت له: “قوم يا عامر.. قوم يا بني، الأم بتأدب بس مبتكرهش، وأنا كان لازم أعمل فيك كده عشان تفوق وتعرف إن الدنيا ملهاش أمان، وإن الست اللي تخليك تبيع أمك، ه تبيعك في أول محطة لما تقع.. وأهو ربنا جاب لنا حقنا لحد عندنا”.
فاتت سنة كاملة..
والأوضاع استقرت، وعامر بقى مركز في شغله، والمحل ربنا طرح فيه البركة وبقى يكسب أكتر من الأول، وأنا بقيت أدير الأملاك كلها، وعامر بياخد مرتبه كأنه شغال في شركة، وهو راضي ومبسوط.
وفي ليلة من ليالي الشتا الباردة، كنا قاعدين بنتعشى أنا وعامر وياسين، والتليفون رن..
لقيت رقم غريب، فتحت السكة، وسمعت صوت ضعيف، مكسور، بيبكي بحشرجة: “حقك عليا يا حاجة نوال.. أنا بتموت، جوزي طردني ورماني في الشارع بعد ما أخد فلوسي، وأمي ماتت من قهرتها، وأنا مش لاقية لقمة آكلها ولا مكان أنام فيه.. أبوس إيديكي خليني أشوف ياسين مرة واحدة، واغفري لي..”
كان صوت هبة!
بصيت لعامر، ولقيته باصص لي ومستني يشوف أنا هعمل إيه.. هل هحن وأوافق؟ ولا الغضب القديم ه يرجع تاني؟
**
بصيت للتليفون والخط مفتوح، وصوت شهقات هبة المكسورة طالع من السماعة.. الصوت اللي كان زمان كله جبروت وافترا، دلوقتي بقى زي صوت عيل تائه في الضلمة.
بصيت لعامر، لقيته منشف وشه وباصص للأرض، ملامحه مفيهاش أي تعاطف، بالعكس، كان باين عليه إنه قرفان من السيرة نفسها. وبصيت لياسين الصغير اللي كان قاعد بياكل رز بوش لبن في هدوء، ومش دريان بالدنيا ولا فاكر المرمطة اللي أمه حطته فيها.
رديت عليها بنبرة هادية جداً، نبرة خالية من أي غل، بس مليانة حسم: “أسمعيني كويس يا هبة.. أنا مبرقص على جروح حد، ولا بشمت في وكسة حد، لأن الدنيا دي دوارة واليوم اللي دار عليكي، دار عليا قبلك. بس الفرق إن أنا انظلمت، وأنتي ظلمتي.. واللي بيظلم، ربنا بيخلص منه ذنب المظلوم حتة بحتة في الدنيا قبل الآخرة”.
هبة صرخت من بين دموعها: “عارفة والله العظيم وعرفت بالغالى، أنا اتهنت واترميت في الشارع وجوزي طلع نصاب وخد كل مؤخري وضيع فلوس أمي قبل ما تموت حسرة عليا.. أنا مش عايزة حاجة يا حاجة نوال، أنا عايزة أشوف ابني.. ياسين وحشني، حرام تحرميني من حتة مني!”
قلت لها بضحكة مرار: “حرام؟ أنتي لسه فاكرة كلمة حرام؟ يوم ما سيبتيه ودراعه مكسور في الجبس وروحي اتجوزتي، مكنتيش تعرفي الحرام؟ يوم ما وقفتي في المحكمة وعايزة تاخديه بس عناد فيا وفي أبوه ومستقبلة فيديوهات وأنتي سايباه ودايرة، مكنتيش تعرفي الحرام؟.. ياسين دلوقتي عايش في دفا وأمان، بيتربى على الأصول، وميعرفش عنك غير كل خير، ومحبش عينه تشوفك وأنتي مكسورة بالمنظر ده، عشان ميتعقدش”.
هبة بكت بحرقة: “يعني مش هشوفه؟”
قلت لها: “هتشوفيه.. بس مش دلوقتي. لما تلمي نفسك، وتشتغلي شغلانة شريفة وتعرفي يعني إيه قيمة الضنا، ويعني إيه بيت وأصول، ويعني إيه احرتام الكبير.. ساعتها، هخليكي تشوفي ابنك ساعة كل أسبوع في مكان عام تحت عيني وعين أبوه. إنما غير كده، رجلك متخطيش عتبة البيت الكبير ده.. سلام يا هبة، وربنا يتوب عليكي”.
قفلت السكة قبل ما تسمع كلمتي الأخيرة، وبصيت لعامر وقلت له: “أنا عملت كده عشان ياسين يا عامر.. مهما كانت أمه، مش عايزه يطلع يكبر وفي قلبه غل من ناحيتها، ولا عايزه يشوفها شحاتة في الشارع، كرامة أمه من كرامته.. فهمت يا بني؟”
عامر دمع، وقام باس راسي وإيدي وقال: “طول عمرك كبيرة يا أمي، وبتعلمينا الأصول حتى مع اللي غدروا بينا.. ربنا يخليكي لينا وميحرمناش من حكومتك وعدلك في البيت ده”.
فاتت أيام وشهور، والكل افتكر إن العاصفة هديت والكل أخد نصيبه.. هبة بدأت تدور على شغلانة بسيطة عشان تقدر تقف على رجليها وتوفي بوعدها، وعامر ليل نهار في المحل بيطور في التجارة، وأنا بقيت بطلع صدقات وأعمل حساب للزمن عشان الآخرة، والبيت رجع له الدفا واللمة اللي كنت بتمناها من يوم ما شريك عمري مات.
وفي يوم، واليوم ده كان يوم جمعة، كنا بنجهز عشان نخرج نشتري لياسين لبس العيد الجديد. فجأة، الباب خبط خبطات غريبة.. خبطات خفيفة ومتوترة، زي ما يكون حد خايف يفتحوا له.
عامر راح فتح الباب، وأول ما فتح، لقى راجل غريب واقف، لبسه غالي ومحترم، بس باين على وشه علامات الإرهاق الشديد.. الراجل بص لعامر وقال بصوت واطي: “أنت الأستاذ عامر المحمدي؟ ابن الحاج المحمدي الله يرحمه؟”
عامر استغرب وقال له: “أيوا أنا.. مين حضرتك؟”
الراجل طلع من جيبه محفظة جلد قديمة جداً، وعليها قفل حديد صديد، وقال بنبرة هزت أركان الصالة: “أنا المحامي الشخصي لوالدك في القاهرة.. المحفظة دي الحاج المحمدي سابهالي أمانة من عشر سنين، وقالي: (يوم ما نوال ابني يتعدل حاله، أو يمروا بأزمة تكسر الضهر، ويعدي على وفاتي سنتين.. تروح تسلمهم المحفظة دي وتفتح القفل اللي فيها).. والأمانة دي جواها سر، أبوك الله يرحمه مخباه عنكم كلكم، وسر هيدمر كل اللي افتكرتوا إنكم بنيتوه!”
**تُرى.. إيه هو السر الخطير اللي سابه الحاج المحمدي في المحفظة المقفولة؟ وإزاي السر ده ممكن يقلب حياة الحاجة نوال وعامر رأسًا على عقب بعد ما كل حاجة استقرت؟ هذا
عامر اتسمر في مكانه، وبص للمحفظة الجلد القديمة ولقفلها المصدي ونبضات قلبه بقت مسموعة. دخلت ورا عامر وبصيت للراجل وقلت بنبرة هادية بس فيها حذر: “اتفضل يا أستاذ.. ادخل، الأمانة مكانها جوة البيت مش على العتبة”.
دخل المحامي وقعد، وحط المحفظة على الترابيزة اللي في الصالون. عامر كان بيبص لي وعيونه مليانة أسئلة وخوف، كأنه بيقول: “هو فيه أسرار تاني يا أمي؟ هو إحنا مخلصناش من الدوامة؟”
المحامي طلع مفتاح صغير جداً من جيبه، وفتح القفل المصدي اللي بقاله سنين مقفول. المحفظة انفتحت، وطلع منها ورقتين؛ ورقة بيضاء مطوية، وورقة تانية عبارة عن عقد قديم لونه أصفر من مر الزمن.
المحامي بص لي وقال: “الحاجة نوال.. المحمدي الله يرحمه كان راجل سابق عصره، وكان قاري الدنيا صح. يوم ما كتب لك البيت والمحل بيع وشراء، هو مكنش بيحميكي من جحود عامر بس، هو كان بيحمي عامر من نفسه كمان”.
المحامي مسك الورقة المطوية وقرأها بصوت جهوري، وكانت رسالة بخط إيد جوزي المحمدي:
> “بسم الله الرحمن الرحيم..
> زوجتي الغالية نوال، ابني الوحيد عامر.
> يوم ما تقرأوا الرسالة دي، هكون أنا تحت رحمة ربنا. يا نوال، أنا كتبت لك كل حاجة باسمك لأني كنت عارف إن عامر طيب بس ودني، وإن مراته هبة هتلعب بدماغه وهتخليه يجرّدك من كل حاجة ويقسى عليكي.. كان لازم أسيب لك السلاح اللي تكسري بيه جحوته وتأدبيه بيه، لأن الأم بتأدب لحماية ابنها.
> وعشان كده، أنا سايب العقد التاني ده.. ده عقد ‘شراكة وهبة مشروطة’. الأرض الكبيرة اللي في وسط البلد اللي قايم عليها المحل، أنا كنت كاتب نصها باسم عامر من زمان بس ‘منع تصرف’ إلا بعد وفاتي بسنتين، وبشرط إن أمه تكون راضية عنه وموقعة بالرضا.. لو عامر اتقلب عليكي وتجبر، الأرض والبيت والمحل كلهم ليكي تبيعيهم وتتبرعي بيهم وميلحقوش مليم.. أما لو عامر فاق، وعرف قيمتك، وباس إيدك وركع تحت رجلك طالب السماح زي ما أنا متوقع، فالعقد ده بيتفعل تلقائي ب إمضاك يا نوال، ويبقا عامر شريكك رسمي في الأرض، عشان يكمل المسيرة وميتحوجش لحد بعد ما يتأدب”.
>
الصالون اتقلب لبركة دموع.. عامر انهار تماماً، ورجع ركع تاني بس المرة دي مكنش ركوع خوف من الشارع ولا ركوع ذل.. كان ركوع ندم وامتنان لأب عرف يربيه وهو في قبره، ولأم استحملت المر عشان تطلّع منه راجل.
عامر مسك إيدي وبكا بصوت هز الحيطان: “سامحيني يا أمي.. أبويا الله يرحمه كان عارف إني هضيع، وأنتي أنقذتيني.. أنا مش عايز عقود، ولا عايز أرض، أنا عايز أفضل خدام تحت رجلك ورضاكي عندي بالدنيا”.
بصيت للمحامي، ودموعي نازلة على خدي، وقلت له: “هات القلم يا متر”.
مسكت القلم، ومضيت بالرضا على عقد الشراكة، وبصيت لعامر وقلت له: “قوم يا سي عامر.. أبوك عملك راجل، وأمك صانتك وصانت ابنك.. من النهارده، المحل والنص الأرض باسمك رسمي، بس تفتكر دايماً.. القرش اللي يخليك تقسى على أصلك، يغور وصاحبه يغور”.
**الخاتمة والحكمة:**
مرت السنين.. وياسين الصغير كبر وبقى شاب يملى العين، بيصحى الصبح يبوس إيد جدته وإيد أبوه قبل ما يروح جامعته. هبة اتعلمت الدرس الأقسى في حياتها، وبقت تيجي كل أسبوع تشوف ابنها ساعة، تقعد مؤدبة، حاطة راسها في الأرض، وبقت تشكر الحاجة نوال لأنها حمت ابنها من الضياع لما هي عميت بالفلوس والجبروت.
أما أنا.. الحاجة نوال، فبقيت قاعدة في بيتي الكبير، حامدة شاكرة، وسط ابني وحفيدي، وعرفت إن الست الأصيلة هي اللي تعرف تدير بيتها بالحكمة وبالقوة لما الزمان يعوج بوجه.
**والحكمة اللي تطلعوا بيها من الحكاية دي يا ولادي:**
> “المال بيروح وييجي، والستات بتتبدل، والدنيا بتلف وتدور.. بس الأم مبتتعوضش. اللي يبيع أمه عشان خاطر مراته أو عشان قرشين، الدنيا بتدور بيه وبتدوقه نفس الكاس ومن نفس الإيد اللي قوى بيها على أمه. اتقوا الله في أمهاتكم، واعرفوا إن دعوة الأم بتفتح أبواب السما، وغضبها بيطير برج من الدماغ ويهد قصور الملوك.. والبيت اللي ميهزهوش حكمة كباره، بتهده أفعال صغاره”.
>
تمت بحمد الله.