جوزى طلقنى1امانى السيد
جوزى طلقنى واخد منى ولادى ومانعنى اشوفهم نهائى ناس كتير اتوسطت بينا ورفعت قضايا وبرضه مكنتش بلاقى نتيجه
قررت انى اروحله بنفسى واتحايل عليه حتى لو اشوفهم
وفعلاً طليقى قابلنى فضلت اعيط قدامه واترجاه اشوف ولادى لكن كان بيبصلى بسخريه ويقولى لأ
قولته
ـ أى حاجة هتطلبها انا هنفذها بس أبوس ايدك اشوف ولادى قلبى واكلمى عليهم
قعد قدامى وحط رجل على رجل وبقى يبصلى بتعالى
أنا موافق، بس هتيجي مذلولة وتنفذي أي حاجة أنا أو أهلي نطلبها منك أي حاجة بتحصل.
بصيتله وأنا مش مصدقة القسوة اللي في عينيه، الدموع كانت مغمية عيني وقالبى واكلنى على عيالى مش عارفه ممكن يكون هو واهله عملوا فيهم ايه ، لكنه متهزش. بالعكس، مال عليا بجسمه وضيق عينيه بنظرة كلها شماتة، وتبريد لقلبه وهو شايفني مكسورة قدامه.
سكت لحظة، كأنه بيستمتع بكسرتي، وبعدين كمل بصوت واطي .
ـ من الآخر كده.. أنتِ مش هتدخلي البيت ده هانم، ولا حتى زوجه انتى اه هتبقى مراتى بورقه جواز. انما فى الأصل أنتى هتبقي خدامة تحت رجلين أهلي، اللي يقولوه يتنفذ جزمتهم فوق رقبتك، طلباتهم أوامر، وإهانتهم ليكي تستقبليها بابتسامة.. ده المقابل عشان بس تسمعي صوت ولادك وتعيشي معاهم في مكان واحد. ها؟ قوليلي بقى.. هتقدري على ثمن لقاهم، ولا لسه عايزه تعافرى ؟
نزلت كلماته عليا زي الكرباج، حسيت إن الأوضة بتلف بيا، والشرط اللي قاله دبح المتبقي من كرامتي. بصيتله بقلب محروق، وصوتي طلع مخنوق بالدموع والكسرة:
ـ حرام عليك.. ليه عايز تكسرني كده؟ أنا عملت فيك إيه لكل ده؟ اتقي الله فيا وفي ولادك. انا لو اضمن انتوا بتعاملوهم ازاى مكنتش جيت هنا أبدا
ضحك ضحكة صفرا هزت كياني، وسند ضهره لورا بكل برود، وبصلي بنظرة خلتني أحس إني ولا حاجة.. كمل بقسوة أشد وهو بيعدل قاعدته
ـ ده شرطي، وأعلى ما في خيلك اركبيه. أهو أنتى جربتي كل الطرق؛ ناس واتوسطت، ومحاكم وقضايا ورفعتِى ، واديكي شفتي بنفسك ما عرفتيش تاخدي مني لا حق ولا باطل. قوليلي بقى.. هتسمعي الكلام وتوافقي بشروطي، ولا لسه فيكي حيل وعايزة تعافري وتخبطي دماغك في الحيط؟ مرواحك من هنا من غير موافقة معناه إنك بتنسي شكل ولادك للأبد.
ودى اعتبريها اخر فرصه ليكى وليهم ها قولتى ايه
وقفت الكلمات في حورق ريقي، بلعت غصتي المرة وأنا حاسة إن الهوا اتقطع عن المكان. الشرط كان ألعن من الموت، بيخيرني بين كرامتي اللي اتدوست، وبين حتة من قلبي مرمية في نار مش عارفة آخرها إيه. بصيت حواليا في الصالة الواسعة اللي كنت في يوم من الأيام صاحبة بيت فيها، ودلوقتي واقفة ذليلة مكسورة، والراجل اللي كان المفروض سندي بيبصلي وكأني حشرة مستني يدوس عليها بجزمته.
حطيت إيدي على قلبي اللي كان بيوجعني بجد، وجع مادي ملموس، وسألته وصوتي طالع يدوب همس مخنوق:
ـ وأهلك؟ أهلك اللي ياما ظلموني واستكتروا عليا الكلمة الحلوة، عايزني أرجع أعيش تحت رحمتهم؟ أبوس إيديهم عشان يرضوا عني؟ إنت معندكش قلب؟ مفيش في صدرك حتة حنينة تفتكرلي بيها أي حاجة طيبة؟
وقف من على الكرسي براحة، ومشى خطوتين لحد ما بقى واقوف قدامي بالظبط، حط إيديه في جيوبه وبصلي من فوق لتحت ببرود ينقط سم:
ـ أهلي خط أحمر، وإنتي اللي جيبتيه لنفسك من الأول لما فكرتي إنك تقدري تقفي في وشي أو تلوي دراعي بالمحاكم والقضايا. أهو المحاكم اللي فرحانة بيها مطلعتلكيش بفايدة، والناس اللي اتحاميتي فيهم مأكلوش عيش معايا. من الآخر كده يا بنت الناس.. وقت الكلام والأحاسيس ده فات ودفناه، أنا دلوقتي بكلمك بزنس.. خدمة كاملة وطاعة عمياء لأمي وأخواتي، قصاد إنك تشوفي العيال. مأنتيش موافقة؟ الباب يفوت جمل، وبكرة تشوفيني وأنا متجوز ست ستك وهما بيقولولها يا ماما.
الكلمة الأخيرة دي نزلت على وداني زي الصاعقة، “بيقولولها يا ماما”؟ عيالي أنا؟! اللي شيلتهم تسع شهور وسهرت الليالي في تعبهم؟ يروحوا لواحدة تانية تاخدهم باردة مبردة، ويعيشوا يفتكروا إن أمهم رمتهم وسابتهم؟
الدموع نزلت شلال على وشي، وبقيت بفرك في إيديا بقلة حيلة وخوف هز ضلوعي. حسيت إن الرؤية بتغوش تماماً، ومبقتش شايفة غير وشوش ولادي وهي بتضيع مني.
قربت منه خطوة، ورجلي مش شيلاني، وطيت راسي غصب عني وعن كبريائي اللي اتهان، وقولت بصوت متقطع من كتر العياط:
ـ موافقة.. موافقة على كل اللي تقوله، بس والنبي وريني ولادي دلوقتي.. أضمهم لحضني بس دقيقة، أتطمن إنهم كويسين ومش ناقصهم حاجة.. أبوس رجلك يا فلان.
ابتسم ابتسامة النصر، ضحكة خبيثة ملت وشه وهو شايفني بنهار تماماً تحت رجليه، ومط شفته وبصلي باستهزاء وكأنه بيمضي عقد بيع وشراء:
ـ تؤ.. مش بالسهولة دي يا قطة. وافقتي؟ يبقى أول خطوة تيجي بكرة مع المأذون، نكتب الورقة، ومن بعديها تدخلي من الباب ده بشنطة هدومك.. مش هانم زي ما قولتلك، لأ.. تدخلي على المطبخ علطول، تشوفي طلبات أمي إيه وتنفذيها
لف ضهره ليا وسابني واقفة في نص الأوضة، وشاور بإيده للباب بكل قسوة وتكبر:
ـ يلا.. الباب وراكِ، مستنيكِ بكرة في نفس المعاد.. بالورقة والقلم، والشروط اللي اتفقنا عليها. ها.. هتيجي، ولا لسه فيكي حيل تعافري؟
خرجت من باب الشقة وأنا مش شايفة قدامي، السلم كان بيتهز تحت رجلي، والدموع مغمية عيني لدرجة إني كنت هقع كذا مرة. نزلت الشارع وأنا حاسة بالهوا بيخنقني، الناس بتمر من جنبي عادي، العربيات بتعدي، الدنيا ماشية وكل حاجة طبيعية.. إلا دنيتي أنا اللي اتهدت فوق دماغي.
طول الطريق للبيت وكلامه بيرن في وداني زي الجرس، “خدامة تحت رجلين أهلي”، “جزمتهم فوق رقبتك”. الكلمات كانت بتنهش في كرامتي، بتدبح اللي باقي من البني آدمة اللي جوايا. وفي نفس الوقت، صورتهم وهما بعيد عني، شكلهم لو حد قسى عليهم أو زعقلهم، فكرة إن واحدة تانية تدخل حياتهم وتاخد مكاني.. كانت بتخليني أغلي من جوايا، نار بتاكل في ضلوعي.
دخلت شقتي، رميت نفسي على السرير بهدومي، مكنش فيا حيل حتى أغير أو أغسل وشي. فضلت باصة للسقف، والأفكار بتجيب وتودي.
ـ يا رب.. يا رب أنا عملت إيه لكل ده؟ ليه القسوة دي كلها؟ يعني يا إما أعيش من غير عيالي ويموت قلبي من حسرتي عليهم، يا إما أرجع أتداس بالجزام عشان بس أكون في نفس المكان معاهم؟
الليل عدا عليا وكأنه سنة، منمتش فيه دقيقة واحدة. كنت بقلب في صورهم على تليفوني، بلمس وشوشهم الصغيره على الشاشة وأنا ببكي بحرقة، بفتكر ريحتهم، ضحكتهم، وصوتهم وهم بينادوا عليا. كل ما عقلي يقولي “لأ.. متوافقيش، متبيعيش نفسك وتبقي جارية”، قلبي يصرخ ويقول “والعيال؟ هتقدري تعيشي من غيرهم؟”.
لحد ما الفجر أذن، قمت اتوضيت وصليت، وكنت بدعي وأنا ساجدة وببكي لدرجة إن السجادة غرقت من دموعي. قعدت على الأرض ومسكت راسي بين إيديا، وحسمت أمري.. مفيش فايدة من العفرة، المحاكم بتاخد سنين، والواسطة منفتش مع جحوده، وعيالي بيكبروا بعيد عني كل يوم.
الساعة دقت تلاتة العصر. لميت كام حتة من هدومي في شنطة صغيرة، شنطة متقولش إني رايحة أعيش، دي شنطة واحدة رايحة تتسجن برضاها. نزلت ورجلي تقيلة، كأني ساحبة جبل ورايا.
وصلت عند باب البيت، وقفت قدام الباب دقيقة كاملة، أخدت نفس طويل وكنت بحس بكرامتي وهي بتطلع مع النفس ده، ورفعت إيدي وخبطت.
فتحتلي أمه.. بصتلي بنظرة كلها شماتة وفوقية، مديت عينيها لشنطة الهدوم اللي في إيدي، وراحت مالت على جمب وسابت الباب مفتوح، وقالت بصوت عالي وهي بتنادي عليه جوه:
ـ تعالى يا سيدي.. الست هانم جات اهي، وشايلة شنطتها في إيدها كمان ومطاطيه راسها
خرج من الأوضة الجوانية وهو بيعدل قميصه، ووشه مرسوم عليه ابتسامة نصر تقرف. بص للمأذون اللي كان قاعد على الكنبة وفاتح الدفاتر قدامه، وبعدين وجه نظره ليا، مالت عينيه على الشنطة اللي في إيدي، وضحك ضحكة مكتومة وهو بيهز راسه:
ـ أهو كده.. تعجبيني لما تعقلي وتعرفي حجمك الطبيعي. قعدتي تقولي محاكم وقضايا وبلاد، وفي الآخر جيتيلى برضه
الدموع اتجمدت في عيني، مكنتش قادرة حتى أعيط. الكسرة لجمت لساني. قعدت على طرف الكرسي البعيد كأني غريبة، والمأذون بدأ يكتب. كل كلمة كان بيقولها المأذون وكل إمضاء كنت بوقعها، كنت بحس إنها مسمار بيتدق في نعش البني آدمة اللي كانت جوايا. رميت عيني على باب الأوضة اللي العيال جوه فيها، كنت سامعة صرخة صغيرة أو ضحكة مكتومة، قلبي كان هينط من صدري وعايزة أقوم أجري عليهم، لكن نظرة طليقي وتحذيره الصامت لجموني في مكاني.
قفل المأذون دفتره، ولم حاجته وقام مشي بعد ما بارك لـ “العرسان” بكلمتين باهتين. أول ما الباب اتقفل، اتنفضت من مكاني وقولت بصوت متقطع:
ـ أنا نفذت شرطك ومضيت.. فين ولادي؟ عايزه أشوفهم.
قبل ما ينطق، حماتي قربت مني، حطت إيدها في وسطها وبصتلي بعين ضيقة وقالت بنبرة كلها غل:
ـ عيال إيه اللي تشوفيهم دلوقتي؟ الشقة دي الشقه محتاجه تتنضف و المطبخ مقلوب شوفي وراكِ إيه، والعيال نايمين جوه ومش هتقلقي راحتهم.
بصيتله وأنا بستنجد بيه بنظرة أخيرة، يمكن يكون فيه ذرة رحمة، لكنه دار وشه الناحية التانية وقعد حط رجل على رجل ومسك تليفونه وقال ببرود:
ـ كلام أمي يتسمع حرفياً.. من أولها كده هتعبيني؟ ادخلي المطبخ ولما العيال يصحوا هتشوفيهم، ده لو وريتيني شطارتك وخلصتي اللي وراكِ من غير لوع.
حسيت إن روحي بتتسحب مني، الشنطة وقعت من إيدي على الأرض. مشيت بخطوات تقيلة مكسورة ناحية المطبخ، وبمجرد ما دخلت وقفت ورا الباب، كتمت بوقي بإيديا الاتنين وانفجرت في عياط مكتوم وهستيري.. دموع قهر على عمري، وعلى كرامتي اللي اتهانت، وخوف من الأيام اللي جاية تحت السقف ده.
