عشيقة جوزى حكايات رومانى مكرم 2

خرجتُ من العيادة ورأسي مرفوع، كأنني لم أهدم للتوّ وهمًا عاشت فيه تلك الفتاة لشهور. هدوئي كان يستفزّ حيرتها؛ تركتها ووالدتها في الغرفة تحاولان جمع شتات أنفسهما وسط شظايا المرآة المحطمة على الأرض.

عدتُ إلى منزلي في الزمالك، ذلك البيت الذي طالما اعتنيت بكل ركن فيه، لكنني هذه المرة دخلته بغرض آخر. فتحت خزنتي الصغيرة، أخرجت أوراقي الثبوتية، وعقود ملكية العيادة والسيارة، ووضعتُ حقيبة سفري الصغيرة التي جهزتها بالأمس في سيارتي. لم أترك في البيت ورقًا يدينني، ولم أترك دمعة واحدة تنوب عن حزني. كنت أتحرك بدقة المشرط.. لا مجال للخطأ العاطفي.

في تمام الساعة الخامسة مساءً، انفتح باب الشقة بعنف.

دخل “كريم” والوجوم يكسو وجهه، كان يمسك بهاتفه ويرتعش من الغضب والذهول. نظر إليّ وأنا أرتشف قهوتي بهدوء في الصالون، وقال بصوت متحشرج:

“ماجدة! إيه الرسالة دي؟ وإيه المحامي اللي كلمني وقال لي إنك رافعة قض..ية خلع؟ إنتي جرى لعقلك إيه؟”

وضعتُ الفنجان على الطاولة دون أن يصدر منه صوت، ونظرت إليه:

“أهلاً يا كريم. افتكرت إنك هتتأخر في الشغل كالعادة عشان خايف عليا من التعب.”

تجمد في مكانه، وبدأت ملامحه تتغير، وكأنه أدرك فجأة أن الستر الذي كان يختبئ خلفه قد تلهب. حاول المناورة كالعادة:

“أنا مش فاهم حاجة.. شغل إيه؟ وإيه علاقة ده بقض..ية الخلع؟ إحنا عشرة اتناشر سنة يا ماجدة، تهدّي البيت بالشكل ده؟”

قبل أن يجف كلامه، رنّ هاتفه بعنف. نظر إلى الشاشة، كان المتصل “جيهان”. أراد أن يغلق الخط، لكنني أشرت له بيدي بكل برود:

“رد يا كريم.. عيب، دي بقالها يومين مبتفصلش رن، وعايزة توريك الوش الجديد اللي هيهد حياتي.”

اتسعت عيناه، وابتلع ريقه بصعوبة. أدرك في ثانية واحدة أن اللعبة انتهت، وأن الزوجة “الكركوبة” كانت تدير المشهد بالكامل من وراء كمامتها الطبية. ضغط على زر الإجابة وفتح مكبر الصوت ويداه ترتجفان.

جاء صوت جيهان من الطرف الآخر منهاراً، يمتزج بالبكاء والصراخ:

“لحقني يا كريم! مراتك دمرتني.. مراتك هي الدكتورة ماجدة! ضحكت عليا وغيرت لي شكلي تماماً، أنا بقيت شبه العرايس البلاستيك، وشي ملوش ملامح! دي عملت كدة عشان تنتقم مني وتخليني قبيحة في عينك.. الحقني أنا هوديها في داهية وهرفع عليها قض..ية تشويه!”

أخذتُ الهاتف من يده بكل هدوء، وقربته من فمي وقُلت بنبرة باردة وثابتة:

“أنا مبشوهش حد يا جيهان، وتاريخي المهني يشهد لي. إنتي مضيتي على إقرار برغبتك في تغيير أبعاد الوش ونحته بالكامل، والعملية ناجحة بنسبة مية في المية طبياً وعلمياً، وأي لجنة من النقابة هتيجي تعاين وشك هتكتب تقرير إن الشغل معمول بالمسطرة والقلم وبأعلى كفاءة. إنتي اللي طلبتي تتخلصي من وشك القديم عشان تبقي حد تاني.. وأنا نفذت طلبك بالظبط.”

صمتت جيهان من الصدمة، فأغلقت الخط في وجهها، والتفتُّ إلى كريم الذي كان ينظر إليّ وكأنه يرى امرأة أخرى لا يعرفها. كان مذهولاً من قدرتي على ضبط النفس، ومن الحرفية التي أدرت بها انتقامي دون أن أكسر قانوناً واحداً أو ألوّث سمعة عيادتي.

سقط كريم على المقعد، ووضع رأسه بين يديه وقال بنبرة مكسورة:

“ليالي يا ماجدة؟ كل ده يطلع منك؟ طب وأنا؟”

وقفتُ، وأمسكت بحقيبتي، ونظرت إليه نظرة أخيرة قبل أن أغادر عتبة البيت:

“أنت؟ أنت هتعيش مع النسخة المستنسخة اللي أنت اخترتها.. النسخة البلاستيك اللي ملهاش روح ولا ملامح. أنا سيبتلك الوش اللي يعجبك.. أما الروح، فأنا واخدها معايا وماشية.”

تحركتُ نحو الباب، تاركةً خلفي رجلاً محطماً بين ماضٍ ضيعه بيده، وحاضرٍ جديد ينتظره خلف باب عيادتي.. حاضر يحمل وجه “جيهان” الجديد.

#الكاتب_رومانى_مكرم

نزلتُ درجات السلم بخطوات واثقة، وصوت الكعب العالي يتردد في مدخل البلاط الرخامي للعمارة الهادئة في الزمالك كأنه يعلن نهاية حقبة.

ركبتُ سيارتي، وأدرتُ المحرك. لم ألتفت وراي ولم أنظر إلى نافذة شقتنا في الدور الثالث. في تلك اللحظة، انزاح عن صدري جبل من الهموم لم أكن أعلم بثقله إلا عندما تحركت السيارة. كنت متجهة إلى المطار، لديّ مؤتمر طبي دولي في دبي كنت قد رتبت لحضوره قبل أسابيع، وجعلت موعده يتزامن بدقة مع يوم فك الشاش.

بمجرد وصولي إلى صالة المغادرة، وقبل أن أغلق هاتفي لبدء الرحلة، انهالت الرسائل.

الرسالة الأولى كانت من محاميّ: *”دكتورة ماجدة، تم إيداع صحيفة الدعوى بالمحكمة، وتم إعلان الأستاذ كريم رسمياً بالخلع. حددنا موعداً مع خبير الجدول.”*

أما الرسائل الأخرى، فكانت مزيجاً من التوسلات والتهديدات. كريم يرسل مقاطع صوتية يبكي فيها ويقسم أنه قُطعت رجله قبل أن يخطو نحو تلك الفتاة، ويترجاني ألا أهدم بيتنا. وجيهان ترسل تهديدات مبطنة بالملاحقة القانونية والفضح على منصات التواصل الاجتماعي.

ابتسمتُ، وقمت بحظر الرقمين تماماً.

مرّ أسبوع كامل في دبي. ركزتُ فيه في أبحاثي، وقابلتُ زملائي من جراحي التجميل من كل دول العالم. كنت أتناقش بحرارة في المؤتمرات، وأضحك في العشاء العملي، وكأنني لم أخرج للتو من معركة شخصية طاحنة. كنت أسترد “ماجدة” التي غيبتها سنوات القلق والشك.

عندما عدتُ إلى مصر، توجهتُ مباشرة إلى عيادتي في الزمالك. لم يتغير شيء؛ المرضى في قاعة الانتظار، والممرضات يرتدين مآزرهن الزرقاء، ورائحة المعقمات المألوفة تملأ المكان.

دخلتُ مكتبي، فجاءت الممرضة مسرعة والتوتر يكسو وجهها:

“دكتورة ماجدة.. مدام جيهان برة بقالها ساعتين، ورافضة تمشي. معاها راجل غريب، وشكلها منهار تماماً.”

أخذتُ نفساً عميقاً، وعدّلتُ ياقتي وقُلت بهدوء: “خليهم يدخلوا.”

انفتح الباب. دخلت جيهان، وكانت ترتدي نظارة شمسية ضخمة تخفي نصف وجهها، وتلف إيشارباً حول رأسها كأنها تحاول الاختباء من العالم. وخلفها دخل كريم! كان شاحباً، ذابلاً، والهالات السوداء تحيط بعينيه، يبدو كمن لم ينم منذ أسبوع.

أشرتُ لهما بالجلوس، لكن جيهان لم تجلس. تقدمت نحو مكتبي، وخلعت النظارة بعنف.

التورم كان قد خفّ تماماً، وظهرت النتيجة النهائية للعملية. الوش كان في قمة “الكمال العلمي”.. خطوط مشدودة، عظام منحوتة بدقة متناهية، غابت كل التعرجات.. لكنه كان وجهاً بلا روح، جافاً، بارداً، يشبه تماماً الوجوه المصنوعة في مصانع الدمى. لم تكن قبيحة، بل كانت “مستنسخة” لدرجة مرعبة.

قالت بصوت يرتجف من الغيظ والقهر:

“أنا رحت لاتنين دكاترة تجميل كبار يا ماجدة.. رحت عشان أعمل تقرير أوديكي بيه في داهية وتدفعي تعويض يشطب عليكي.”

سندتُ ظهري إلى الكرسي وقُلت ببرود: “وقالوا لك إيه؟”

تدخل كريم بصوت منكسر ومحرج:

“قالوا إن الشغل اللي معمول معجزة طبية يا ماجدة.. قالوا إن مفيش غلطة واحدة، وإن الوش اتنحت على العضم بالملّي زي ما الكتاب بيقول.. مفيش أي تشويه قانوني.”

بكت جيهان بحرقة ونظرت إليّ:

“أنا مش عارفة أبص في المراية! صحابي مش عارفينني! كريم نفسه بقا بيبصلي ويخاف، مبيطقش يبص في وشي! أنتي خدعتيني.. أنتي غيرتي شكلي عشان تخليه يكرهني ويشوفني مسخ!”

وقفتُ من وراء مكتبي، واقتربتُ منهما. نظرتُ إلى كريم أولاً، ثم وجهت كلامي لجيهان:

“أنا مخدعتكيش.. أنتي اللي جيتيلي وبإيدك صورة الست اللي عايزة تهدي بيتها، وقلتيلي بلسانك: (عايزة وشي يرجع صغير ومشدود عشان يطلقها خالص ويركز معايا).. أنتي اللي رغبتك كانت مبنية على المحو وإلغاء الآخر. أنا كل اللي عملته إني محيتك أنتي.. عشان تبدأي معاه الصفحة الجديدة اللي أنتي خططتي لها.”

التفتُّ إلى كريم وقُلت: “مبروك عليك يا كريم.. النسخة الجديدة اللي كنت بتدور عليها في الفنادق وعلى إنستجرام.. أهي بين إيديك بالمسطرة والقلم.”

نظر إليّ كريم والدموع في عينيه، وقال بصوت خافت:

“أنا طلقت جيهان أول امبارح يا ماجدة.. وجميلك ده ملوش أي لزوم، أنا مش عايز غيرك، أرجوكي بلاش خلع وبلاش فضايح.. أنا مستعد لأي حاجة.”

نظرتُ إليهما معاً، وشعرتُ لأول مرة براحة غريبة.. راحة جراح شق بدقة، استأصل الورم، والآن يضع الضمادة الأخيرة قبل أن يغلق الملف تماماً.

#الكاتب_رومانى_مكرم

مرت ثلاثة أشهر على ذلك اللقاء العاصف في عيادتي. ثلاثة أشهر كانت كافية لكي يترسب الغبار، وتهدأ العاصفة، وتتضح الرؤية كاملة أمام الجميع.

في مجالي، جراحة التجميل، نتعامل يوميًا مع طالبي “الكمال الخارجي”، لكني طوال حياتي المهنية كنت أؤمن أن المشرط لا يمكنه أبدًا أن يلامس الروح أو يرمم الصدع الداخلي للإنسان. وها هي الأيام تثبت لي صدق نظريتي بالملّي والقلم.

جلس محاميّ أمامي في المكتب، ووضع أمامي ورقة رسمية تحمل خاتم الدولة. نظر إليّ بابتسامة وقورة وقال: *”مبروك يا دكتورة ماجدة.. صدر الحكم النهائي بالخلع. أنتي الآن حرة رسميًا وقانونيًا.”*

أخذتُ النفس الذي حُرمت منه لسنوات. لم أشعر بمرارة، ولا بكسرة، بل شعرت بانتصار هادئ ونظيف. انتصار امرأة لم تسمح للخيانة أن تحولها إلى مسخ مشوه بالحقد، بل أدارت أزمتها بعقل جراح يزن الخطوات بميزان الذهب الـ24.

في نفس الأسبوع، علمتُ من أصدقاء مشتركين بنهاية القصة في الطرف الآخر. كريم وجيهان تحولا إلى غريبين يجمعهما الندم. كريم، الذي طلق جيهان في محاولة يائسة لاستعادتي، وجد نفسه وحيدًا في النهاية؛ فلم أنا قبلتُ الرجوع، ولم هو استطاع أن يتحمل العيش مع امرأة اختارها لجمالها، فإذا بها تفقد حتى ملامحها الأصلية التي أغوته في البداية. أصبح يرى في وجه جيهان الجديد تذكيرًا دائمًا بخيانته، وصارت هي ترى فيه سبب خسارتها لوجهها وهويتها.

أما جيهان، فقد انزوت عن الأضواء. أغلقت حساباتها على “إنستجرام” التي كانت تملأها بصور السيلفي أمام مرايا الفنادق. لم تعد تلك الملامح المستنسخة الباردة تجلب لها “اللايكات” أو كلمات الإعجاب؛ لأنها أصبحت تشبه الجميع، ولم تعد تشبه نفسها.

صباح اليوم التالي، كنت واقفة في غرفة العمليات رقم 3.. نفس الغرفة التي بدأت فيها هذه الحكاية. لكن الحالة اليوم كانت مختلفة تمامًا.

أمام السرير الطبي كانت تقف “هناء”، سيدة مكافحة في الأربعين من عمرها، أصيبت بحروق شديدة في جانب وجهها إثر حادث قطار مؤلم منذ عامين. كانت تنظر إليّ بعينين تملأهما الدموع والرجاء، وتمسك بيدي المرتدية القفاز الطبي الطبيعي وتقول: *”دكتورة ماجدة.. أنا مش عايزة أبقى ملكة جمال.. أنا بس عايزة وشي يرجع طبيعي عشان أقدر أنزل الشارع وأواجه الناس من غير ما حد يبصلي بشفقة.”*

ربتُّ على يدها برفق، وابتسمتُ لها من وراء الكمامة.. تلك الابتسامة التي تحمل اليوم طاقة جديدة، طاقة امرأة استردت نفسها بالكامل. وقلت لها: *”يا هناء، الجمال الحقيقي مش بالمسطرة. الجمال هو الملامح اللي بتشبه روحنا.. ملامح الضحكة، والرضا، والصبر. وأنا بوعدك إننا هنرجع الوش اللي بيعبر عن قوتك دي.”*

أشار طبيب التخدير ببدء العملية. أمسكتُ بالمشرط بـإصبع السبابة والإبهام بكل ثبات. بدأتُ أعمل بدقة متناهية، أصلح الأنسجة، وأعيد بناء الجلد المتضرر، وأرسم خطوط الوجه الإنساني الطبيعي بكل احترام وتقدير للخلق البديع.

> ### الحكمة والدرس

> في النهاية، خرجتُ من هذه التجربة بحكمة عميقة صاغتها الأيام بالمشرط والألم:

> **الجمال ليس قالبًا بلاستيكيًا يُشترى بالمال، ولا ملامح مستنسخة تُصنع لإرضاء نزوة عابرة. الجمال الحقيقي هو “الهوية” و”الروح”.**

> حين حاولت جيهان محو وجودي وسرقة بيتي، محت ملامحها بيدها وسقطت في فخ النسخ المتشابهة. وحين حاول كريم البحث عن المتعة الزائفة، خسر المرأة ذات الروح والكيان التي بنى معها عمره.

> الانتقام الحقيقي ليس بالدمار ولا بالتشويه، بل بأن تترك لـ “المُخطيء” تمامًا ما طلبه، وتدعه يكتشف بنفسه أن أمنيته التي حارب من أجلها.. هي أكبر عقاب له. أما أنت، فتنسحب بكرامتك، وضميرك المهني ناصع، لتبني نجاحك من جديد، وتترك الحياة تدير عدالتها الخاصة بالمسطرة والقلم.

>

خلعتُ قفازاتي الطبية بعد انتهاء عملية هناء بنجاح باهر، ونظرت إلى نفسي في مرآة غرفة التعقيم. لم أكن بحاجة لشد جلد ولا لنحت عظام.. كنت أرى في المرآة امرأة قوية، ناضجة، دقيقة، واسمي “الدكتورة ماجدة القاضي” سيظل دائمًا مرادفًا للسمعة، والضمير، والجمال الذي يبدأ من الروح وينتهي بها.

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *