فرح اختى وعمامى حكايات رومانى مكرم 2

اتجه ولد عمي الكبير بخطوات سريعة كيف الفهد ناحية البوابة، وعينه منزلتش واصل عن الراجل اللي واقف في الضلمة عيتكلم في التليفون. الراجل أول ما لمح ولد عمي جاي عليه وعصايته الأبنوس واجفة في يده، ارتبك وقفل السكة بسرعة وحاول يداري وشه ويدخل وسط زحمة أهل العريس، لكن ولد عمي كان أسرع، حط يده على كتفه وضغط عليها بقوة خلت الراجل يتلوى من الألم ويهمس وخوفه باين في عينه: “فيه إيه يا ولد الناس؟ إحنا في فرح!”

ولد عمي قرب منه وقال بصوت واطي يخرط المرار: “الّي عتكلمه في التليفون ده وتقوله يلم رجالة ويجوا ورا الدوار.. قوله يلغي المشوار واصل، عشان لو حد عتب عتبة الدوار ده الليلة، مش هيرجع لبيته على رجليه. إحنا هنا عيلة واحدة، وزعلنا مع عمنا خلص، والّي يفكر يستفرد بيه يواجه واحد وعشرين راجل.. سامع ولا أسمّعك بطريقة تانية؟”

الراجل ريقه نشف تماماً، وركبه سابت من الخوف وعلامات الرعب اتملت في وشه، وهو كان ناوي يعمل فتنة كبيرة ويستغل غياب أعمامي عشان يكسر بوي وعيلتنا قدام أهل البلد، ويهدم الفرح كله. هز راسه بالموافقة والارتجاف واكل طوله، وانسحب وسط أهله وهو عيضرب كف على كف، وعينه عتلف في الأرض من الخزي بعد ما خطته للفتنة اتهدت فوق رأسه.

جوه الساحة، كان بوي لسه عيرقص بالعصاية مع عمي الكبير، يروحوا ويجوا مع نغمات المزمار الصعيدي، والشباب الأربعة عشر محوطينهم وعاملين حلقة سد منيع، يضربوا الأرض برجاليهم ضربة واحدة تخلي القلوب ترج. بوي كان وشه منور وكأنه صِغر عشرين سنة، الفرحة حيت عروقه من تاني، وكل ما عينه تيجي في عين أخ من إخواته، يبتسموا لبعض وكأنهم عيمسحوا زعل السنين بكلمة رضا من غير ما ينطقوا.

أهل العريس، اللي كانوا جايين ومفكرين إن العروسة مالهاش ظهر وهيتحكموا في شروط الفرح كيف ما يترائى ليهم، انكمشوا في كراسيهم بعد ما شافوا هيبة العزوة والرجالة. كبيرهم وقف وقرب من بوي وعمي الكبير، وطأطأ راسه بشوية احترام وقال: “منورين يا جماعة.. الشرف لينا إننا نناسب العيلة الكبيرة دي، وإحنا تحت أمركم في أي طلب للعروسة.”

عمي الكبير بصلوا بنظرة صقر وقال وهو عيسند على عصايته: “بنتنا مهرها غالي، وغلاوتها من غلاوة عمايمنا.. والفرح بكرة مش هيكون ليه مثيل في البلد واصل، عشان الكل يعرف مقام بنت الأصول.”

انتهت ليلة الحنة على خير، والكل بارك وهلل، ورجعنا كلنا مع أعمامي وأولادهم للمضافة الكبيرة عشان نرتبوا لفرح بكرة. قعدنا كلنا، وبوي وسط إخواته السبعة، والصلح اتعمق بالدموع والعتاب الأgroupي اللي صَفّى النفوس تماماً.

وتاني يوم العصر، كان الميعاد.. الفرح الكبير.

البلد كلها كانت واقفة على رجل. الزفة بدأت، وخرجت العروسة متبخترة بفستانها الأبيض، وحواليها واحد وعشرين راجل بجلاليبهم الصعايدة والشيلان الكشميري، وعربيات أعمامي وأولادهم قفلت الطرقات من كترها. لكن وأول ما وصلنا لساحة الفرح الكبيرة اللي في وسط البلد، وبدأنا ننزلوا من العربيات عشان ندخلوا القاعة، ظهرت تلات عربيات دفع رباعي سودا، فاميه غامق، وقفت فجأة وقطعت طريق الزفة بالكامل، ونزل منها رجالة غريبة مش من أهل البلد، ماليين كفوفهم بسلاح تقيل، وعيونهم عتـدَوّر في وسط الزفة على شخص واحد بالذات..

مرّت الساعات والبهجة تزيد ما تنقص، لحد ما جه وقت الخروبة والزفّة الكبيرة اللي هتوصل العروسة لبيتها الجديد. خرجنا من القاعة في موكب مهيب، العربيات متستفة ورا بعضيها كيف القطار، تطلق كلاكسات الفرح اللي تسمع لآخر بلاد واصل. وبوي وعمامي السبعة والشباب الأربعة عشر كانوا راكبين في أول الموكب، واجفين في عربياتهم النص نقل والدفع الرباعي، عمايمهم البيضا تلوّح في الهوا، والهمة والشموخ ماليين قلوبهم بعد ما اتلم الشمل وانجبر الخاطر.

أول ما عتبت أول عربية في الموكب أول الشارع اللي فيه بيت العريس، انقطعت الأصوات كلها فجأة، وبدأت ملحمة الفرح الصعيدي الحامية اللي هزت أركان الناحية كلها.

عمي الكبير وقف بطوله الفارع في وسط العربية، وسحب بندقيته الآلية ورفعها لقلب السما، وخرجت الطلقة الأولى تزأر كيف الأسد وتعلن البداية. ما هي إلا ثانية واحدة، وكان السبع رجالة والـ أربعة عشر شاب مطلعين السلاح كله؛ مسدسات وبنادق آلية وخراطيش، وانطلق ضرب النار الفرايحي اللي ملوش مثيل.

**”طاخ.. طاخ.. طاخ.. بوووم.. طاخ!”**

الرصاص كان عيطير في السما كيف المطر، وصوته يعمل رعد يزلزل الأرض تحت رجلين المعازيم. الدخان الأبيض غطى سما الشارع، والشرار اللي نازل من جوف البنادق كان ينوّر العتمة ويزيد القلوب حماسة وفخر. بوي كان واجف وسط إخواته، يضرب طلقة ورا طلقة وعيونه تلمع بدموع النصر والفرحة، وكل ما يخلص خزنة، يرميها للشباب يملوها له في ثواني ويرجع يضرب من تاني وهو عيزعق بعلو صوته: “علّي يا ولد أخويا.. علّي وسمّع الدنيا كلها فرحة بتنا!”

أهل العريس والمنطقة كلها خرجوا في البلكونات وفوق السطوح، مذهولين من كتر الضرب والهيبة. الشارع اتقلب حلقة نار ونور، والكل واجف يتفرج على العزوة اللي مفيش قوة تقدر تقف في وشها. العريس بيدور وعيونه عتلف من الفخر، حاسس إنه ناسب ملوك مش رجالة وبس.

فضل ضرب النار الفرايحي شغال ومتواصل بلا انقطاع، الأرض اتهزت من كتر فوارغ الرصاص اللي اترمت على الأسفلت وبقت كيف السجادة النحاس. استمر الحال ده لأكتر من ساعة، والرجالة والشباب واقفين سد منيع قدام باب بيت العريس، مأمنين ومفرحين ورافعين راس بنتهم لفوق الفوق، لحد ما نزلت العروسة من عربيتها متبخترة كيف الأميرة، محمية بظلال العمايم والشيلان الكشميري.

مشت أختي على فوارغ الرصاص بخطوات ثابتة وراس مرفوعة، وبوي وعمي الكبير ماسكين إيدها لحد ما عتبت باب البيت ودخلت شقتها متصانة ومحشومة، والكل عيزغرد ويقول: “يا جبل ما يهزك ريح.. دي عيلة يهدوا بلد!”

وأول ما اتقفل باب بيت العريس والعروسة استقرت جوه، هدي ضرب النار شوي بشوي، والتفت عمي الكبير لبوي وحط يده على كتفه وقال: “أمانتك ووصلت يا خوي.. ودلوقتي عاد، جه وقت الحساب الواعر اللي مستنينا في الدوار الكبير..”

قعدنا كلنا في وسط الدوار الكبير بعد ما رجعنا من بيت العريس، والهدوء حلّ على المكان واصل بعد صخب الفرح وضرب النار. السبع رجالة قعدوا في صدر المضافة، والشباب الأربعة عشر وقفوا وراهم في صمت مهيب، وبوي كان قاعد ومنكس راسه في الأرض، وعلامات الندم والخجل واضحة على وشه.

عمي الكبير اتنهد تنهيدة شقت السكوت، وبص لبوي وقال بصوت ماليان حزن ووقار: “خلاص يا خوي.. بتك ودخلت بيت جوزها مرفوعة الراس وسط عيلتها وعزوتها.. ودلوقتي جه وقت الكلام الواعر اللي كتمناه في صدورنا تمنتاشر سنة واصل. جه الوقت اللي ولدك يعرف فيه إيه السر اللي فرّق الأخوات وخلى الدم يبقي مية طول السنين دي.”

بوي رفع راسه وعيونه مغرقة بالدموع، وهز راسه بالموافقة وكأنه عيقوله: “قول يا خوي.. وريح قلبي من شيل الهم.”

عمي الكبير التفت ناحيتي وقال: “اسمع يا ولدي عشان تعرف إن الأصول مبتتجزأش.. زمان، من تمنتاشر سنة، جدي الله يرحمه ساب لينا أرض المطارح الكبيرة اللي على أول البلد، أرض تسوى ملايين. الأرض دي كانت ورثنا كلنا، السبع إخوات وأبوك تامنهم. وجدك قبل ما يموت وصى وصية شديدة: (الأرض دي متتباعش للغريب واصل، تتدور بيناتكم وتفضل سند للعيلة).”

أخد عمي الكبير نفس طويل وكمل وعينه عتطق شرار قديم: “لكن أبوك زمان، اتزنق في قرشين عشان كان عاوز يدخل تجارة كبيرة مع ناس غُرب من برا البلد. الناس دول زغللوا عينه بالفلوس والمكسب السريع، ولعبوا بدماغه لحد ما وافق يبيع ليهم نايبُه في الأرض من ورا ظهرنا، لا لِوعنا ولا قالنا اشتروا أنتوا أولى بمال جدكم! ومش بس كده.. المشتري الغريب ده استغل عقد البيع اللي مع أبوك، وجاب رجالة بسلاح وبدأوا يضايقونا في باقي الأرض وعاوزين يطردونا منها ويدوسوا على كرامة العيلة.”

هنا بوي اتكلم وصوته عيرعش من البُكا: “والله ما كنت أعرف إنهم هيدوروا علينا بالغدر يا خوي! أنا كنت فاكرهم ناس أصول، والجمعة عمت عيني عشان كنت عاوز أعمل قرشين أأمن بيهم مستقبلي ومستقبل عيالي.”

عمي الكبير خبط بعصايته الأبنوس على الأرض وقال: “الجهل بالشيء مش عذر يا خوي! اللي عملته زمان مكانش مجرد بيعة أرض.. ده كان كسر لظهرنا قدام الغريب، وخروج عن شور العيلة ووصية أبوك. يومها قعدنا مجلس عرب، والكل لَام عليك، وبدل ما تتراجع وتعتذر، أخدتك العزة بالإثم، ولميت عزيلك وخدت مرتك وطلعت برا الدوار الكبير، وقطعت الوصل بيناتنا.”

ساد الصمت في المضافة، وبوي قايم من مكانه بجلابيته، ومشى خطوات لحد ما وصل عند رجلين عمي الكبير وطأطأ راسه وقال: “حقكم عليا.. أنا غلطت في حقكم وفي حق نفسي، وشربت المرار تمنتاشر سنة وأنا مقطوع من شجرة، وعرفت إن المال تروح وتيجي، لكن الأخ ملوش عوض واصل.”

عمي الكبير بص لبوي، وملامحه الشديدة بدأت تلين، ومد يده ورفع راس بوي لفوق وضمه لصدّره تاني وقال: “السر ده اندفن الليلة تحت فوارغ الرصاص اللي ضربناه في الفرح.. وإحنا مرجعناش عشان الأرض ولا عشان العتاب، إحنا رجعنا عشان لحمنا ميتداسش.. لكن عاد، فيه حاجة تانية لازم تعرفوها.. الأرض اللي اتباعت زمان، المشتري الغريب مات، وولاده النهاردة الصبح نزلوا البلد ومعاهم العقد القديم، وناوين يهدوا الدوار ده فوق روسنا..”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *