جوزى حكايات رومانى مكرم 2
مديت إيدي بكل قوتي وعمري كله بيتأرجح بين الحياة والموت، وبدون تفكير، شديت فرامل اليد لأقصى عزم عندي وفي نفس الوقت لطشت دريكسيون العربية بكل عزمي ناحية اليمين. العربية زأرت بصوت مخيف، والكاوتش عمل صوت صريخ هز ساحة الفندق كلها، ولفّت بينا نص لفة عنيفة لحد ما خبطت في الرصيف الحجري البعيد عن السلم، والموتور بطل وطلع منه دخان أبيض كتم نفسنا إحنا الاتنين.
الناس برة اتخضت، والزفة وقفت للحظات، وبعض أفراد الأمن بدأوا يجروا ناحية العربية يشوفوا في إيه. رامي كان راسه خبطت في الدريكسيون خبطة خفيفة، بس الجنان اللي في عينه متمحاش.. بصلي بنظرة كلها غل وضـ رب كفوفه في الدريكسيون وهو بيصرخ: “ضيعتيني! ضيعتي فرستي الأخيرة يا سمر! الله يخرب بيتك!”
نزلت من العربية بسرعة البرق قبل ما الأمن يوصل لنا، ووقفت قدام الباب وحجبت الرؤية وأنا بحاول ألملم شتات نفسي وطرحتي المتبهدلة. قرب مننا رئيس أمن الفندق ووشه مقلوب: “خير يا فندم؟ في إيه؟ السواقة بالطريقة دي ممنوعة وممكن تودي في داهية!”
بلعت ريقي وبمنتهى الثبات الانفعالي اللي نزل عليا من السما قولتله: “أنا آسفة جداً يا فندم.. جوزي السكر بتاعه عِلي فجأة وغاب عن الوعي وهو سايق، ورجله كبست على البنزين غصب عنه.. أنا لولا إني لحقت الفرامل كانت هتبقى مصيبة.. أرجوك ساعدني نخرجه برة الفندق بالراحة من غير ما نعمل شوشرة على الناس، هو زمانه بيفوق.”
الأمن صدق كلامي وشكلي المتبهدل الخايف، وبدأوا يوسعوا الطريق. في اللحظة دي، بصيت ناحية السلم.. كانت نادين واقفة، فستانها الأبيض زي الملايكة، وعريسها بيطمنها وبيضحك معاها، ولا هي هنا! ولا تعرف إن في واحد مجنون كان هيضيع عمره وعمرها وعمر ناس ملهمش ذنب عشان وهم في دماغه. شفتها بتركب عربية الزفة المتزينة بالورد، والعربية بدأت تتحرك وتخرج من بوابة الفندق وسط كلكسات الفرح وزغاريط صحابها.
لفيت وبصيت لرامي اللي كان لسه قاعد جوة العربية، دافن وشه بين إيديه وبيعيط بنشيج يقطع القلب.. بس المرة دي عياطه مقطعش قلبي أنا.. عياطه موّت حتة جوايا كانت باقية ليه. قولتله بنبرة حادة وناشفة: “انزل.. اقعد جمبي ومش عاوزة أسمع صوتك لحد ما نوصل، محمود ابن عم أحمد لسه واقف برة مستنيني بالموتوسيكل، هيدخل يسوق بينا العربية ويرجعنا.. انزل!”
نزل زي التلميذ الخايب اللي انكسر حلمه، ركب ورا وأنا ركبت جمب محمود اللي دخلت نديت عليه وساق بينا وخرجنا من الفندق. طول الطريق، السكون كان سيد الموقف، مفيش غير صوت الهوا وموتور العربية.. رامي باصص من الشباك ودموعه نازلة في صمت، وأنا باصة قدامي وعقلي عمال يعيد شريط التلات سنين.. تلات سنين كنت فاكرة فيهم إني مالية عينه وقلبه، تلات سنين كنت بصلح وببني في بيت اتضح إنه متبني على رمل، وعلى ذكرى واحدة ماتت بنظره بس عايشة في كل دقة من دقات قلبه.
وصلنا البيت على الفجر، حاسبت محمود وشكرته ودخلنا الشقة. أول ما الباب اتقفل علينا، رامي رمى مفاتيحه على الترابيزة وقعد على أقرب كرسي وهو حاطط راسه بين رجليه. أنا مقلعتش عبايتي ولا طرحتي، وقفت قدامه وبكل برود الدنيا قولتله: “ليه يا رامي؟”
رفع راسه، عينه كانت منفوخة ووشه دبلان، قالي بصوت مبحوح: “سمر.. أنا عارف إني غلطت في حقك.. بس غصب عني، نادين دي كانت حلم عمري، أهلها رفضوني زمان عشان كنت لسه ببدأ حياتي ومحلتيش حاجة.. ولما قولتلك إنها ماتت، كنت بكدب على نفسي قبل ما أكدب عليكي، كنت بحاول أقنع نفسي إن الحكاية انتهت عشان أعرف أعيش.. بس لما عرفت إنها بتتجوز النهاردة، حسيت إن روحي بتتسحب مني، ومبقتش شايف قدامي.”
ضحكت ضحكة مكتومة، ضحكة كلها وجع وسخرية: “غصب عنك؟ وروحك بتتسحب منك؟ طب وأنا؟ أنا اللي صنتك وصنت بيتك تلات سنين؟ أنا اللي كنت بنام في حضنك وتصحى تقولي بحبك؟ كنت بتقولها لمين يا رامي؟ ليا أنا ولا كنت شايفها هي فيا؟ أنا كنت بنسبالك إيه؟ مجرد دلالة إنك نسيت؟ ولا كمالة عدد عشان ترضي أهلك وتثبت لنفسك إنك بقيت راجل ومتجوز؟”
سكت ومردش، ونزل راسه الأرض تاني. كملت كلامي والدموع خلاص غلبتني ونزلت حامية على سحنتي: “أنت مرخصتنيش أنا وبس يا رامي.. أنت رخصت نفسك.. كنت رايح تعمل فضيحة لواحدة عايشة حياتها وناساك وفرحانة بعريسها، كنت رايح تهد فرح وهدم عائلات عشان أنانيتك! أنت م بتحبهاش.. أنت بتحب العند وبتحب تعيش دور الضحية.”
وقفت ومسحت دموعي بقسوة، ودخلت الأوضة، طلعت شنطة السفر الكبيرة وبدأت ألم فيها هدومي.. كل توب، كل حاجة تخصني في البيت ده كنت برميها جوة الشنطة بقهر. خرجت والشنطة في إيدي، لقيت رامي وقف مخضوض ومسك إيدي: “أنتِ بتعملي إيه يا سمر؟ رايحة فين في وقت زي ده؟ أرجوكي سامحيني، أنا كنت غايب عن الوعي ومش هكررها، أنا مقدرش أستغنى عنك أنتِ بيتي وأماني!”
نفضت إيدي من إيده بقرف وبصيت في عينه قولتله: “أنا مش مسكن يا رامي، ولا أنا البيت البديل اللي بترجع له لما حلمك يطير.. أنت قولتلي بعلو صوتك (أنا مش عاوزك أنتِ، أنا عاوزها هي).. والكلمة دي مبيغسلهاش أسف ولا بيمحيها ندم.. أنا رايحة بيت أبويا، والشنطة دي مش هترجع هنا تاني.”
فتحت باب الشقة وخرجت في جلالة الفجر، ورزعت الباب ورايا بنفس الرقعة اللي هو رزعهالي من كام ساعة.. بس المرة دي كانت رقعة نهايتنا. نزلت السلم وأنا مش شايفة قدامي من الدموع، وطلعت على الشارع الرئيسي وأنا بفكر: هقول لإيجار إيه؟ وأهلي هيفهموا وجعي إزاي؟
وفجأة، وأنا واقفة مستنية أي عربية تاخدني، تليفوني نور تاني.. نفس الرقم الغريب بتاع ريهام صاحبة نادين! فتحت الخط وأنا مستغربة، لقيت صوتها جاي المرادي مش مرعوب.. صوتها كان حاد وفيه نبرة غريبة وقالتلي: “سمر؟ رامي لسه معاكي؟ أصل في مصيبة حصلت في الفندق بعد ما مشيتوا.. والبوليس دلوقتي بيفتح تحقيق، واسم جوزك اتقال في المحضر!”
وقعت الشنطة من إيدي على الرصيف، وحسيت بركبي سابت ومبقتش قادرة تشيلني. سألتها بنبرة مخنوقة والدم بيغلي في نفوخي: “بوليس إيه ومحضر إيه يا ريهام؟ إحنا مشينا من الفندق والعربية ملمستش حد، والأمن عدا الموضوع! في إيه بالظبط؟”
جاءني صوت ريهام وهي بتنهج وبتتكلم بصوت واطي كأنها بتستخبى من حد: “يا سمر افهميني.. بعد ما أنتِ أخدتي رامي ومشيتوا، الفرح خلص والعرايس ركبوا عربية الزفة عشان يطلعوا على فندق الإقامة بتاعهم.. على طريق الكورنيش، في عربية سودا جيب من غير نمر كانت مستدية ليهم، قطعت عليهم الطريق وخرج منها تلات رجالة مسلحين ومقنعين.. خطـ فوا نادين برخصتها من قلب عربية الزفة وداسوا غل عريسها اللي حاول يمنعهم، وطاروا بيها!”
شهقت وحطيت إيدي على بوقي، والدينا لفت بيا.. خطـ فوها؟! نادين اتخطـ فت في ليلة دخلتها؟!
كملت ريهام وهي بتعيط بهستيريا: “العريس في المستشفى بين الحيا والموت، وأهل نادين قلبوا الدنيا.. البوليس جه الفندق وفرغ الكاميرات، وشافوا الخناقة اللي حصلت بينك وبين رامي، والأمن قال إن جوزك كان داخل بسرعة جنونية وكان عاوز يهد القاعة! والأنيل من كده.. البوليس لما فحص تليفون نادين اللي سابته في العربية، لقوا رسايل وتهديدات مبعوتة ليها من رقم مجهول بقالها أسبوع، مكتوب فيها (مش هتبقى لغيري ولو بقيتي لغيري هنهي حياتك وحياته).. وطبعاً الشبهة كلها دلوقتي لفت وراحت لرامي! البوليس سأل عليه وعرفوا عنوانكم وفى طريقهم ليكم دلوقتي يا سمر!”
الخط قطع.. وأنا بقيت واقفة في الشارع زي المجنونة. عقلي مكنش قادر يستوعب.. رامي غبي، أناني، ومتهور.. بس هل ممكن يوصل بيه الجنان والغل إنه يخطـ فها؟ هل الرسايل دي بتاعته فعلاً وهو اللي رتب لكل ده عشان لما يفشل في الفندق يتنفذ المخطط التاني؟
بصيت لشنطة هدومي المركونة على الرصيف، وبصيت لاتجاه بيت أبويا، وبعدين بصيت ورايا ناحية بيتي.. بيت رامي. لو هربت دلوقتي وروحت لأهلي، اسمي هيتجرجر في المحاضر كزوجة المتهم الهارب، وعيلتي ملهاش ذنب في الفضيحة دي. لازم أواجهه، لازم أعرف الحقيقة كاملة قبل ما البوليس يوصل.
سحبت الشنطة ورايا وطلعت السلم جري، كنت بنهج وبموت من الرعب. فتحت الباب بالمفتاح ودخلت وزقيت الشنطة برجلّيا. رامي كان لسه قاعد على الكرسي في الضلمة بنفس الوضعية، كأنه ج..ثة هامدة.
قربت منه ورزعت تليفوني على التربيزة قدامه، وقولتله بصوت زلزل الأوضة: “اقف عندك.. اقف وبص في عيني يا رامي!”
اتخض ووقف وهو مستغرب رجوعي وشكلي المرعوب: “في إيه يا سمر؟ أنتِ مش مشيتي؟ رجعتي ليه؟”
مسكته من ياقة قميصه بكل غل الدنيا، ودموعي نازلة من كتر الخوف والقهر: “نادين اتخطـ فت يا رامي! اتخطـ فت من ساعة على الكورنيش وعريسها بيموت في المستشفى! والبوليس جاي في السكة يقبض عليك بتهمة الخـ طف والشروع في القـ تل! قولي حقيقة الرسايل والتهديدات اللي كانت على تليفونها.. أنت اللي عملت كده؟ أنت اللي خطـ فتها يا رامي؟!”
رامي وش ألوانه اتقلب، وبقى أبيض كأنه كفن، عينه طلعت لبرة بذهول حقيقي وقالي وهو بيترعش وبيتراجع لورا: “خـ طف؟! رسايل إيه؟ والله العظيم ما أعرف حاجة! أنا أه مجنون وعملت فضيحة وكنت هوديكم في داهية في الفندق.. بس أنا ممعيش حد، ومخططتش لحاجة، أنا روحت هناك لوحدي بدافع الجنان واللحظة! تهديدات إيه وخـ طف إيه اللي بتتكلمي عنهم؟!”
بصيت في عينه قوي، كنت بحاول أقرا الكدب.. ملامحه كانت مرعوبة ومذهولة، الذهول ده مكنش تمثيل، الصدمة شلت حركته. ووسط ما إحنا واقفين بنصرخ في بعض، سمعنا صوت سرينة عربيات البوليس وهي بتهز هدوء الشارع تحت البيت، وصوت فرامل عربيات كتير وقفت مرة واحدة!
رامي جرى على الشباك وبص برعب: “البوليس.. البوليس حاصر البيت يا سمر! هيقبضوا عليا في جري..مة معملتهاش.. هيضيعوني!”
وفجأة.. تليفون رامي اللي كان مرمي على السرير نور.. رن برقم غريب مأعرفوش. رامي بص للشاشة وإيده بتترعش، فتح الإسبيركر ورد بصوت مخنوق: “ألو؟ مين؟”
جاءنا صوت راجل، صوت غليظ، حاد، وضخك ضحكة باردة تخوف، وقال بنبرة كله ثقة: “إزيك يا رامي يا حبيبي؟ نادين معايا دلوقتي.. في الحفظ والصون.. والبوليس تحت بيتك دلوقتي عشان يلبسك التهمة تمااام زي ما خططت! لو عاوز نادين تفضل عايشة، وأنت تخرج من المصيبة دي.. قدامك عشر دقايق بالظبط تهرب من باب السطوح وتنزل من غير ما البوليس يشوفك، وتجيلي على العنوان اللي هبعتهولك في رسالة.. لو بلغت أو اتمسكت، نادين هتموت، وساعتها حبل المشنقة هيتلف حوالين رقبتك أنت يا رامي بيه!”
الخط قفل.. والرسالة وصلت على تليفونه بالعنوان.
أنا ورامي بصينا لبعض، وصوت خبط عنيف ومرعب بدأ يدق على باب الشقة برة، وصوت ضابط بيزعق: “افتح يا رامي.. معانا إذن من النيابة.. افتح بدل ما نكسر الباب!”
رامي بصلي ودموعه نازلة، ومسك إيدي وهو منهار: “سمر.. أرجوكي صدقيني، أنا بريء.. لو اتمسكت دلوقتي هروح فيها.. أعمل إيه؟!”
الحمل كان تقيل، واللحظة كانت بتحدد مصير حياتنا كلها.. الباب بيتكسر، ورامي قدامه طريقين: يا يهرب ويروح للمجهول، يا يستسلم ويدخل السجن في جري..مة لبساه من ساسه لراسه!