حكايات اسما السيد 2

الفصل السادس: الخائن

ارتجت الجدران بقوة عندما أُغلق الباب الحديدي.

وانطفأت إحدى المصابيح القديمة في السقف.

فغرق نصف الغرفة في الظلام.

قفز سيف نحو الباب وهو يصرخ:

“افتح الباب!”

وضرب الحديد بقبضته بعنف.

لكن لم يأتِ أي رد.

أما أمه فكانت تبكي بصمت.

وياسمين التصقت بالحائط وهي ترتجف.

بينما ظل عمر واقفًا مكانه.

هادئًا بشكل غريب.

كأنه كان يتوقع ما حدث.

صرخت فيه:

“مين؟!”

نظر إليّ.

“إيه؟”

“مين الخائن؟”

تنهد طويلًا.

ثم جلس على صندوق خشبي قديم.

وقال:

“عادل.”

ساد الصمت.

الرجل العجوز.

الشريك القديم.

صاحب الوجه الهادئ.

والكلام المنطقي.

هو الخائن؟

قال سيف بصدمة:

“مستحيل.”

ابتسم عمر بسخرية.

“لسه بتثق في الناس بسهولة زي زمان.”

ثم التفت نحونا.

“أبويا عرف الحقيقة قبل اختفائه بشهور.”

“عرف إن عادل بيبيع معلومات الشركاء.”

“وبيستولى على شركاتهم بالتدريج.”

“وبيزوّر العقود.”

“ولما أبويا اكتشفه…”

صمت لحظة.

“…قرر يوثق كل حاجة.”

وأشار إلى الملفات داخل الصندوق.

أمسكت إحدى الأوراق.

وبدأت أقرأ.

كل صفحة كانت تحمل توقيعات.

وحسابات.

ومعاملات مالية.

وأسماء شركات.

وكلها تشير إلى شخص واحد.

عادل.

كانت الأدلة واضحة بشكل لا يقبل الشك.

قال عمر:

“عشان كده حاول يق*تل أبويا.”

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

“إذن الحادث…”

هز رأسه.

“ماكانش حادث.”

بدأت الصورة تكتمل.

فؤاد اختفى.

عمر نجا.

عادل ظل يطارد السر.

وسيف عاش نصف عمره وهو يصدق الأكاذيب.

لكن سؤالًا بقي بلا إجابة.

كيف خرج عادل؟

وكيف حبسنا هنا؟

اقترب عمر من أحد الجدران.

وأزاح رفًا خشبيًا قديمًا.

فظهر خلفه تجويف صغير.

ومن داخله أخرج مصباحًا يدويًا ومفتاحًا آخر.

نظر إليه سيف بدهشة.

“كنت عارف؟”

أجاب عمر:

“عشت خمس سنين جوه البيت ده.”

“أعرفه أكتر من أي حد.”

ثم سار نحو نهاية الغرفة.

وأشار إلى الحائط الخلفي.

كان يبدو عاديًا.

لكن عندما ضغط حجرًا معينًا…

صدر صوت احتكاك خافت.

وبدأ جزء من الجدار يتحرك.

كاشفًا عن نفق ضيق.

شهقت ياسمين.

أما أنا فشعرت أنني لم أعد أندهش من شيء.

قال عمر:

“أبويا بناه زمان.”

“في حالة احتاج يهرب.”

دخلنا النفق.

واحدًا تلو الآخر.

كان ضيقًا ومظلمًا.

ورائحته تراب ورطوبة.

استغرق السير بداخله قرابة عشر دقائق.

لكن في النهاية…

ظهر ضوء خافت.

وخرجنا إلى مكان لم أتوقعه.

كنا داخل مخزن قديم خلف الفيلا.

مكان مهجور.

مليء بالأثاث المغطى بالأقمشة.

لكن الشيء الذي لفت انتباهنا فورًا…

كان الأصوات.

أصوات سيارات.

كثيرة.

قادمة من الخارج.

اقتربنا من نافذة صغيرة.

ونظرنا.

فتجمدنا جميعًا.

لأن ساحة الفيلا كانت ممتلئة بالسيارات السوداء.

وعشرات الرجال.

وكان عادل يقف بينهم.

يعطي أوامر للجميع.

قال عمر بهدوء:

“لقي الصندوق.”

“بس ما لقاش الملفات كلها.”

نظرت إليه.

“إزاي؟”

ابتسم لأول مرة.

ثم رفع حقيبة جلدية سوداء كان يحملها طوال الوقت.

ولم أنتبه إليها.

وقال:

“لأن النسخ الأصلية هنا.”

شعرت أن الأمل عاد قليلًا.

إذا كانت الأدلة الحقيقية معنا…

فيمكن كشف الحقيقة.

لكن عمر لم يبدُ مرتاحًا.

بل كان ينظر إلى الفيلا بقلق.

سألته:

“في إيه؟”

أجاب:

“عادل مش هيستسلم.”

“هو قضى عشرين سنة يدور على الملفات دي.”

“ومش هيسيبنا نخرج بيها.”

وفجأة…

رن هاتف سيف.

نظر إلى الشاشة.

ثم شحب وجهه.

“مين؟”

أجاب بصوت منخفض:

“رقم خاص.”

رد.

ووضع الهاتف على السماعة.

وفي اللحظة التالية سمعنا صوت عادل.

هادئًا.

باردًا.

كأنه يجلس معنا في الغرفة.

قال:

“أهلاً يا عمر.”

ساد الصمت.

ثم أكمل:

“كنت عارف إنك هتهرب.”

نظر عمر إلى الهاتف دون أن يتكلم.

فابتسم عادل عبر الخط.

وقال:

“بس للأسف… تأخرت.”

شعرت بانقباض في معدتي.

“تأخر في إيه؟”

لكن الإجابة جاءت بعد ثانية واحدة.

عندما دوى انفجار هائل في الخارج.

اهتزت الأرض تحت أقدامنا.

وتحطم زجاج المخزن.

وسقطت ياسمين على الأرض صارخة.

ركضنا إلى النافذة.

ونظرنا نحو الفيلا.

ثم تجمدت أنفاسنا.

لأن جزءًا كاملًا من المبنى كان ينهار وسط الدخان والنيران.

وكانت الغرفة السرية…

التي احتوت الصندوق…

قد اختفت بالكامل.

وكأن أحدًا أراد محو كل أثر للحقيقة.

لكن عمر لم يكن ينظر إلى الحريق.

بل كان ينظر إلى شيء آخر.

شيء جعل وجهه يفقد لونه فجأة.

تتبعت نظره.

ثم شعرت بالرعب.

لأن إحدى السيارات السوداء بدأت تتجه مباشرة نحو المخزن…

وعلى المقعد الخلفي كان يجلس رجل.

رجل ظن الجميع أنه مات منذ عشرين عامًا.

والد سيف وعمر.

فؤاد الحديدي.

حيًا. بالفعل.

وليس مجرد ذكرى أو تسجيل صوتي.

يتبع…

الفصل السادس: الخائن

ارتجت الجدران بقوة عندما أُغلق الباب الحديدي.

وانطفأت إحدى المصابيح القديمة في السقف.

فغرق نصف الغرفة في الظلام.

قفز سيف نحو الباب وهو يصرخ:

“افتح الباب!”

وضرب الحديد بقبضته بعنف.

لكن لم يأتِ أي رد.

أما أمه فكانت تبكي بصمت.

وياسمين التصقت بالحائط وهي ترتجف.

بينما ظل عمر واقفًا مكانه.

هادئًا بشكل غريب.

كأنه كان يتوقع ما حدث.

صرخت فيه:

“مين؟!”

نظر إليّ.

“إيه؟”

“مين الخائن؟”

تنهد طويلًا.

ثم جلس على صندوق خشبي قديم.

وقال:

“عادل.”

ساد الصمت.

الرجل العجوز.

الشريك القديم.

صاحب الوجه الهادئ.

والكلام المنطقي.

هو الخائن؟

قال سيف بصدمة:

“مستحيل.”

ابتسم عمر بسخرية.

“لسه بتثق في الناس بسهولة زي زمان.”

ثم التفت نحونا.

“أبويا عرف الحقيقة قبل اختفائه بشهور.”

“عرف إن عادل بيبيع معلومات الشركاء.”

“وبيستولى على شركاتهم بالتدريج.”

“وبيزوّر العقود.”

“ولما أبويا اكتشفه…”

صمت لحظة.

“…قرر يوثق كل حاجة.”

وأشار إلى الملفات داخل الصندوق.

أمسكت إحدى الأوراق.

وبدأت أقرأ.

كل صفحة كانت تحمل توقيعات.

وحسابات.

ومعاملات مالية.

وأسماء شركات.

وكلها تشير إلى شخص واحد.

عادل.

كانت الأدلة واضحة بشكل لا يقبل الشك.

قال عمر:

“عشان كده حاول يق*تل أبويا.”

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

“إذن الحادث…”

هز رأسه.

“ماكانش حادث.”

بدأت الصورة تكتمل.

فؤاد اختفى.

عمر نجا.

عادل ظل يطارد السر.

وسيف عاش نصف عمره وهو يصدق الأكاذيب.

لكن سؤالًا بقي بلا إجابة.

كيف خرج عادل؟

وكيف حبسنا هنا؟

اقترب عمر من أحد الجدران.

وأزاح رفًا خشبيًا قديمًا.

فظهر خلفه تجويف صغير.

ومن داخله أخرج مصباحًا يدويًا ومفتاحًا آخر.

نظر إليه سيف بدهشة.

“كنت عارف؟”

أجاب عمر:

“عشت خمس سنين جوه البيت ده.”

“أعرفه أكتر من أي حد.”

ثم سار نحو نهاية الغرفة.

وأشار إلى الحائط الخلفي.

كان يبدو عاديًا.

لكن عندما ضغط حجرًا معينًا…

صدر صوت احتكاك خافت.

وبدأ جزء من الجدار يتحرك.

كاشفًا عن نفق ضيق.

شهقت ياسمين.

أما أنا فشعرت أنني لم أعد أندهش من شيء.

قال عمر:

“أبويا بناه زمان.”

“في حالة احتاج يهرب.”

دخلنا النفق.

واحدًا تلو الآخر.

كان ضيقًا ومظلمًا.

ورائحته تراب ورطوبة.

استغرق السير بداخله قرابة عشر دقائق.

لكن في النهاية…

ظهر ضوء خافت.

وخرجنا إلى مكان لم أتوقعه.

كنا داخل مخزن قديم خلف الفيلا.

مكان مهجور.

مليء بالأثاث المغطى بالأقمشة.

لكن الشيء الذي لفت انتباهنا فورًا…

كان الأصوات.

أصوات سيارات.

كثيرة.

قادمة من الخارج.

اقتربنا من نافذة صغيرة.

ونظرنا.

فتجمدنا جميعًا.

لأن ساحة الفيلا كانت ممتلئة بالسيارات السوداء.

وعشرات الرجال.

وكان عادل يقف بينهم.

يعطي أوامر للجميع.

قال عمر بهدوء:

“لقي الصندوق.”

“بس ما لقاش الملفات كلها.”

نظرت إليه.

“إزاي؟”

ابتسم لأول مرة.

ثم رفع حقيبة جلدية سوداء كان يحملها طوال الوقت.

ولم أنتبه إليها.

وقال:

“لأن النسخ الأصلية هنا.”

شعرت أن الأمل عاد قليلًا.

إذا كانت الأدلة الحقيقية معنا…

فيمكن كشف الحقيقة.

لكن عمر لم يبدُ مرتاحًا.

بل كان ينظر إلى الفيلا بقلق.

سألته:

“في إيه؟”

أجاب:

“عادل مش هيستسلم.”

“هو قضى عشرين سنة يدور على الملفات دي.”

“ومش هيسيبنا نخرج بيها.”

وفجأة…

رن هاتف سيف.

نظر إلى الشاشة.

ثم شحب وجهه.

“مين؟”

أجاب بصوت منخفض:

“رقم خاص.”

رد.

ووضع الهاتف على السماعة.

وفي اللحظة التالية سمعنا صوت عادل.

هادئًا.

باردًا.

كأنه يجلس معنا في الغرفة.

قال:

“أهلاً يا عمر.”

ساد الصمت.

ثم أكمل:

“كنت عارف إنك هتهرب.”

نظر عمر إلى الهاتف دون أن يتكلم.

فابتسم عادل عبر الخط.

وقال:

“بس للأسف… تأخرت.”

شعرت بانقباض في معدتي.

“تأخر في إيه؟”

لكن الإجابة جاءت بعد ثانية واحدة.

عندما دوى انفجار هائل في الخارج.

اهتزت الأرض تحت أقدامنا.

وتحطم زجاج المخزن.

وسقطت ياسمين على الأرض صارخة.

ركضنا إلى النافذة.

ونظرنا نحو الفيلا.

ثم تجمدت أنفاسنا.

لأن جزءًا كاملًا من المبنى كان ينهار وسط الدخان والنيران.

وكانت الغرفة السرية…

التي احتوت الصندوق…

قد اختفت بالكامل.

وكأن أحدًا أراد محو كل أثر للحقيقة.

لكن عمر لم يكن ينظر إلى الحريق.

بل كان ينظر إلى شيء آخر.

شيء جعل وجهه يفقد لونه فجأة.

تتبعت نظره.

ثم شعرت بالرعب.

لأن إحدى السيارات السوداء بدأت تتجه مباشرة نحو المخزن…

وعلى المقعد الخلفي كان يجلس رجل.

رجل ظن الجميع أنه مات منذ عشرين عامًا.

والد سيف وعمر.

فؤاد الحديدي.

حيًا. بالفعل.

وليس مجرد ذكرى أو تسجيل صوتي.

يتبع…

(الفصل التاسع: السر المدفون تحت الأرض

تجمد الجميع في أماكنهم.

الأضواء الحمراء الصغيرة كانت تومض في عمق النفق كعيون تراقبنا من الظلام.

أما فؤاد فبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الوراء في لحظة واحدة.

شحب وجهه.

وتوتر جسده بالكامل.

وقال بصوت خافت:

“مستحيل…”

اقترب منه عمر بسرعة.

“إيه اللي مستحيل؟”

ظل فؤاد ينظر إلى الأضواء.

ثم قال:

“افتكرت إن النظام ده اتدمر.”

كان رجال الأمن يتحركون بسرعة.

لكن التوتر ازداد عندما بدأ الصفير يعلو تدريجيًا.

أما عادل فظل واقفًا بعيدًا تحت الحراسة.

وعلى وجهه ابتسامة غريبة.

ابتسامة شخص يعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون.

اقتربت منه وأنا أشعر بالغضب.

وقلت:

“إيه اللي تحت الأرض؟”

ضحك.

ثم نظر إليّ مباشرة.

وقال:

“اسألي حماكي.”

استدرت نحو فؤاد.

كان ينظر إلى النفق كأنه ينظر إلى قبر مفتوح.

ثم تنهد ببطء.

وقال:

“من تلاتين سنة…”

“قبل ما تتأسس الشركات.”

“وقبل ما يبقى عندنا فلوس.”

“كنا مجموعة شباب عندنا حلم.”

جلس فوق صندوق معدني قديم.

وأكمل كلامه.

حتى رجال الأمن توقفوا للحظات ليستمعوا.

قال:

“كان عندنا مشروع ضخم.”

“مش مجرد شركة.”

“ولا مجرد استثمار.”

“كنا بنبني نظام كامل.”

سأله سيف:

“نظام إيه؟”

نظر إليه.

وقال:

“أرشيف.”

ساد الصمت.

لم يفهم أحد.

أما فؤاد فتابع:

“كنا بنجمع معلومات.”

“معلومات عن كل شيء.”

“شركات.”

“سياسيين.”

“رجال أعمال.”

“صفقات.”

“فساد.”

“رشاوى.”

شعرت بقشعريرة.

بدأت أفهم.

أكمل:

“الفكرة كانت للحماية.”

“لو حد حاول يظلمنا.”

“يبقى عندنا دليل.”

“لكن مع الوقت…”

“كبر الأرشيف.”

“وكبر الطمع.”

نظر نحو عادل.

وقال:

“وبدأ الناس يقت*لوا عشان يوصلوا له.”

خفض عادل رأسه للحظة.

لكن ابتسامته لم تختفِ.

قال عمر:

“يعني كل الملفات دي…”

هز فؤاد رأسه.

“نسخ.”

“مجرد نسخ.”

تجمدنا جميعًا.

“إيه؟”

قالها سيف بذهول.

أجاب فؤاد:

“الأصل موجود تحت.”

وأشار إلى عمق النفق.

في تلك اللحظة شعر الجميع بثقل الموقف.

لأن ما وجدناه داخل الصندوق لم يكن الحقيقة كلها.

بل جزءًا صغيرًا فقط.

اقترب أحد خبراء المتفجرات.

وقال بسرعة:

“إحنا محتاجين نعرف مكان الأجهزة اللي بتصدر الإشارة.”

أومأ فؤاد.

ثم أمسك مصباحًا.

وقال:

“تعالوا معايا.”

بدأنا ننزل داخل النفق.

أنا.

وسيف.

وياسمين.

وعمر.

وفؤاد.

ومجموعة صغيرة من رجال الأمن.

كان النفق طويلًا جدًا.

أطول مما توقعنا.

جدرانه خرسانية قديمة.

وعليها آثار رطوبة عمرها سنوات.

كلما توغلنا أكثر…

ازداد الصفير.

وازداد الضوء الأحمر.

بعد عدة دقائق…

وصلنا إلى باب فولاذي ضخم.

أكبر حتى من باب الغرفة السرية.

توقف فؤاد أمامه.

ولمس المعدن ببطء.

كأنه يلمس ذكرى قديمة.

قال عمر:

“آخر مرة دخلت هنا إمتى؟”

أجاب:

“من عشرين سنة.”

نظر إليه سيف.

ثم قال:

“وكنت سايب كل ده لوحده؟”

أغمض فؤاد عينيه.

وقال:

“ماكنتش قدامى خيارات.”

ثم مد يده.

وضغط عدة أرقام على لوحة إلكترونية قديمة.

صدر صوت ميكانيكي ثقيل.

وبدأ الباب يتحرك ببطء.

شعرت بأنفاسي تتسارع.

كلنا كنا ننتظر.

لا أحد يعرف ما يوجد خلف الباب.

ومع آخر حركة للباب…

انكشف ما خلفه.

كانت قاعة ضخمة.

أكبر من أي شيء تخيلته.

صفوف طويلة من الخزائن المعدنية.

وشاشات قديمة.

وأجهزة حفظ.

ومئات الصناديق المرتبة بعناية.

أما في منتصف القاعة…

فكان يوجد مكتب واحد فقط.

فوق المكتب…

وُضعت صورة قديمة داخل إطار.

اقتربت بحذر.

ثم تجمدت في مكاني.

لأن الصورة كانت تضم أربعة رجال شباب.

فؤاد.

وعادل.

ورجلين آخرين.

لكن المفاجأة الحقيقية…

أن الرجل الرابع كان أبي.

حدقت في الصورة.

غير مصدقة.

كان يبتسم.

ويقف بينهم كأنه أحد مؤسسي المشروع.

وليس مجرد محاسب كما قيل لي طوال حياتي.

همست:

“أبويا…”

أما فؤاد فاقترب ببطء.

ونظر إلى الصورة.

ثم قال:

“كان أذكى واحد فينا.”

في تلك اللحظة بالذات…

وصل صوت ارتطام قوي من خلفنا.

استدرنا جميعًا.

ثم تجمد الدم في عروقنا.

لأن باب القاعة الضخم…

بدأ يُغلق من تلقاء نفسه.

ببطء.

وبدون أن يلمسه أحد.

يتبع

الفصل العاشر: القاعة المغلقة

صدر صوت معدني هائل داخل النفق.

صوت جعل الأرض نفسها تهتز تحت أقدامنا.

استدرنا جميعًا نحو الباب.

وكان يتحرك.

ببطء.

لكنه لا يتوقف.

الباب الفولاذي الضخم الذي استغرق فتحه دقائق كاملة بدأ يغلق من تلقاء نفسه.

صرخ أحد رجال الأمن:

“ابعدوا عن المدخل!”

وركض رجلان نحوه بسرعة.

حاولا تثبيت الباب.

لكن الأمر كان مستحيلًا.

وزنه هائل.

وقوته أكبر من أي محاولة لإيقافه.

أما فؤاد…

فبدا وكأنه يعرف ما يحدث.

شحب وجهه أكثر.

وهمس:

“النظام اشتغل.”

نظر إليه عمر.

“نظام إيه؟”

قال فؤاد:

“نظام الحماية.”

ثم التفت نحونا.

وقال بسرعة:

“أبواب القاعة دي اتصممت من زمان.”

“لو حصل اختراق.”

“أو محاولة سرقة.”

“المكان كله بيتقفل تلقائي.”

شعرت بانقباض في صدري.

“وبيفتح إزاي؟”

ساد الصمت للحظة.

ثم قال:

“من غرفة التحكم.”

سأل سيف بسرعة:

“وفين غرفة التحكم؟”

نظر فؤاد إلى عمق القاعة.

ثم قال:

“في آخر الممر.”

وفي اللحظة نفسها…

أُغلق الباب بالكامل.

دوى صوت الارتطام في المكان.

وتردد صداه بين الجدران.

ثم عمّ الصمت.

صمت ثقيل.

خانق.

أخرج أحد رجال الأمن جهاز الاتصال.

وحاول التواصل مع الخارج.

لكن لا شيء.

أعاد المحاولة.

مرة.

ومرتين.

وثلاثًا.

ثم نظر إلينا.

وقال:

“الإشارة مقطوعة.”

بدأ القلق يظهر على الجميع.

حتى عمر نفسه.

لكن ما لفت انتباهي لم يكن الباب.

بل شيء آخر.

على إحدى الشاشات القديمة الموجودة في القاعة.

ظهر ضوء أخضر صغير.

ثم شاشة سوداء.

ثم سطر واحد من الكتابة.

“تم تفعيل البروتوكول الأخير.”

تجمد فؤاد.

اقتربت منه.

“يعني إيه؟”

لم يجب.

فقط ظل يحدق في الشاشة.

ثم همس:

“مستحيل.”

شعرت بالخوف يتضاعف.

لأن فؤاد كان الرجل الوحيد الذي يعرف المكان.

وإذا كان هو نفسه خائفًا…

فهذا يعني أن الأمر أخطر مما نتخيل.

قال عمر بحدة:

“اتكلم.”

رفع فؤاد رأسه ببطء.

وقال:

“البروتوكول الأخير كان مجرد فكرة.”

“ماكنش المفروض يتنفذ.”

“يعني إيه؟”

تنهد.

ثم قال:

“لو الأرشيف وقع في الأيدي الغلط…”

“كان فيه نظام احتياطي.”

“إيه هو؟”

أغلق عينيه للحظة.

ثم أجاب:

“يمسح كل حاجة.”

ساد الصمت.

نظرت إلى الخزائن.

إلى الملفات.

إلى الأدلة.

إلى الحقيقة التي طاردها الجميع عشرين سنة.

ثم سألت:

“يمسحها إزاي؟”

رد بصوت خافت:

“يحرقها.”

في اللحظة نفسها…

انطلقت صفارة إنذار داخل القاعة.

صوت حاد.

مزعج.

متواصل.

ثم بدأت الأضواء الحمراء تدور في السقف.

وظهرت رسالة جديدة على الشاشة.

“باقي 60 دقيقة على التطهير الكامل.”

شعرت بأنفاسي تتسارع.

ساعة واحدة فقط.

ساعة واحدة قبل أن تختفي كل الأدلة.

كل الأسرار.

كل الحقيقة.

قال عمر فورًا:

“فين غرفة التحكم؟”

أشار فؤاد إلى ممر جانبي طويل.

مظلم.

“هناك.”

ثم أضاف جملة أربكتنا جميعًا:

“لكن الوصول لها مش سهل.”

سأله سيف:

“ليه؟”

نظر نحو نهاية الممر.

وقال:

“لأن المكان ده ماكانش مجرد أرشيف.”

“أمال كان إيه؟”

ابتلع ريقه.

ثم أجاب:

“كان ملجأ.”

“ملجأ من مين؟”

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم قال:

“من الناس اللي كانوا مستعدين يقت-*لوا عشان الأسرار دي.”

وفي اللحظة نفسها…

وصلنا صوت غريب.

صوت خطوات.

بعيد جدًا.

في آخر الممر.

لكن المؤكد…

أنها لم تكن خطوات أي شخص من الموجودين معنا.

توقف الجميع عن الكلام.

واستمعنا.

خطوة.

ثم أخرى.

ثم ثالثة.

تقترب ببطء.

من عمق الظلام.

أما فؤاد…

فنظر نحو الممر.

وشعرت أن الدم اختفى من وجهه بالكامل.

ثم همس باسم واحد فقط:

“مستحيل…”

“هو.”الفصل الحادي عشر: الرجل الذي لا يمكن أن يكون هنا

ساد الصمت داخل القاعة.

حتى صفارة الإنذار بدت بعيدة للحظة.

الجميع كان ينظر نحو الممر المظلم.

نحو مصدر الخطوات.

خطوة…

ثم أخرى…

ثم أخرى…

بطيئة.

منتظمة.

كأن صاحبها لا يخشى أحدًا.

أمسك أحد رجال الأمن سلاحه.

ورفعه نحو الظلام.

بينما اقترب سيف من أمه.

ووقفت ياسمين بجانبي.

أما عمر…

فكان يحدق في نهاية الممر دون أن يرمش.

قلت لفؤاد:

“مين؟”

لم يجب.

لكنني رأيت الرعب في عينيه.

رعبًا لم أره حتى عندما ظهر عادل.

ولا عندما بدأ العد التنازلي.

ثم خرجت هيئة رجل من الظلام.

في البداية كان مجرد ظل.

ثم بدأت ملامحه تظهر تدريجيًا تحت الضوء الأحمر.

رجل طويل.

شعره رمادي.

يرتدي معطفًا داكنًا.

ويمشي بهدوء شديد.

وفجأة…

توقفت أنفاسي.

لأنني رأيت وجهه.

ورأيت فؤاد يتراجع خطوة إلى الخلف.

ورأيت عمر يشحب وجهه.

أما سيف فبدا غير مستوعب.

لأن الرجل كان يشبه شخصًا رأيناه قبل دقائق فقط.

يشبه أبي.

لكن أكبر سنًا.

وأقسى.

وأشد برودة.

همست دون وعي:

“مين ده؟”

توقف الرجل على بعد عدة أمتار منا.

ثم نظر إليّ مباشرة.

وقال:

“كبرتي يا ليلى.”

شعرت وكأن الأرض اختفت من تحتي.

لأنه لم يكن يتحدث كشخص غريب.

كان يتحدث كشخص يعرفني.

ويعرف اسمي.

ويعرفني منذ زمن طويل.

صرخت:

“إنت مين؟”

نظر نحوي طويلًا.

ثم قال:

“اسمي نبيل.”

تجمد فؤاد.

أما عمر فتمتم:

“مستحيل…”

التفت إليه الرجل.

وقال:

“لسه بتقول الكلمة دي من عشرين سنة يا عمر.”

شعرت بأن الموقف يزداد غرابة.

ثم قال فؤاد بصوت خافت:

“كنت فاكرك مت.”

ابتسم نبيل.

ابتسامة باردة جدًا.

وقال:

“وأنا كنت فاكر إنك أذكى من كده.”

ساد الصمت.

ثم اقترب خطوة أخرى.

وقال:

“واضح إن الأسرار بدأت تطلع كلها.”

أشرت إليه بعصبية.

“حد يفهمني!”

نظر إليّ.

ثم إلى الصورة الموجودة على المكتب.

الصورة التي ظهر فيها أبي.

وفؤاد.

وعادل.

والرجل الرابع.

وأشار إلى الرجل الرابع.

ثم قال:

“ده أخويا.”

شعرت بأن قلبي توقف.

“إيه؟”

قال بهدوء:

“والدك يا ليلى.”

ثم أشار إلى نفسه.

“وأنا عمه.”

ساد الصمت.

حتى صفارة الإنذار اختفت من وعيي.

لم أعد أسمع شيئًا.

كنت أحدق فيه فقط.

غير قادرة على استيعاب ما يقوله.

عمي؟

طوال حياتي لم يخبرني أحد أن لأبي أخًا.

ولا مرة.

ولا حتى في الصور القديمة.

ولا في أي ذكرى.

كأن الرجل لم يكن موجودًا أصلًا.

قال نبيل:

“أبوك تعمد يمحي أي أثر ليا.”

“ليه؟”

نظر إلى فؤاد.

ثم أجاب:

“عشان كنا مختلفين.”

ضحك عمر بسخرية.

وقال:

“مختلفين؟”

“دي ألطف كلمة سمعتها.”

نظر إليه نبيل.

وقال:

“قول اللي يعجبك.”

ثم عاد ينظر إليّ.

“لكن الحقيقة إن أخويا سرق حاجة تخصني.”

شعرت بالارتباك.

“إيه هي؟”

ابتسم.

وأشار إلى الخزائن الممتدة داخل القاعة.

وقال:

“كل ده.”

في تلك اللحظة…

ظهر سطر جديد على الشاشة الرئيسية.

الوقت المتبقي: 54 دقيقة

ثم ظهر سطر آخر.

تحذير: تم اكتشاف مستخدم إضافي داخل النظام.

تجمد نبيل.

لأول مرة.

ثم التفت نحو الشاشة بسرعة.

وعلى وجهه ظهرت صدمة حقيقية.

قال بصوت منخفض:

“لا…”

اقترب عمر.

“في إيه؟”

لكن نبيل لم يرد.

كان يحدق في الشاشة فقط.

وكأن شيئًا ظهر عليها لم يكن يتوقعه.

ثم همس:

“إذا كان الحساب ده اشتغل…”

وتوقف.

ثم رفع رأسه ببطء.

وقال جملة جعلت الجميع يتجمد مكانه:

“يبقى صاحب الأرشيف الحقيقي لسه عايش.”

الفصل الثاني عشر: صاحب الأرشيف الحقيقي

ساد الصمت داخل القاعة.

حتى صفارات الإنذار بدت وكأنها اختفت للحظة.

الجميع كان يحدق في نبيل.

أما أنا فشعرت أن رأسي يكاد ينفجر من كثرة الأسرار.

قلت ببطء:

“إزاي يعني لسه عايش؟”

ظل نبيل ينظر إلى الشاشة.

ثم قال:

“النظام ده ماكانش بيشتغل إلا ببصمة شخص واحد.”

أشار إلى الخزائن الممتدة في القاعة.

“الشخص اللي صمم كل حاجة.”

“والدك؟”

سألتها دون تفكير.

لكن نبيل هز رأسه.

“لا.”

نظر الجميع إلى فؤاد.

لكن فؤاد أيضًا لم يكن الجواب.

ثم قال نبيل:

“فيه شخص خامس.”

تبادلنا النظرات.

شخص خامس؟

كل القصص التي سمعناها حتى الآن كانت تتحدث عن أربعة شركاء فقط.

فؤاد.

وعادل.

وأبي.

ونبيل.

فمن هو الخامس؟

اقترب سيف.

وقال:

“إحنا عمرنا ما سمعنا عن حد خامس.”

ضحك نبيل ضحكة قصيرة.

“وده كان المقصود.”

ثم أشار إلى الصورة القديمة الموجودة فوق المكتب.

“بصوا كويس.”

حمل عمر الصورة.

وبدأنا جميعًا نتأملها.

وفي البداية لم نلاحظ شيئًا.

لكن بعد لحظات…

رأيت ما يقصده.

كان هناك فراغ صغير بين الرجال الأربعة.

كأن شخصًا كان يقف بينهم.

ثم أزيل من الصورة لاحقًا.

شعرت بقشعريرة.

قال نبيل:

“كان فيه شخص خامس فعلًا.”

“مين؟”

تنهد.

ثم قال:

“اسمه كريم.”

لم يتعرف أحد على الاسم.

لكن رد فعل فؤاد كان مختلفًا.

لأول مرة منذ بداية كل هذه الأحداث…

ارتجفت يداه.

وقال بصوت خافت:

“لا…”

نظر إليه نبيل.

“أيوه.”

“مستحيل.”

“للأسف.”

شعرت أن شيئًا كبيرًا يقترب.

قال عمر:

“مين كريم ده؟”

أجاب نبيل:

“العقل الحقيقي للمشروع.”

ثم نظر نحو الشاشات القديمة.

“كل الأنظمة.”

“كل الحماية.”

“كل الأرشيف.”

“كل التشفير.”

“كان من تصميمه.”

سألته:

“ومات؟”

ساد الصمت.

ثم أجاب:

“ده اللي كنا فاكرينه.”

في تلك اللحظة…

ظهر صوت إلكتروني داخل القاعة.

صوت لم يخرج من أي شخص.

بل من مكبرات الصوت القديمة الموجودة في السقف.

صوت رجل.

هادئ.

عميق.

وقال:

“مرحبًا.”

قفز الجميع تقريبًا من أماكنهم.

أما فؤاد فبدا كأنه رأى شبحًا.

“كريم…”

عاد الصوت.

“أخيرًا وصلتوا.”

شعرت بأن شعري يقف من الرعب.

كان الصوت طبيعيًا جدًا.

كأنه يتحدث إلينا مباشرة.

قال سيف:

“ده تسجيل؟”

لكن نبيل لم يجب.

كان يحدق في إحدى الشاشات.

ثم همس:

“مش تسجيل.”

في اللحظة نفسها…

أضاءت الشاشة الرئيسية.

وبدأت سطور طويلة من البيانات تظهر بسرعة.

ثم توقف كل شيء فجأة.

وظهرت صورة رجل.

رجل في منتصف الستينات.

شعره أبيض.

وعيناه حادتان بشكل مخيف.

وكان ينظر مباشرة إلى الكاميرا.

كأنه ينظر إلينا.

قال الرجل:

“أنا كريم.”

شعرت بأن القاعة كلها تجمدت.

أما فؤاد فجلس على أقرب مقعد.

وكأن قدميه لم تعودا تحملانه.

قال الرجل على الشاشة:

“لو أنتم شايفين الرسالة دي…”

ثم ابتسم.

“…يبقى حد فيكم ارتكب نفس الغلطة اللي ارتكبناها من تلاتين سنة.”

ظهرت علامات التوتر على وجه نبيل.

بينما اقترب عمر من الشاشة.

وقال:

“إنت عايش؟”

ولثانية واحدة فقط…

ظهر شيء غريب.

ابتسامة الرجل اختفت.

ثم قال:

“سؤال ممتاز.”

ساد الصمت.

ثم أكمل:

“لكن قبل ما تعرفوا الإجابة…”

تغيرت الشاشة فجأة.

واختفت صورته.

وحل محلها مخطط قديم جدًا.

مخطط لقطعة أرض ضخمة.

وعندما نظرت إلى الاسم المكتوب أعلى الخريطة…

شعرت بأن قلبي توقف.

لأنها لم تكن خريطة الفيلا.

ولا خريطة الأرشيف.

بل خريطة أرض أخرى تمامًا.

أرض تحمل اسمًا أعرفه جيدًا.

اسم المنزل الذي نشأت فيه أنا.

بيت أبي القديم.

وفي أسفل الخريطة ظهرت جملة واحدة فقط:

“المفتاح الأخير ما زال هناك.”

ثم انطفأت الشاشة فجأة.

وعادت صفارات الإنذار للعمل.

وفي نفس اللحظة…

ظهر تحذير جديد باللون الأحمر.

الوقت المتبقي: 49 دقيقة

تم فتح مستوى سري جديد من الأرشيف.

تحذير: غير مصرح للورثة بالوصول إليه.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *