حكايات رومانى مكرم 2
أحمد وقف مكانه زي الصنم، المحضر واقف قدامه، والناس في الممر بدأت تتفرج عليه وهو بينهار. بص لي بنظرة كلها غل وقال بتبلغي عني وأنا لسه ماطلعتش من باب المستشفى؟ ده أنا لسه مأمنك على أمي!
رديت عليه بكل هدوء أمك اللي إنت خايف تديها حتة منك؟ أمك اللي إنت استغلتني عشان أنقذها وإنت كنت ناوي ترميني؟ إنت ملكش أمان يا أحمد، واللي زيك ميتسابش لحظة واحدة يلم فيهم حاجتي.
العسكري خد أحمد وخرج، وأنا حسيت فجأة إن الهوا بقى أنقى. بس الحكاية مخلصتش هنا..
بعد يومين، وأنا لسه في فترة النقاهة في المستشفى، الباب خبط ودخل خالد.. أخو أحمد الكبير اللي كان مسافر برا مصر بقاله سنين وماعرفش باللي حصل غير من الصور والفيديوهات اللي انتشرت على جروبات العيلة.
خالد كان وشه ميتفسرش، دخل وقعد قدامي وقال أنا مش عارف أقولك إيه يا منى.. أنا جيت من المطار على هنا. اللي أحمد عمله ده وصمة عار في جبين العيلة كلها. بس أنا مش جاي أعتذر بس، أنا جاي أصلح اللي هو بوظه.
بصيت له بشك تصلح إيه يا خالد؟ الكلية اللي راحت؟ ولا السنين اللي ضاعت؟
خالد طلع شيك وحطه قدامي ده حقك الشرعي والمادي، وزيادة عليه تعويض عن اللي شفتيه. والبيت اللي أحمد كان عايز يخرجك منه، أنا
نقلت ملكيته ليكي النهاردة الصبح بصفتي الوكيل العام عن أمي، كنوع من رد الجميل إنك فكرتي تنقذيها في يوم.
وقبل ما أرد، كمل كلامه بجملة هزتني وبالنسبة لأمي.. أنا اللي هتبرع لها يا منى. أنا مش زي أحمد، وأنا اللي هصلح كسر الخاطر اللي هو سببهولك.
في اللحظة دي، دخلت الممرضة وهي بتجري يا مدام منى.. الأستاذ أحمد بره، ومعاه محامي، وبيقول إنه مش هيسيبك في حالك، ومعاه تسجيلات بتقول إنك كنتِ موافقة على الطلاق قبل العملية!
ابتسمت وبصيت لخالد، لقيته قام ووقف عند الباب وقال سيبيه يدخل يا منى.. خليه يشوف إن اللي كان فاكر إنه كسره، بقى هو السند اللي هيهد أحلامه كلها.
أحمد دخل وهو بيزعق إنتي فاكرة إنك هتغلبي؟ أنا هسجنك بتهمة البلاغ الكاذب.. وفجأة سكت لما شاف خالد.
خالد بص له بكل احتقار وقال أهلاً يا بطل.. إنت جيت في وقتك. المحامي اللي معاك ده خليه يجهز ورق تنازلك عن نصيبك في الميراث والمحلات، لأن اللي يرفض ينقذ أمه ويغدر بمراته ملوش مكان وسطنا.
أحمد بدأ يترعش، والورق اللي في إيده وقع تاني.. بس المرة دي كانت المرة الأخيرة اللي يجرؤ فيها يبص في عيني.
طلعت تليفوني، وفتحت صفحة حكايات رومانى مكرم وكتبت بوست واحد الحق مش بس بيرجع.. الحق بيعرف يوجع في الوقت المناسب.
بصيت لأحمد وقلت له اطلع بره يا أحمد.. وإنت خارج، متبصش وراك، لأن اللي جاي في حياتك ملوش علاقة بيا خالص.
أحمد خرج وهو بيجر أذيال الخيبة، بس وأنا بلف راسي عشان أرتاح، لمحت الممرضة واقفة عند الباب ومعاها ظرف تاني خالص، ووشها كان فيه علامة استفهام كبيرة..
قالت لي بصوت واطي مدام منى.. في نتيجة تحليل تانية ظهرت دلوقت بخصوص العملية الأولى.. الحقيقة إن الموضوع مكنش رفض أنسجة وبس.. في حاجة تانية الدكتور اكتشفها في الكلية اللي حضرتك اتبرعتي بيها، حاجة هتغير مسار كل اللي فات!
بصيت للممرضة بقلب بيدق بعنف، وقلت لها بصوت مخنوق حاجة إيه يا بنتي؟ انطقي، هي الكلية مالها؟
الممرضة قربت مني وهمست الدكتور اكتشف إن الكلية اللي حضرتك اتبرعتي بيها، لما فحصوها بعد ما شالوها، لقوا فيها بداية ورم صغير جداً مكنش باين في الأشعات العادية.. يعني يا مدام، حماتك وجسمها رفضوا الكلية، بس الرفض ده هو اللي أنقذ حياتك إنتي! لو كانت الكلية فضلت جواكي، الورم ده كان هينتشر في جسمك كله وإنتي متعرفيش.
وقعت الكلمات عليا زي الصاعقة.. يعني تضحيتي اللي كنت فاكرة إنها ضاعت، ربنا ردها لي حياة جديدة. ربنا ماردش يحرق قلبي مرتين؛ مرة بالغدر ومرة بالمرض.
سجدت بقلبي وأنا على السرير وبكيت من كتر الفرحة والذهول.. في اللحظة دي، دخل خالد أخو أحمد وهو مستغرب حالتي، ولما عرف الحقيقة، بص للسقف وقال سبحان الله يا منى.. وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ.. أحمد غدر بيكي عشان يخلص منك، وأمي رفضت كليتك، والاتنين كانوا بيخدموكِ وإنتي مش عارفة.
مرت الأيام، وخرجت من المستشفى وأنا حاسة إني مولودة من جديد. رحت بيتي اللي بقى ملكي قانونياً، وبدأت أرتب حياتي. أما أحمد، فكانت فضيحته على كل لسان.. خطيبته نهى سابته، وأخوه خالد اتبرع لأمهم ونجحت العملية، والأم لما فاقت وعرفت اللي ابنه عمله فيّ، تبرأت منه ومنعته يدخل عليها المستشفى.
في يوم، وأنا قاعدة بلم هدوم أحمد عشان أرميها برا البيت، جالي اتصال من رقم غريب. رديت، لقيت صوت أحمد وهو بينهج، صوته كان ضايع خالص منى.. أرجوكي اسمعيني. أنا ضعت.. المحلات خسر ت، والمحامي اللي كان معايا طلع نصاب وخد كل الفلوس اللي كانت معايا وهرب. أنا دلوقت في الشارع، والكل رماني.. حتى أمي مش عايزة تشوف وشي.
رديت عليه ببرود وعايز مني إيه يا أحمد؟ أتبرع لك بفلوسي زي ما كنت عايزني أتبرع لأمك؟
قال بصوت باكي لا.. أنا بس عايزك تسامحيني، وتكلمي
لمحة نيوز
خالد يخليني أرجع أعيش في أوضة في البيت.. أنا مليش مكان أروح فيه.
ضحكت ضحكة قوية خلت وجع جرحي يرجع تاني، وقلت له البيت ده يا أحمد، ملوش غير صاحبة واحدة، وهي منى.. وإنت بالنسبة لي بقيت مجرد ذكرى سودة ومسحتها. لو عايز مكان تنام فيه، دور على حد تاني تضحك عليه، بس استنى.. نسيت أقولك حاجة.
سكت وبدأ يسمعني بلهفة، فكملت الكلية اللي إنت كنت زعلان إنها باظت، طلعت هي اللي أنقذتني من مرض كان ممكن ينهي حياتي.. يعني غدرك بيا كان هو اللي كشف لي مرضي في وقت بدري. شكراً يا أحمد، لولا غدرك، مكنتش عرفت إني غالية عند ربنا أوي كده.
قفلت السكة في وشه، وطلبت المحامي عشان يخلص إجراءات الحبس في قضية التبديد.. مفيش رحمة مع اللي ميرحمش.
وأنا قاعدة في البلكونة بشرب قهوتي، الباب خبط.. فتحت، لقيت واحد غريب لابس بدلة رسمية ومعاه شنطة سودة كبيرة. بص لي بابتسامة وقال حضرتك المدام منى؟ أنا جاي بخصوص وصية قديمة جداً، تخص والد حضرتك الله يرحمه، ومحدش كان يعرف مكانها غير لما ظهرت النهاردة في مكتب توثيق قديم في الصعيد.
بصيت له بذهول.. وصية؟ وبابا ميت من سنين؟
الحكاية لسه بتبدأ، والمفاجآت اللي جاية، أكبر من كل اللي فات!
حكايات رومانى مكرم
فتحت الباب والدهشة ملجمة لساني، والراجل اللي قدامي كمل كلامه بهدوء والدك الله يرحمه كان شايل أمانة كبيرة، وصية مكنش مسموح تتفتح غير لما تتمي سن معين أو لما تمري بظروف قاسية تثبت إنك بقيتي قادرة تتحملي المسؤولية.. والنهاردة الشروط اكتملت.
خدت الشنطة والظرف المختوم ودخلت بيتي وأنا إيدي بتترعش. فتحت الظرف، ولقيت رسالة بخط بابا، كأنه كان حاسس باللي هيحصل لي بنتي الغالية منى، لو بتقرأي الكلام ده، يبقى الدنيا جت عليكي، والناس اللي استأمنتهم غدروا بيكي. أنا كنت عارف معدن الناس اللي حواليكي، وعشان كدة شلت لك القرشين دول وأرض في الصعيد، مكنتش عايز حد يعرف عنهم حاجة عشان مياكلوكيش وانتي ضعيفة. دلوقت، انتي صاحبة ملك، متمكنة وقوية.
مع الوصية كانت عقود ملكية لأرض ومباني، ثروة مكنتش أحلم بيها، وجت في وقت كنت فاكرة فيه إني خسرت كل حاجة.
في الوقت اللي كنت ببدأ فيه إجراءات استلام ورثي، أحمد كان وصل لآخر مرحلة من الانهيار. عرف بموضوع الوصية من المحامي بتاعه اللي لسه بيحاول يجر منه أي مصلحة، وجاني البيت زي المجنون، بيخبط على الباب بهستيريا.
فتحت له، بس المرة دي كنت واقفة ورايا خالد أخوه، اللي بقى سندي في كل خطوة. أحمد بص لي بعيون غايرة وقال بقى ده كله مخبياه عليا؟ طول السنين دي وانتي عندك الثروة دي وسايباني أكافح؟ انتي أكيد كنتي ناوية تغدري بيا!
ضحكت بقهر وقلت له أنا مكنتش أعرف عنها حاجة يا أحمد، بس ربنا شالها لي عشان عارف إنك مكنتش هتسيبني غير وانتي واخد منها كل مليم.. ربنا حمى مالي زي ما حمى جسمي من غدرك.
خالد زقه بعيد عن الباب وقال له امشي يا أحمد، بدل ما أطلب لك البوليس بنفسي. انت ملكش حق لا في الست دي ولا في مليم من اللي معاها.
أحمد صرخ وهو ماشي مش هسيبك يا منى! الأرض دي من حقي، وأنا لسه جوزك قانوناً، والورقة اللي رميتها مكنتش موثقة!
هنا بقى كانت المفاجأة اللي المحامي بتاعي جهزها له. طلعت له ورقة رسمية وقلت له لا يا أحمد، انت نسيت إنك طلقتني شفوي قدام الدكتور والممرضة، والشهود دلوقت في صفي. والورقة اللي انت رميتها، أنا وثقتها طلاق بائن للضرر.. يعني انت دلوقت غريب عني تماماً.
أحمد وقع على ركبه في نص الشارع، وأنا قفلت الباب لآخر مرة في وش الماضي.
بس وأنا برتب ورثي وبجهز للسفر للصعيد عشان أستلم الأرض، لقيت في قاع الشنطة السودة مفتاح قديم جداً، مربوط فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها السر مش بس في الأرض.. السر في اللي تحت الأرض يا منى.
جسمي قشعر.. بابا كان يقصد إيه؟ وإيه اللي ممكن يكون مستني في بيتنا القديم في الصعيد؟
المفتاح كان تقيل في إيدي، برودته خلت جسمي كله يقشعر. بابا الله يرحمه كان دايمًا راجل غامض، بس مكنتش أتخيل إن الغموض ده هيوصل لدرجة سر تحت الأرض.
قررت أسافر الصعيد فوراً. خالد صمم ييجي معايا، مش بس عشان يحميني من أحمد، لكن لأنه حاسس إن في حاجة مش طبيعية بتحصل. وصلنا لبيت العيلة القديم في أسيوط؛ بيت كبير، مهجور، ريحة التراب فيه بتحكي سنين من السكوت.
دخلنا البيت، والهدوء كان مرعب. بدأت أدور بالمفتاح في كل ركن، لحد ما وصلت لغرفة المكتب الخاصة ببابا. في نص الأوضة، وتحت سجادة قديمة ومتهالكة، لقيت باب خشب صغير سحارة مقفول بقفل صدِئ.
حطيت المفتاح، ولفيته بصعوبة.. تكة القفل وهي بتفتح كانت مسموعة في البيت كله.
نزلت السلم الضيق وأنا ماسكة كشاف، وخالد ورايا بينهج من القلق. تحت، لقيت أوضة صغيرة جداً، مفيش فيها غير صندوق حديد ضخم، وجنبه صور ليا وأنا صغيرة.
فتحت الصندوق، ولقيت مفاجأة مكنتش تخطر على بال بشر!
جوه الصندوق مكنش فيه دهب ولا فلوس.. كان فيه ملفات طبية، وتقارير قديمة جداً بتاريخ سنة 1988، السنة اللي اتولدت فيها.
فتحت أول ملف، وعيني مكنتش
مصدقة اللي بتقراه. التقرير كان بيقول إن والدتي الله يرحمها مخلفة توأم، مش بنت واحدة!
بصيت لخالد بذهول، وقلت له بصوت مرعوش أنا ليا أخت يا خالد؟ أنا طول عمري فاكرة إني وحيدة!
كملت قراية الورق، ولقيت رسالة تانية من بابا يا بنتي، الحقيقة كانت أكبر من إني أحكيها. أختك نور اتخطفت وهي في الحضانة، وعمري ما بطلت تدوير عليها. السر اللي تحت الأرض مش بس الورق ده، السر هو الشخص اللي كان بيراقبنا طول السنين دي وعارف مكانها.. الشخص اللي استنى اللحظة اللي تضعفي فيها عشان يظهر.
وفجأة، وإحنا تحت في القبو، سمعنا صوت خبط رزين على باب البيت فوق. خبطات هادية ومنتظمة، مفيش فيها أي استعجال.
خالد طلع بسرعة وأنا وراه، وفتحنا الباب..
وقفت قدامنا ست لابسة أسود في أسود، حاطة شال على راسها مداري نص وشها. رفعت راسها وبصت لي، ولحظتها الدنيا وقفت بيّ.
الست كانت نسخة طبق الأصل مني.. نفس العيون، نفس الملامح، بس وشها كان فيه ندبة قديمة واصلة لحد رقبتها.
بصت لي وقالت بصوت هادي وبارد زي التلج
أخيراً يا منى.. اتأخرتي أوي عشان تفتحي الصندوق. أنا كنت مستنية اللحظة اللي أحمد يرميكي فيها عشان أظهر وأعرفك إن اللي خد منك كليتك، هو نفسه اللي خد مني حياتي زمان.
وقبل ما أنطق بكلمة، لمحت من وراها حد جاي بيجري بمسدس في إيده.. كان أحمد! وشه كان عليه ملامح جنون مطلق، وهو بيصرخ والله ما هسيبكم تاخدوا مليم واحد! لو مش ليا، مش هتكون لحد!
أحمد رفع المسدس ووجهه ناحيتي، وفجأة أختي نور اتحركت بسرعة مذهلة ووقفت قدامي وهي بتقول جملة واحدة جمدت الدم في عروق أحمد
نزل سلاحك يا أحمد.. إنت متعرفش أنا عملت إيه في المحامي بتاعك وفي كل اللي فكروا يلمسوا شعرة من أختي!
