اعز اصدقائى اسما 2

لفصل الثاني: الحقيقة التي دفـ,ـنتها سنوات

انفـ,ـجر المكان بالكامل.

صرخات.

همسات.

كراسي تتحرك.

وهواتف ترتفع لتصوير ما يحدث.

أما ياسمين فكانت تقف وسط القاعة وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.

“التسجيل مفبرك!”

صرخت بها وهي تحاول انتزاع الهاتف من يد كريم.

لكنه ابتعد خطوة.

وقال بهدوء:

“للأسف لا.”

ثم أخرج ورقة أخرى من الملف.

“وده تقرير المعمل.”

خطف أحمد الورقة منه.

كانت عيناه تتحركان بسرعة بين السطور.

وفجأة ارتجفت يده.

قرأ الاسم.

قرأ النتيجة.

ثم أعاد قراءتها مرة ثانية.

وكأنه يرفض تصديقها.

لكن الكلمات لم تتغير.

نسبة الأبوة: 99.99%

الأب البيولوجي:

كريم السعدني.

وليس أحمد.

شعر الجميع بأن الهواء اختفى من المكان.

حتى أنا.

رغم أنني كنت أعرف جزءًا من الحقيقة.

لكن رؤية أحمد وهو يكتشفها أمام الجميع كانت صادمة.

رفع رأسه ببطء.

نظر إلى ياسمين.

وقال:

“يعني أنا سبت مراتي… ودمرت بيتي… علشان واحدة كانت بتخدعني من البداية؟”

بدأت دموع ياسمين تنزل.

لكن لم يصدقها أحد.

لأنها لم تكن دموع ندم.

كانت دموع خوف.

خوف من انهيار كل شيء.

تقدمت الحاجة نادية.

ولأول مرة منذ سنوات رأيت تلك المرأة الطيبة غاضبة.

غاضبة حقًا.

قالت:

“أنا ربيت أحمد على الصدق.”

ثم أشارت إليها.

“لكن انتي كذبتي على الكل.”

حاولت ياسمين الرد.

لكن الحاجة نادية لم تمنحها الفرصة.

“كذبتي عليه.”

“وكذبتي عليا.”

“وكذبتي حتى على الطفل اللي لسه ما اتولدش.”

بدأت السيدات يغادرن القاعة واحدة تلو الأخرى.

فالفضيحة أصبحت أكبر من أي حفلة.

لكن المفاجأة الحقيقية لم تأت بعد.

لأن كريم قال فجأة:

“في حاجة تانية لازم تتقال.”

التفت الجميع نحوه.

أما ياسمين فصرخت:

“اسكت!”

لكنه تجاهلها.

ثم نظر إليّ مباشرة.

وقال:

“سلمى… انتي لازم تعرفي الحقيقة.”

عقدت حاجبي.

“أي حقيقة؟”

تنهد ببطء.

ثم قال:

“إجهاضك ما كانش طبيعي.”

تجمدت مكاني.

شعرت وكأن أحدهم لكم صدري.

“إيه؟”

نظر أحمد إليه بصدمة.

أما ياسمين فأغلقت عينيها.

وكأنها تعرف ما سيأتي.

قال كريم:

“أنا كنت مرتبط بياسمين فترة طويلة.”

“وهي كانت بتحكيلي كل حاجة.”

“حتى الحاجات اللي المفروض تفضل سر.”

بدأ الخوف يتسلل إلى قلبي.

ثم أكمل:

“قبل إجهاضك بأسبوعين… كانت ياسمين عايزة أحمد يسيبك بأي طريقة.”

“لأنها كانت عايزة تاخده لنفسها.”

شعرت أن يدي أصبحت باردة.

باردة جدًا.

فتح كريم هاتفه مرة أخرى.

وأخرج مجموعة رسائل قديمة.

ثم مرر الشاشة أمام الجميع.

كانت الرسائل بينه وبين ياسمين.

وتاريخها يعود إلى نفس الفترة.

قرأ بصوت مرتفع:

“لو الحمل ده كمل، أحمد عمره ما هيسيبها.”

ثم الرسالة التالية:

“أنا لقيت طريقة أخلي كل حاجة تنتهي أسرع.”

ارتفع صوت الهمسات حولنا.

أما أنا فلم أعد أسمع شيئًا.

كنت أسمع دقات قلبي فقط.

قال أحمد بصوت مبحوح:

“تقصد إيه؟”

بلع كريم ريقه.

ثم قال:

“أنا معرفش إذا كانت نفذت اللي كانت بتخططله أو لا.”

“لكن بعد الرسائل دي بيومين…”

“ياسمين راحت لسلمى البيت.”

اتسعت عيناي.

تذكرت.

تذكرت ذلك اليوم.

جاءت بالفعل.

أحضرت معي عصيرًا طبيعيًا.

وقالت إنها تريد مواساتي لأن حملي كان متعبًا.

وبعدها بساعات…

بدأ النزيف.

ثم فقدت طفلي.

بدأت الأرض تدور حولي.

ووضعت يدي على أقرب كرسي حتى لا أسقط.

“لا…”

همست بها.

“لا…”

أما أحمد فكان ينظر إلى ياسمين وكأنه لا يعرفها.

قال:

“قولي إن ده كذب.”

لم ترد.

“قولي!”

صرخ هذه المرة.

لكنها ظلت صامتة.

وكان ذلك الصمت أخطر من أي اعتراف.

اقتربت الحاجة نادية مني بسرعة.

وأمسكت بيدي.

“اقعدي يا بنتي.”

لكنني لم أستطع.

كانت كل الذكريات تهاجمني دفعة واحدة.

الدم.

المستشفى.

الطفل الذي لم يولد.

الأيام التي بكيت فيها حتى الفجر.

والوحدة التي عشتها بعدما تركني أحمد.

كل ذلك عاد في لحظة واحدة.

ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.

ركع أحمد أمامي.

أمام الجميع.

وسط القاعة.

وقال بصوت مكسور:

“سامحيني.”

ساد الصمت.

حتى الأطفال الذين كانوا يركضون في الخارج توقفوا.

قال مرة أخرى:

“سامحيني يا سلمى.”

“أنا صدقت أكاذيبها.”

“وسبتك في أصعب لحظة في حياتك.”

لكنني لم أجب.

لأن بعض الجروح…

لا يكفي الاعتذار ليشفيها.

وفي تلك اللحظة تحديدًا…

دخل ضابطان من باب المنزل.

وتغير لون وجه ياسمين تمامًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *