اخواتى الصبيان 2
وصلت لبيت عمتي في أطراف المحافظة المجاورة، وأول ما شافتني بشنطتي والعلامة الزرقا اللي لسه معلمة على خدي، مألتش “إيه اللي جابك؟” ولا سألت عن السبب. فتحت لي حضنها وطبطبت على ضهري وقالت جملة واحدة دست في قلبي الدفى: “نورتي بيتك يا بنتي، والحمد لله إنك فقتي لنفسك.”
في بيت عمتي، قضيت أول يومين وأنا نايمة.. كنت بنام بالساعات وكأني بهرب من كابوس، أو كأن جسمي المهدود من الشقى والضرب كان بيسترد عافيته. تليفوني مكنش بيبطل رن؛ جوزي، حماتي، وأخواته البنات، وحتى أبويا وإخواتي الصبيان. قفلت التليفون خالص، مكنتش عايزة أسمع لوم من أهلي، ولا تهديد من جوزي. كنت محتاجة أصفّي ذهني عشان الخطوة الجاية مفيهاش مجال للغلط.
بعد يومين، فتحت التليفون وكلمت أبويا. طمنته عليا وقولتله إني عند عمتي. طبعاً، مكالمة أبويا كانت مليانة عتاب وخوف من كلام الناس: “يا بنتي ارجعي لبيتك، الست ملهاش إلا بيت جوزها، وإخواتك الصبيان مش هيبقوا فاضيين لكِ، والبيوت ليها أسرار.
رديت عليه بدموع حامية بس بصوت ناشف: “يا بابا، أنا كنت في سجن مش في بيت جوزي، واللي مد إيده عليا وباعني لأهله يذلوني، مش هرجع له لو انطبقت السما على الأرض. أنا مش حمل خدمة وإهانة تاني، وأنا مش راجعة أقعد عندكم عشان أشيل همكم، أنا هعتمد على نفسي.”
قفلت مع أبويا، وبصيت لعمتي وقولتلها: “أنا عايزة أشتغل يا عمتي، الشغل اللي كنت بعمله هناك بالذل، عايزة أعمله بكرامتي وأكل منه عيش.”
عمتي ابتسمت وقالت لي: “ونعم العقل يا بنتي. هنا في المنطقة، فيه كذا مصنع ومطعم كبير محتاجين ستات أصول يشرفوا على نظافة وتجهيز الوجبات، وفيه كمان حضانات ومدارس محتاجين حد يدير شؤون التغذية والنظافة فيها. أنتِ شاطرة ونفسك في الأكل ملوش مثيل، ونظافتك الكل بيحلف بيها.”
بالفعل، وبمساعدة عمتي، قدرت أقدم في مطبخ مركز تعليمي كبير ومدرسة خاصة في المنطقة، كانوا محتاجين مشرفة على البوفيه وتجهيز وجبات الأطفال والأعضاء. من أول أسبوع، أثبت نفسي؛ نظامي، نظافتي، وأمانتي خلوا صاحب المكان يتمسك بيا، وبقى ليا مرتب ثابت، والأهم من المرتب.. بقى ليا كيان واحترام. لأول مرة كنت بشتغل وأسمع كلمة “تسلم إيدك يا ست الكل” بتقدير، مش بشماتة وسخرية.
مر شهرين، وحياتي بدأت تستقر، وبدأت ملامح وشي ترجع لجمالها وصحتها بعد ما ارتحت نفسياً. في يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيت جوزي واقف قدام بيت عمتي.
كان باين عليه البهدلة، قميصه مش مكوي، ووشه شايل هم. أول ما شافني، ملامح الانتصار القديمة مكنتش موجودة، حل محلها ذهول وهو شايفني لابسة ونضيفة وواقفة على رجلي.
قرب مني خطوتين وقال بنبرة حاول يخليها قوية بس خانته: “بقى بقالك شهرين هربانة ومستخبية هنا؟ وأهلك قالبين الدنيا عليكِ؟ والهانم بتشتغل؟ أنتِ فاكرة نفسك إيه؟”
وقفت مكاني، حطيت شنطتي في إيدي، وبصيت له ببرود تام وقولت: “فاكرة نفسي إنسانة، والحمد لله بقيت إنسانة فعلاً بعد ما سبت زريبتكم.”
جز على سنانه وقال: “أمي تعبانة، وإخواتي البنات مش ملاحقين على شغل الشقة، والبيت يضرب يقلب من يوم ما مشيتي. البيت واقف يا هانم، وأنا جيت عشان ألمك وأرجعك، كفاية لحد كده دلع وفضايح وسط الناس.”
ضحكت بصوت عالي، ضحكة هزت ثقته في نفسه تماماً، وقولتله: “يعني أنت مش جاي عشان وحشتك؟ ولا عشان ندمان إنك مديت إيدك عليا ودبحت كرامتي؟ أنت جاي عشان الشقة متبهدلة وأمك وإخواتك الهوانم مش عارفين يخدموا نفسهم؟ جاي تدور على الشغالة اللي ببلش اللي مشيت وسابتكم؟”
زعق وقال: “لمي لسانك واركبي معايا يلا، كفاية قلة قيمة!”
في اللحظة دي، خرجت عمتي من البيت ومعاها اتنين من رجالة المنطقة اللي بيحترموها، ووقفو جنبنا. بصيت له وقولت بصوت سمعه الشارع كله:
“قسماً بالله، لو خطوت خطوة تانية ناحيتي لأكون لامة عليك الشارع كله وعملالك محضر عدم تعرض. أنت مالكش حاجة عندي. قسيمة جوازي معايا، والمحامي بتاعي رفع عليك قضية خلع والورقة اللي جمعتنا، أنا دوست عليها برجلي يوم ما حدفتني في صالة أمك.”
اتغير لونه وبص للرجالة اللي واقفين وعيونهم كلها شرر، وعرف إن ملوش مكان هنا، وإن البنت الضعيفة المكسورة اللي كان بيجرها من إيدها على السلم ماتت، والواقفة قدامه دي ست تانية خالص، ست صنعتها قسوته وقلة أصله.
تراجع لورا وهو بيهدد ويزعق: “ماشي.. هسيبك تصدي هنا، ومش هطلقك وهعلقك!”
رديت عليه ببرود وثقة: “القانون بياخد حقي، والمحاكم موجودة، وأنا مش مستعجلة.. أنا في مكان أحسن بكتير من جحيمكم.”
ركب عربيتة ومشي وهو بيجر أذيال الخيبة. بصيت وراه وحسيت بانتصار ملوش مثيل. رجعت شقة عمتي، قعدت على الكنبة وأخدت نفسي طويل.. حسيت إن الوجع اللي عشته في بيت أهلي وفي بيت عيله جوزي كان هو الضريبة اللي دفعتها عشان أعرف قيمتي.
الشغل الشقي اللي كنت بعمله زمان عشان أرضي الناس ومحدش رضي، بقيت بعمله دلوقتي بكرامتي ورفعت بيه راسي. عرفت إن “الخدمة” مش عيب، العيب هو إنك تقبل تخدم اللي مبيقدروش، وإن الست الطيبة مش معنتها إنها ست هبلة ومكسورة الجناح.. الست الطيبة لما بتتقلب وتتكسر كرامتها، بتقوم زي الإعصار، ومبتسيبش وراها غير رماد الناس اللي ظلموها.
دخلت ورا عمتي الشقة وأنا حاسة إن جبل انزاح من على صدري. قعدت على الكنبة وعمتي دخلت جابت لي كوباية ميه وسندت إيدها على كتفي وقالت لي وعيونها مليانة فخر: “جدعة يا أماني، رفعتِ راسي وعرفتيه إن بنات الأصول مابينكسروش. بس الحدوتة دي لازم تتقفل صح، وأهلك لازم يعرفوا كل حاجة.”
قلبي انقبض وقولت لها بخوف: “لا يا عمتي، أرجوكِ بلاش.. أنا مكلمتش بابا وإخواتي بكل التفاصيل عشان كنت خايفة. خايفة يلوموني، أو يقولوا لي معلش واصبري ويرجعوني ليه تاني تحت شعار ‘مفيش ست بتسيب بيت جوزها’. أنا صدقت وقفت على رجلي.”
عمتي لوت بوقها وقالت بحدة: “يرجعوكِ لمين؟ ده بعدهم! إخواتك وأبوكِ رجالة وطيبين، بس هما مكانوش شايفين الصورة كاملة، وكانوا فاكرينها خناقة عادية زي اللي بتحصل في أي بيت. لكن لما يعرفوا إنها وصلت لمد الإيد، وإنه حدفك لأمه وأخواته عشان يذلوكي ويشغلوكي سخرة؟ لأ.. إخواتك صعايدة ودمهم حامي وميرضوش بالعار ده. سيبيني أنا أتصرف.”
مسكت عمتي التليفون وطلبت أخويا الكبير. أول ما فتح الخط، بدأت تحكي له، بس المرة دي حكت له بالتفصيل الممل.. حكت له عن يوم السلم، وعن جملة “أنا متجوزك عشان كنتِ خدامة لإخواتك”، وعن القلم اللي نزل على وشي وعلم في كرامتي قبل لحمي، وعن حماتي وبناتها اللي كانوا بيشاوروا عليا بالشماتة.
وأنا قاعدة، كنت سامعة صوت أخويا من سماعة التليفون وهو بيغلي، صوته كان طالع زي الرعد: “عمل إيه يا عمتي؟! مد إيده عليها؟ وقال عليها خدامة؟! وحياة أمه وأبوه لندمه على اليوم اللي فكر يرفع عينه في بنت السيد!”
يقين أخويا وكلامه خلوا دموعي تنزل، بس المرة دي كانت دموع ارتياح.. عرفت إن ظني في إخواتي كان غلط، وإن الشقى اللي شقيته معاهم زمان مكنش رخيص عندهم، هما بس مكانوش فاهمين حجم الج*ريمة اللي حصلت في حقي.
تاني يوم العصر، الدنيا اتقلبت. اتفاجئت بـ عربية نص نقل داخلة الشارع وفيها أبويا وإخواتي التلاتة، ومعاهم أومي. نزلت جري أستقبلهم. أمي أول ما شافتني، خدتني في حضنها وقعدت تعيط وهي بتبص على وشي وكأنها بتدور على أثر القلم اللي انضربت بيه، وقالت بصوت مخنوق بالغل: “بنتي أنا يتقال عليها خدامة؟ بنتي اللي شالتني وشالت إخواتها في عينيها يتهان أصلها؟ والله ما هسيبهم!”
إخواتي التلاتة مكنوش قادرين يقعدوا. الكبير بص لأبويا وقال: “يا بابا، أنت خليك هنا مع عمتي وأماني، وإحنا رايحين مشوار صغير مش هنغيب فيه.. رايحين نرد الهدايا لأصحابها.”
أبويا هز راسه بالموافقة وعيونه مليانة غضب مكتوم وقال: “روحوا يا ولاد.. وعلموهم إزاي يحترموا بنات الناس.”
أمي وقفت وقالت بعزم ما فيها: “أنا جاية معاكم! الحيزبونة أم جوزها دي لازم تعرف إن الله حق، ومينفعش رجالة تدخل لستات.. أنا اللي هربيها هي وبناتها.”
وفعلاً، ركبوا العربية وطاروا على المحافظة التانية، على بيت العيلة اللي عشت فيه أسود أيام حياتي.
المشهد هناك كان تاريخي.. إخواتي وصلوا ولقوا جوزي نازل من على القهوة اللي جنب البيت. أول ما شافهم، افتكرهم جايين يصالحوا أو يتفاوضوا، فرفع راسه بنفخة كدابة وقال: “أهلاً يا جماعة، جايين تتكلموا؟”
ملحقش يكمل الجملة، وكان بوكس من أخويا الكبير منزله الأرض. إخواتي التلاتة نزلو فيه ضرب و”علقة موت” شفت غليلي وغليل كل يوم نمته دموعي على المخدة. اتلم الشارع كله على صراخه، وإخواتي كانوا بيزعقوا بعلو صوتهم قدام الجيران: “ده عشان تفكر تمد إيدك على أسيادك يا قليل الأصل! ده عشان تعرف إن البنت ليها ضهر ورجالة يهدوا بلد عشانها!” محدش من الجيران رضي يخلصه من إيديهم لما عرفوا إنه ضربني وأهانني، وسابوه يتلقى تمن قلة أصله وهو ينزف في الأرض وسط نظرات الاحتقار من أهل منطقته.
في نفس اللحظة، كانت أمي طالعة السلم زي الإعصار. رزعت باب شقة حماتي برجلها ودخلت. حماتي وبناتها المتجوزين اتخضوا وقاموا وقفوا. أمي مقالتش سلام عليكم، مسكت حماتي من شعرها ولقنتها درس عمرها ما هتنساه، وبناتها لما حاولوا يتدخلوا، نالتهم مناب من الضرب والتهزيق. أمي كانت بتزعق في وسط الشقة: “بنتي ست البنات، وجاية من بيت كرم وعز، واللي تشغل بنتي سخرة أقطع لها إيدها! إنتو شوية لقطاء وعايزين ست تخدمكم؟ وروني بقى شطارتكم ورجولتكم دلوقتي!”
البيت كله اتقلب، وحماتي وبناتها قعدوا يصرخوا ويستغيثوا بالجيران، بس الجيران كانوا ملخومين في جوزي اللي كان بيتضرب تحت.
بعد ساعة، رجعت العربية ولقيت إخواتي وأمي داخلين بيضحكوا ونفسهم طويل، وكأنهم راجعين من معركة نصر. أخويا الصغير قرب مني وباس دماغي وقال: “حقك رجع يا أماني، ومن هنا ورايح، راسك تفضل في السما. قضية الخلع هتخلص، وحاجتك وعفشك كله هييجي لحد عندك هنا بالجزام، وهو مش هيقدر ينطق بحرف.”
أمي قعدت جنبي وأخدتني في حضنها وقالت: “سامحينا يا بنتي لو كنا بنسيبك تشيلي الشغل زمان، إحنا كنا بنربيكِ على الأصول والجدعنة، مكنّاش نعرف إن فيه أندال هيفتكروا الأصول دي ضعف. إنتِ ست الهوانم في بيتنا وفي أي مكان تروحيه.”
في اللحظة دي، حسيت إن روحي ردت فيا من تاني. الوجع والخوف اتبخروا، وعرفت إن الأيام اللي جاية هتبقى بتاعتي وبس.. بكرامتي، وبضهري اللي اتشد بإخواتي وأهلي، وبشغلي اللي هيخليني ملكة نفسي ومحتاجة لحد.