رجعت من السفر حكايات رومانى مكرم 2
بعد ليلتين في الحجز، النيابة قررت إخلاء سبيل أمي بكفالة مالية نظراً لسنها، مع استمرار حبس إخواتي البنات “منى وعبير” أربعة أيام على ذمة التحقيقات.
الخبر لما نزل في المنطقة كان زي الصاعقة. بيت “الحاج متولي” اللي طول عمره سيرته زي الذهب، بقى لسان كل حد في المنطقة بياكل فيه. ناس تلومني وتقول: *”يا عاصم مهما كان دي أمك وإخواتك، تبيتهم في القسم عشان واحدة غريبة؟”* وناس تانية ترد: *”عاصم راجل وجدع، الأمانة اتخانت ومراته كانت هتموت باللي في بطنها، والجدع ميرضاش بالظلم”*.
أنا مكنتش بسمع لحد، كان عقلي شغال زي الساعة، برتب للخطوة الجاية والبرد اللي في قلبي بيزيد.
أول حاجة عملتها، أخدت حنان من المستشفى بعد ما حالتها استقرت، ووديتها شقة إيجار جديد في حي بعيد تماماً عن بيت العيلة.. شقة نضيفة، شمسها حلوة، وفرشتها بفرش جديد يليق بيها. قولت لها: *”يا حنان، أنتِ هنا ملكة، ومحدش من أهلي هيعرف المكان ده لحد ما تولدي بالسلامة”*. دموعها نزلت وقالتلي: *”أنا مش عاوزة مشاكل يا عاصم، أنا خايفة عليك من اللي بتعمله”*. بوست إيدها وقولت لها: *”نامي وأنتِ مطمنة، عاصم مبيظلمش، بس مبيسيبش حقه”*.
نزلت من عندها وطلعت على بيت العيلة.
أمي كانت قاعدة في الصالة، وشها دبلان، وعينها مكسورة، وحواليها كام راجل من كبار العيلة والجيران عشان يطيبوا خاطري ويخلوني أتنازل عن القضية قبل ما إخواتي يتحولوا للمحاكمة.
أول ما دخلت، أمي وقفت وجريت عليا، كانت عاوزة تاخدني في حضنها وهي بتعيط: *”يا عاصم يا بني.. سامحني، الشيطان شاطر، كنا عاوزين نستر أختك الصغيرة، والست حنان مكنتش بتشتكي، مكناش نعرف إنها تعبانة كدة”*.
قعدت على الكرسي وحطيت رجل على رجل، وبصيت لكبار العيلة اللي قاعدين، وقولت بصوت حاد ومسموع:
*”أنا مش هتنازل عن المحضر.. إلا بشروط، والشروط دي تتكتب في عقد رسمي ويتوثق، وإلا إخواتي البنات هيلبسوا قضية جنائية وسجن مش هيدوقوا بسببه الجواز تاني”*.
كبير القعدة، “الحاج عبد العليم”، عدل جلبابه وقال: *”قول شروطك يا عاصم، وإحنا شهود عليك وعلى أمك”*.
طلعت ورقة وقلم من جيبي وحطيتهم على التربيزة:
**أولاً:** شقتي اللي فوق تتردلي بمفتاحها، والفرش اللي باظ أو اتهلك يرجع جديد زي ما كان، أو يدفعوا تمنه كاش فوراً.
**ثانياً:** عقد بيت العيلة كله يتعدل، ونصيب أمي في البيت يتكتب باسمي أنا وحنان كتعويض عن اللي شافته، وعشان أضمن إن مفيش مخلوق في البيت ده يرفع عينه في وشها تاني.
**ثالثاً:** إخواتي البنات بعد ما يطلعوا، ملمحش ضل واحدة فيهم في الشارع اللي ساكنة فيه مراتي، ولا يتصلوا بيها ولا يضايقوها بكلمة.
أمي لطمت على صدرها وصوتت: *”عاوز تاخد نصيبي في البيت يا عاصم؟ بتبيع أمك عشان حتة عيلة؟”*
وقفت وربطت جاكت البدلة وقولت ببرود: *”أنا مبعتش، أنتِ اللي بيعتي ابنك اللي شقيان في الغربة وسيبتي مراته وابنه في السقعة وسط الزبالة. قدامكم لحد بكرة الصبح، يا الورق ده يمضي عليه الكل ونروح الشهر العقاري، يا إخواتي البنات هيروحوا المحكمة بكرة بالكلابشات”*.
سيبتهم وخرجت والبيت كله قاد نار وراهيا.
تاني يوم الصبح، المحامي بتاعي “حازم” كلمني وقالي إنهم وافقوا على كل الشروط تحت ضغط الخوف من الفضيحة والسجن. روحت الشهر العقاري، وأمي مضت وهي بتبكي دموع الندم، وإخواتي البنات طلعوا بكفالة بعد ما قدمنا التنازل الرسمي بناءً على الصلح الموثق.
لما رجعوا البيت، دخلت وراهم وشيلت المفاتيح كلها في جيبي، وبصيت لإخواتي اللي كانوا باصين للأرض من الخزي والعار، وقولت لهم: *”البيت ده بقى بتاعي، وأنا اللي هقول مين يقعد ومين يمشي.. والقرش اللي كنت ببعته كل شهر، انسوه، من هنا ورايح مفيش مليم هيطلع من جيبي ليكي يا أمي، خدي مصاريفك من إيجار المحلات التانية، وشقايا لمراتي وابني بس”*.
أمي بصتلي بعين مليانة حسرة وقالت: *”قسيت قلبك علينا أوي يا عاصم”*.
رديت عليها وأنا واقف على باب الشارع: *”أنا قلبي كان أبيض زي القشطة، بس أنتوا اللي حطيتوا فيه السواد لما خونتوا الأمانة.. دوركم انتهى، ودلوقتي جه وقت حنان”*.
طلعت شقتي القديمة، فتحت الباب، وبدأت أرمي كل حاجة لمسها المستأجر الغريب، كنت بنضف المكان من الغدر والخيانة، وبستعد لليوم اللي هرجع فيه حنان هنا.. بس مش كأي حد، هترجع وراسها مرفوعة فوق الكل.
الحكاية لسه فيها كلام، والنفوس اللي شايلة السواد مش هتهدى بسهولة..
مرت الأيام والأسابيع، والهدوء اللي ساد البيت كان هدوء مغشوش، زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة. حنان بدأت صحتها ترد، والوجع اللي في جسمها دبل، بس الوجع اللي في قلبها كان لسه معلم. نقلتها للشقة الكبيرة بعد ما غيرت كل قشة فيها، ورجعتها ملكة متوجة زي ما وعدتها.
كنت ماشي في الشارع وراسي في السماء، والكل بيعملي ألف حساب. أمي وإخواتي البنات بقوا زي الضيوف في بيت العيلة، بيمشوا جمب الحيط، وصوتهم مبيعلاش. “منى وعبير” مكنوش بيحطوا عينهم في عيني، بس نظرات الغل والحقد اللي كانت بتطلع من ورا الشبابيك مكنتش بتاكل معايا، كنت عارف إن الحية لما بتتزنق في جحرها، بتغير جلدها بس بتفضل شايلة السم.
لحد ما جه اليوم اللي حنان تعبت فيه.. وجع الولادة فاجأها في نص الليل.
شيلتها وجريت بيها على المستشفى، وقلبي كان بينبض بعنف، مش خوف، بس لهفة على حتة مني ومن البنت اللي اتظلمت بسببي. قعدت قدام غرفة العمليات أربع ساعات كاملين، بلف حوالين نفسي زي المجدوب، لحد ما سمعت صوت صرخة هزت أركان المستشفى.. صرخة ابني.
الدكتورة طلعت والابتسامة على وشها: “مبروك يا أستاذ عاصم.. جالك ولد زي القمر، والمدام بخير وصحتها زي الفل.”
دخلت لحنان، كانت عرقانة وتعبانة، بس أول ما شافتني وعينها جت في عيني، ابتسمت ودموعها نزلت. بوست رأسها وقولت لها: “سميته ‘يحيى’ يا حنان.. عشان يحيى الحق اللي كان هيموت في البيت ده.”
الخبر وصل بيت العيلة، وطبعاً العادات والتقوليد حكمت. أمي مكنتش قادرة تقعد في البيت والناس بتبارك، فجت المستشفى ومعاها إخواتي البنات. دخلوا الأوضة خطوة لورا وخطوة لقدام، وعينهم في الأرض.
أمي قربت من السرير وقالت بنبرة حاولت تخليها حنينة: “حمد الله على سلامتك يا بنت الأصول.. يتربى في عزكم، والمسامح كريم يا عاصم يا بني، ده لحمك ودمك.”
بصيت لأمي وقولت بجمود: “الله يسلمك يا أمي.. المحاضر اتقفلت والبيت اتمضى، بس النفوس لسه مصفيتش، والمسامح كريم دي عند ربنا، إنما عندي أنا، الحساب بميزان حساس.”
عبير أختي دبت رجليها في الأرض وقالت بصوت مكتوم: “جرى إيه يا عاصم؟ ما خلاص بقا! أخدت الشقة ونصيب أمك في البيت وحبستنا، لسه قلبك أسود؟”
وقفت ووقفت قصادها وبصيت في عينها لحد ما خافت ورجعت لورا: “صوتك ميعلاش هنا.. وإلا والـله العظيم أرجع أفتح القديم والجديد. أحمدوا ربنا إنكم ماشيين في الشارع بروسكم.”
خرجوا من الأوضة والغل بياكل فيهم أكتر من الأول، وعرفت إن طالما يحيى جه الدنيا، اللعبة الكبيرة هتبدأ، لأن وجود الولد ده معناه إن كل شبر في بيت العيلة بقى ليه ولأمه، وده اللي إخواتي مكنوش هيتحملوه.
بعد أسبوع، رجعت بحنان و”يحيى” على الشقة. عملت سبوع هز المنطقة كلها، دبحنا الذبايح وأكلنا الطوب الأرض، عشان الكل يعرف إن مراتي وابني فوق الكل. وفي وسط الزحمة والدوشة، حنان شاورتلي ودخلتني الأوضة وجواها خوف واضح: “عاصم.. أنا شوفت منى وعبير واقفين عند باب السلم الفجر، وكانوا بيوشوشوا واحدة ست غريبة شكلها مش مريح، ولما شافتني، الست دي رشت مية ولفت مشيت بسرعة.”
الدم حامي، والعصبية اللي كنت مهدّيها ثارت في ثانية. حسيت إن الأفاعي بدأت تمد راسها تاني من تحت الأرض، وإن اللعب دخل في حتة تانية خالص.. حتة السحر والأذى وقلب العيشة.
طلعت من الأوضة وعيني بتطلع شرار، ونزلت السلم تلات خطوات في خطوة، ورزعت باب أمي تاني.. بس المرة دي، الحساب مش هيبقى محاكم وبوليس، المرة دي الحساب هيبقى بـ إيدي أنا وبطريقتي.
الحكاية مخلصتش، والشر لما بيبتن في القلوب مبيطلعش بسهولة.. والجزء الجاي هو مواجهة الوش وش، ومن غير رحمة.
