بعد ثلاثة أشهر اسما السيد 4
دخلت مقر الشركة في الصباح الباكر، وكان الجو مشحونًا بنظرات غريبة من زملائي في العمل. همسات تلاحقني حتى وصلت إلى مكتبي، لأجد مدير الحسابات واقفًا بانتظاري وعلامات القلق والأسف تكسو وجهه.
وضع أمامي ورقة رسمية مختومة بختم قضائي، وقال بصوت خفيض:
— ياسمين… أنا آسف جدًا، بس وصل للشركة الصبح إعلان رسمي بالحجز التنفيذي على مرتبك، ودعوى قضائية مرفوعة ضدك وضد الشركة بتهمة التزوير واستغلال أموال بطرق غير مشروعة.
وقعت الكلمات عليّ كالصاعقة. نظرت إلى الورقة… لم تكن الدعوى مرفوعة من أدهم، بل كانت باسم “الحاج إسماعيل الشامي”… والد أدهم. كبير عائلة الشامي، ورجل الأعمال المعروف بنفوذه وسطوته في السوق. يبدو أن أدهم عندما عاد ليلتها مكسورًا وفاقدًا لصوابه، اعترف لعائلته بكل شيء، أو أن زوجته رانيا فضحت الأمر أمامهم قبل رحيلها. وبدلاً من أن تحاسب العائلة ابنها على دناءته، قرروا حماية اسمهم ونفوذهم عبر سحقي وتدمير مصدري الرزق الوحيد الذي يحميني أنا وابني.
لم تكد تمر ساعة واحدة، حتى رن هاتف المكتب الداخلي. طلبني رئيس مجلس الإدارة شخصيًا. صعدت إليه بخطوات مرتجفة لكن برأس مرفوع. قال لي برصانة رجال الأعمال الذين لا يحبون المشاكل:
— ياسمين، أنتِ موظفة ممتازة ومخلصة بقالك سنين… لكن عائلة الشامي عائلة لها ثقلها، والخطاب اللي وصل للشركة فيه اتهامات بتمس الأمانة المالية، وإحنا كشركة شحن م ينفعش نسيب مكان لشبهة زي دي لحد ما القضاء يقول كلمته. أنا مضطر أوقفِك عن العمل لحين انتهاء التحقيقات.
خرجت من الشركة وأنا أشعر أن الأرض تميد بي مجددًا. أخذوا مني سلاحي الوحيد… عملي، وقوتي التي كنت أطعم بها آدم. جلست على رصيف الشارع البعيد عن الشركة، ودموع القهر التي حبستها لسنوات بدأت تنهمر بغزارة. أهكذا تنتهي محاولتي للاستقلال؟ هل يملك أصحاب النفوذ حق شراء الحقائق وسحق الضعفاء بكل هذه البساطة؟
عدت إلى البيت وأنا أجر أذيال الخيبة. لكنني تذكرت نظرة آدم في الصباح وهو يودعني بابتسامته الواسعة. مسحت دموعي بعنف. “لا… لن أنكسر، ليس الآن بعد أن وصلنا إلى هنا.”
أمسكت بهاتفي واتصلت بالرقم الوحيد الذي تمنيت ألا أحتاجه أبدًا… رقم “رانيا”، زوجة أدهم السابقة.
— رانيا… عائلة أدهم رفعت عليا قضايا كيد في شغلي ووقفوني عن العمل. عايزين يدمروني عشان يخلوني أركع وأسلمهم آدم.
صمتت رانيا للحظة، ثم جاءني صوتها حادًا ومليئًا بالغضب:
— الحاج إسماعيل… ده عقليته قديمة وفاكر إن كل حاجة بتتحل بالفلوس والضغط. متخافيش يا ياسمين. أنا قولت لك إني مش هسيب حقي ولا حق بنتي، والظاهر إن وقت المواجهة الشاملة جه. أنا معايا ملفات تودي أدهم وأبوه في داهية… ملفات تهرب ضريبي وتلاعب في عقود تابعة لشركاتهم، كنت شايلاها لليوم ده.
اتفقنا على خطة للمواجهة. وفي مساء اليوم نفسه، توجهت أنا ورانيا برفقة محامٍ تولى قضيتي متطوعًا بعد أن عرف القصة، إلى الفيلا الكبيرة لعائلة الشامي.
دلفنا إلى الصالون الواسع، حيث كان يجلس الحاج إسماعيل بهيبته وعصاه الأبنوسية، وبجانبه أدهم الذي كان يبدو كالأشباح، مطأطأ الرأس، مكسور العينين.
نظر إلينا الحاج إسماعيل بترفع وقال بنبرة حاسمة:
— شرفتوا… أظن قضايا الصبح قصرت معاكي المسافة يا ياسمين. إحنا عائلة الشامي، ولحمنا م يترماش في الشقق المفروشة، والولد ده لازم يرجع يحمل اسمنا ويعيش وسطنا، وإلا هخليكي تلفي حوالين نفسك وم تلاقيش لقمة عيش ليكي ولا ليه في البلد دي كلها.
خطت رانيا للأمام، ورمت على الطاولة الزجاجية الفاخرة ملفًا أسود اللون، وقالت بثقة زلزلت هدوء الشيخ الكبير:
— والملف ده يا عمي… فيه مستندات التهرب الضريبي لشركتكم من سنة ٢٠٢٠ لحد النهاردة، وفيه تفاصيل المناقصة المغشوشة اللي أدهم مضى عليها الشهر اللي فات. لو القضايا الكيد اللي اترفت على ياسمين م اتسحبتش بكره الصبح بالاعتذار، الملف ده هيكون على مكتب النائب العام… ومعاه تسجيلات بصوت ابنك أدهم وهو بيعترف إنه رمى ابنه ست سنين وشكك في شرف أمه. شوف بقا اسم عائلة الشامي في البورصة وفي السوق هيبقى عامل إزاي بكره الضبط!
شحب وجه الحاج إسماعيل، واهتزت العصا في يده. نظر إلى أدهم بصدمة وغضب عارم، وصاح فيه:
— الكلام ده حقيقي ولك؟ أنت هدتت عيلتك عشان طيشك وقذارتك؟
لم ينطق أدهم بحرف، بل دفن وجهه بين يديه.
التفتُّ أنا نحو الحاج إسماعيل، ونظرت في عينيه بقوة قائلة:
— أنا مش عايزة منكم قصر، ولا عايزة منكم مليم. آدم ابني وهييفضل ابني. بكره الصبح القضايا تتنازلوا عنها، وتعملوا تعهد بعدم التعرض ليا أو لابني مدى الحياة… وإلا والتشهير والفضايح والسجون هتكون نهايتكم. إحنا خلاص م بقاش عندنا حاجة نخاف عليها… الدور والباقي عليكم أنتوا.
وقف المحامي الخاص بنا وأشار إلى الملف:
— قدامكم لحد الساعة ١٠ الصبح بكره يا حاج إسماعيل… يا إما السلام، يا إما الهدم الكامل.
خرجنا من الفيلا، ونسمات الليل الباردة تداعب وجهي. شعرت لأول مرة منذ ست سنوات أنني أتنفس بحرية كاملة، وأن القيد الذي كان يربط عنقي قد انكسر تمامًا تحت أقدام قوتنا.
لكن المتبقي كان الخطوة الأخيرة… المواجهة النهائية التي ستغلق هذا الكتاب إلى الأبد…
## الجزء الثامن والأخير
في تمام الساعة التاسعة والنصف من صباح اليوم التالي، كنت أجلس في مكتب رئيس مجلس إدارة شركتي. دخل السكرتير وهو يحمل إشعارًا رسميًا بالتنازل الكامل عن كافة القضايا والدعاوى الكيدية المرفوعة ضدي، ومعه خطاب اعتذار رسمي من الإدارة القانونية لعائلة الشامي يقر بوجود “خطأ غير مقصود في تشابه الأسماء”.
نظر إليّ رئيس مجلس الإدارة بأسف شديد وقدم لي اعتذاره، طالبًا مني العودة إلى مكتبي ومباشرة عملي فورًا مع صرف مكافأة تعويضية. نظرت إلى ورقة التنازل، ثم التفتُّ إليه وابتسمت ابتسامة هادئة وقدمت له ورقة أخرى كنت قد أعددتها مسبقًا:
— شكرًا لحضرتك يا فندم… لكن دي استقالتي. المكان اللي مبيحميش موظفينه عند أول أزمة، م يلزمنيش أفضل فيه. أنا لقيت فرصة أفضل في شركة تانية، بتقدّر الإنسان قبل أي نفوذ.
خرجت من الشركة ورأسي يلامس السحاب. لم أعد تلك المرأة التي تُطرد وتُستبعد، بل أصبحت أنا من يختار، وأنا من يضع الشروط.
اتصلت برانيا لأشكرها، فأخبرتني أن الحاج إسماعيل أجبر أدهم على توقيع تعهد رسمي بعدم التعرض لي أو لآدم، وأن إجراءات طلاقها من أدهم تسير في مجراها النهائي بعد أن اشترطت تنازل أدهم عن نصيبه في الشركات لصالح ابنتهما ليلى كقيمة للسكوت عن فضائحه. أدهم خسر كل شيء في لمحة عين؛ خسر زوجته، وابنته، ونفوذه في عائلته، وتحول إلى مجرد هامش مكسور يعيش على أطلال أنانيته.
مرت ستة أشهر أخرى.
انتقلنا أنا وآدم إلى شقة جديدة في حي هادئ وجميل، شقة أوسع تدور فيها الشمس وتملؤها البهجة. بدأت عملي الجديد براتب أفضل، وأصبح لآدم غرفته الخاصة التي زينّا جدرانها برسوماته الملونة ونجماته الحمراء التي يحضرها كل يوم من مدرسته.
في يوم الجمعة، كان الطقس ربيعيًا دافئًا. أخذت آدم إلى حديقة عامة ليلعب بطائرته الورقية. كنت أجلس على مقعد خشبي أراقبه وهو يركض بحماس، وشعره الأسود يتطاير مع الهواء، وضحكاته البريئة ترن في أرجاء المكان وتغسل عن قلبي بقايا كل جرح قديم.
وفجأة، لمحت شخصًا يقف بعيدًا، خلف أحد الأشجار الكبيرة.
دقت نبضات قلبي للحظة، لكنها لم تكن دقات خوف، بل كانت دقات انتصار وترفع. كان أدهم.
بدا نحيلًا، وجهه شاحبًا، يرتدي ملابس عادية جدًا خالية من ذلك البهرج القديم. كان يقف في صمت، والدموع تنحدر على وجنتيه وهو ينظر إلى آدم… ينظر إلى لحمه ودمه الذي حرم نفسه منه بكبره، والآن يحرمه القانون وتملكه الأناني من أن يخطو خطوة واحدة نحوه. كان ينظر إلى الجنة التي أضاعها بيده، ويحترق بنار الندم التي سترافقه حتى آخر يوم في عمره.
التفتُّ عنه ببرود، ولم أعره أي اهتمام. لم يعد له وجود في عالمنا.
في تلك اللحظة، تعثر آدم على العشب وسقط، لكنه لم يبكِ. وقف سريعًا، ونفض التراب عن شورته الكحلي الصغير، ثم التفت نحوي وهو يلوح بيده ويصرخ بفرح:
— ماما! شوفتي أنا قوي إزاي؟ مش عيطت!
وقفت من مقعدي، ومشيت نحوه بخطوات واثقة، وعينا أدهم تلاحق جلبابنا العطر. انحنيت لآدم، واحتضنته بقوة إلى صدري، وهمست في أذنه:
— أنت أقوى ولد في الدنيا يا آدم… وإحنا سوا هنفضل دايما أقوياء.
أمسكت بيده الصغيرة المشدودة في يدي، ومشينا معًا نحو بوابة الحديقة، تاركين خلفنا رجلاً مات بالنسبة لنا منذ ست سنوات، ومستقبلًا مشرقًا ينتظرنا، صنعناه من حطام الماضي… بكرامة لم تنحنِ، وأمومة هزمت العالم.
