حكايات زهرة الربيع 3

المكالمة كانت من “الأستاذ مراد”، صاحب مكتب المحاماة اللي بشتغل فيه. صوته كان فيه نبرة غريبة، ممزوجة بذهول وقلق:

**”أمنية.. أنا لسه واصلي ملف قضية تعويضات دولية بخصوص أرض كبيرة في التجمع، المفاجأة مش في القضية، المفاجأة إن والدك، الحاج عبد السميع، مش هو الطرف اللي بنحقق معاه.. والدك هو (الوكيل الرسمي) لجهة تانية خالص، والجهة دي هي اللي شايلة اسم أمك، الست هدى!”**

قفل مراد السكة وأنا وقفت مكاني مش فاهمة حاجة. بصيت لأمي وهي واقفة في نص الصالة، بتبص للحيطة اللي قررت تهدها. سألتها وصوتي بيترعش:

“ماما.. هو إنتي تملكي أراضي في التجمع؟ وأبويا كان بيخلص ليكي ورقها؟”

أمي لفت ليا، وبكل برود الدنيا، قعدت على الكرسي وحطت رجل على رجل، وقالتلي جملة وقعت عليا زي الصاعقة:

**”أبوكي يا أمنية كان فاكر إنه بياخد من ورث خالي عشان يصرف على إسعاد وبناتها.. بس اللي ميعرفوش، إن خالي قبل ما يم*وت، كتب لي توكيل عام بكل أملاكه، وأنا كنت بخلّي عبد السميع يوقع على أوراق بصفته مدير في الهيئة، وهو فاكر إنه بيثبت ملكية الأرض (لغيره) عشان ياخد عمولة.. ميعرفش إنه كان بيثبتها (ليّا) أنا.”**

ضحكت أمي ضحكة خفيفة وقالت:

**”كان بيسرقني عشان يعمر بيت جارتنا، وأنا كنت بخليه يثبت ملكيتي لثروة تخليني أشتري الحارة دي باللي فيها. هو كان (المهندس) اللي بيبني قصري وهو فاكر إنه بيبني قبري.”**

في اللحظة دي، الباب خبط بجنون. فتحت لقيت هالة، بنته من إسعاد، واقفة ودموعها مغرقة وشها، ومنهارة تماماً:

“أمنية.. الحقونا، بابا جاله جلطة ووقع في الشارع، وإسعاد سابته وهربت لما عرفت إن الشرطة رايحة تقبض عليه في بلاغ النيابة الإدارية اللي إنتي قدمتيه!”

أمي متهزتش من مكانها، ولا حتى رمشت. بصت لهالة وقالت لها بقسوة:

**”إسعاد هربت؟ طبعاً تهرب.. هي كانت متجوزة (المدير العام) مش (الموظف المحبوس). خدي أبوكي يا هالة وارميه في أي مستشفى حكومي، الفلوس اللي كان بيصرفها عليكم، النهاردة اتحولت كلها لصناديق الأيتام بقرار تمكين رسمي.”**

هالة صرخت: “حرام عليكي يا طنط هدى، ده كان جوزك!”

أمي قامت ووقفت قدامها، وبصت في عينها وقالتلها:

**”الحرام هو الـ 25 سنة اللي فاتوا يا بنتي. الحرام هو اللقمة اللي كنتوا بتاكلوها وإنتوا عارفين إنها حق أمنية. اطلعي بره، وقولي لأبوكي إن الست اللي كان فاكرها (دقة قديمة) هي اللي قفلت عليه الدفاتر كلها.”**

لما هالة مشيت، أمي بصت لي وقالت:

**”جهزي نفسك يا أمنية.. بكره عندنا ميعاد في مكتب المحاماة، عشان نستلم عقود الأرض. الثمن اللي دفعته من عمري وصبري، النهاردة رجع لي أضعاف.. بس اللعبة لسه مخلصتش، لأن إسعاد مكنتش لوحدها، وفي حد تاني كان بيحركها هي وعبد السميع عشان يوصلوا لورث خالي!”**

طلعت أمي ورقة قديمة من وسط هدومها، كان فيها اسم شخص صدمته مكنتش أقل من صدمة جواز أبويا.. الشخص ده كان (خالي التاني) اللي كنا فاكرينه مات من سنين!

**يتبع…**تابعو صفحه رومانى مكرم

 

الورقة اللي في إيد أمي كانت صفراء ومهترئة، وعليها ختم تاريخ قديم وتوقيع ميتنسيش: “خالي رشاد”. خالي اللي قالوا لنا إنه غرق في مركب هجرة غير شرعية من 15 سنة، ومات من غير ما يسيب أثر.

بصيت لأمي بذهول وقلت لها: “ماما، خالي رشاد عايش؟ وإيه علاقته باللي بيحصل ده؟”

أمي اتنهدت تنهيدة طويلة، وطلعت نظارتها ولبستها بوقار، وقالت بصوت هادي كأنه جاي من سرداب:

**”رشاد عمره ما مات يا أمنية.. رشاد هو اللي كان بيمول إسعاد، وهو اللي كان بيسرب لأبوكي أخبار صفقات الأراضي عشان يوقعه في الفخ. أخويا كان عاوز ينتقم مني عشان خالي الكبير كتب لي كل حاجة وحرمه، فقرر يحرق قلبي ببيتي وجوزي.”**

قبل ما أستوعب الصدمة، تليفون البيت رن. أمي رفعت السماعة وفتحت “الاسبيكر”.

صوت رجالي خشن وبارد جه من الناحية التانية:

“مبروك يا هدى.. كسبتي الجولة الأولى وطلعتي عبد السميع من اللعبة، بس الأرض اللي في التجمع دي مش هتحطي إيدك عليها طول ما أنا فوق وش الدنيا.”

أمي ردت ببرود أعصاب يدرس:

**”أهلاً يا رشاد.. كنت عارفة إنك مستني اللحظة دي. بس إنت نسيت حاجة مهمة، الأرض دي مش مجرد تراب، الأرض دي فيها (المخازن) اللي إنت خبيت فيها بضاعتك قبل ما تهرب.. وأنا دلوقتي مش بس مالكة الأرض، أنا مالكة اللي فوقها واللي تحتها.”**

الخط قطع، وأمي بصت لي بابتسامة فيها لمعة تحدي وقالت:

**”أبوكي كان مجرد أداة في إيد رشاد عشان يراقبني ويراقب الأرض، وإسعاد كانت الجاسوسة اللي مزروعة في الوش. بس هما نسيوا إن مدرسة اللغة العربية بتعرف تقرأ اللي بين السطور كويس.”**

في اللحظة دي، جالي إشعار على الموبايل من “جروب الحارة”. فيديو متصور لأبويا وهو بيتحمل في عربية الإسعاف، وبناته بيصرخوا، والناس بتصورهم بالموبايلات. المنظر كان يقطع القلب، بس لما بصيت لأمي، لقيتها بتفتح “نوتة” صغيرة وبتشطب على اسم “عبد السميع” بخط عريض.

قالت لي وهي بتقوم تلبس طرحتها:

**”يلا يا أمنية، ورانا مشوار للمشرحة.”**

قلت لها بفزع: “مشرحة إيه يا ماما؟ بابا لسه عايش!”

ردت وهي بتبص في المراية وتعدل طرحتها:

**”مش لأبوكي.. إحنا رايحين نطلع شهادة وفاة (رسمية) تانية لرشاد، بس المرة دي بالورق اللي يخليه ميت قانوناً للأبد، عشان أقدر أبيع الأرض وأخلص من الكابوس ده.”**

إحنا ونازلين على السلم، لقيت هبة، البنت الصغيرة لأبويا، قاعدة على السلم بتعيط. أول ما شافت أمي، مسكت في رجليها وقالت لها:

“يا طنط هدى، ماما هربت وأخدت الذهب كله وسابتنا، وبابا في الغيبوبة.. إحنا ملناش حد، والله ما كنا نعرف حاجة عن اللي حصل زمان!”

أمي وقفت، والكل افتكر إن قلبها هيحن. وطت وطبطبت على كتف هبة، وقربت من ودنها وهمست بكلمات خلت البنت تتسمر في مكانها وتبرق عينيها برعب.

أمي قامت وكملت طريقها لتحت، ولما سألتها: “قلتي لها إيه يا ماما؟”

ردت وهي بتركب العربية:

**”قلت لها إن (الأصول) اللي كنت بعملها معاهم السنين اللي فاتت، مكنتش صدقة.. كانت (دية) لم*وت أبوهم اللي هيحصل قريب، عشان ذمتي تبقى خالصة قدام ربنا.”**

وصلنا مكتب المحاماة، وهناك كانت المفاجأة الأكبر.. الأستاذ مراد كان مستنينا، ومعاه شخص لابس بدلة رسمية، وأول ما أمي شافته، لونها خطف.

الراجل قام ووقف وقال:

“سيادة المحامية أمنية، الست هدى.. أنا من جهاز الرقابة، وحابب أبلغكم إن البلاغ اللي اتقدم بخصوص عبد السميع، فتح ملفات تانية خالص، ولقينا إن في اسم (تالت) مسجل كشريك في أرض التجمع.. اسم الشخص ده هو (أمنية عبد السميع)!”

بصيت لأمي وأنا مذهولة: “أنا يا ماما؟ إنتي سجلتي حاجة باسمي من ورايا؟”

أمي بصت للراجل وبصت لي، ولأول مرة شوفت دمعة في عينها، وقالت:

**”مش أنا اللي سجلت يا أمنية.. اللي سجل الأرض دي باسمك هو أبوكي، من 10 سنين، في اليوم اللي عرف فيه إن رشاد ناوي يغدر بيه وبيا.”**

هنا فهمت إن الحكاية مش مجرد خيانة وانتقام.. دي حرب عائلية، وأبويا، رغم كل اللي عمله، كان بيحاول يلعب “على كل الحبال” عشان يحميني في الآخر.. أو يمكن عشان يشتري غفراني.

**يتبع…**

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *