من فتره حكايات رومانى مكرم 2
طارق فضّل واقف مكانه، عينيه بتتحرك بسرعة بيني وبين الموبايل اللي محطوط على التربيزة. الكافيه اللي كنا قاعدين فيه فجأة اتحول لساحة إعدام بصوت صامت، الناس حوالينا كانت بتشرب قهوتها وبتضحك، وأنا وسامع ضربات قلبي زي طبول الحرب.
مد إيده ببطء، صوابعه كانت بترتعش لدرجة إنه مش عارف يمسك الموبايل. سحبه من قدامي وبصلي وعينيه مليانة دموع محبوسة، دموع قهر ممزوجة بصدمة في أقرب الناس ليه. قال بصوت مبحوح، كأنه بيترجاني أقول إنه مقلب:
“أنت بتتكلم جد يا رومانيا؟ البنت اللي أنا شقيت عشان أجيبلها شبكة.. البنت اللي روحت لأهلها وقولتلهم هحطها في عينيا.. كانت معاك؟”
هزيت دماغي بأسف وبصيت في الأرض، مكنتش قادر أحط عيني في عينه: “أنا أسف يا صاحبي.. أنا غلت، والشيطان شاطر، بس مكنش ينفع أسيبك تلبس في الحيط وتعيش مخدوع. أنا حبيت ألحقك قبل ما تدبس ودبلتك تتكتب باسمها.”
فجأة، وبدون أي مقدمات، طارق رمى الموبايل على التربيزة بقوة لدرجة إن الشاشة اشرخت، وقام هجم عليا. مسكني من ياقة قميصي ورفعني من على الكرسي، وشه كان قريب من وشي لدرجة إني شميت ريحة أنفاسه الغاضبة. الكافيه كله سكت، والكراسي اتحركت، والناس بدأت تبص علينا.
“يا خسارة العيش والملح يا واطي!” طارق زعق بعلو صوته والدموع نزلت من عينيه: “جاي تقولي الشيطان شاطر؟ أنت اللي شيطان! دمرت بنت غلبانة وكسرتها، وجاي دلوقتي تعمل فيها البطل اللي بيحميني؟ أنت مقرف.. أنت وأشكال الخيانة اللي زيك ميتأمنوش على عرض ولا على سر!”
الناس اتدخلت وبدأت تسلكه مني، والويترز جم يهدوا الموضوع. طارق كان بيزقهم وهو بيبصلي بنظرة كره عمري ما هنسها طول ما أنا عايش. أخد نفسه بصعوبة، عدل قميصه وهو بيتنفس بسرعة، وبصلي وقالي ببرود قاتل جمد الدم في عروقي:
“الخطوبة مش هتتلغي يا رومانيا.. الخطوبة في ميعادها، بعد 6 أيام.”
أنا اتصدمت، ومبقتش فاهم حاجة. سألت بذهول: “أنت بتقول إيه يا طارق؟ بعد كل اللي سمعته وشوفته هتكمل؟!”
قرب مني خطوة واحدة، وشاور بصباعه في وشي وقالي بنبرة حاسمة زي حد السيف: “هكمل.. بس مش عشانها، ولا عشانك. هكمل عشان أنا راجل، ومبسبش حقي. هبة غلطت لما صدقت واحد ندل زيك، وأنت غلطت لما فكرت إنك تقدر تكسر عيني وتديني فضلاتك. بس حسابكم انتوا الاتنين معايا هيبتدي من ليلة الخطوبة. وأنت يا صاحبي.. أول واحد هتكون واقف في القاعة، وهتشوف بعينك طارق الغلبان هيعمل إيه.”
سابني ومشى.. مشى وخطواته بتهز الأرض، ساب وراه المحل والدنيا مقلوبة، وسابني أنا قاعد على الكرسي والموبايل المشرخ في إيدي، والأسئلة بتاكل في عقلي وقلبي. طارق ناوي على إيه؟ هل هيقهر هبة ويفضحها ليلة الخطوبة قدام أهلها؟ ولا ناوي ينتقم مني أنا بطريقة تانية؟
الـ 6 أيام اللي باقيين على الفرح بقوا زي الـ 6 سكاكين مغروزين في ضهري. كل يوم بيعدي، وأنا بشوف بوستات الفرح على الفيسبوك، وأشوف طارق وهو بيعزم بقية أصحابنا وكأن مفيش حاجة حصلت. كلمت هبة من رقم غريب عشان أحذرها، أول ما سمعت صوتي عيطت وقالتلي: “عايز مني إيه تاني؟ حرام عليك سيبني في حالي، أنا ربنا عوضني برجل يحميني.” وقبل ما أقولها على اللي طارق عرفه، قفلت السكة في وشي وعملت بلوك.
النهاردة الصبح.. ليلة الخطوبة.
جتلي رسالة على الموبايل من طارق، فيها عنوان القاعة، وجملة واحدة: “لو مجيتش يا رومانيا، الفيديوهات والصور اللي على موبايلك، هتبقى هي العزومة اللي هتتوزع على المعازيم في القاعة، وتلفونك معايا نسخته من يوم ما كنا في الكافيه.”
جسمي كله سقع.. طارق سحب الداتا من تلفوني وأنا مش داريان؟
الساعة دلوقتي 7 بالليل، وأنا واقف قدام المراية، بلبس قميصي الأسود، وإيدي بترتعش وأنا بربط الكرافتة. طارق رتب لكل حاجة، والكمين اتنصب، وأنا رايح برجليا لليلة اللي هتنتهي بدمار حتمي…
دخلت القاعة ورجليا مش شايلاني. صوت الأغاني والمهرجانات كان قالب المكان، والأنوار الملونة بتلف وتخبط في وشوش الناس الفرحانة. المعازيم كلهم بيضحكوا ويهيصوا، وأنا الوحيد اللي حاسس إن كل خطوة بخطيها هي خطوة ناحية المشنقة. عيني كانت بتدور في الصالة زي المجنون لحد ما شوفتهم.
على الكوشة.. كان قاعد طارق وبيرقص بكتفه، الضحكة من الودن للودن، وشه منور وجنبه هبة بالفستان الأبيض وطرحتها، ملامحها كانت هادية وفيها لمحة فرحة ممزوجة بكسرة قديمة أنا السبب فيها. أول ما طارق لمحني داخل من باب القاعة، ضحكته وسعت، شاورلي ببرود ونزل من على الكوشة واتحرك ناحيتي.
كل ما كان يقرب، كل ما كنت بحس بنبضات قلبي بتسيرع لدرجة الوجع. وصل عندي، حضني قدام الناس وباسني على كتفي وقال في ودني بصوت واطي وبارد زي التلج: “نورت يا صاحبي.. قولتلك هتيجي وهتشوف طارق الغلبان هيعمل إيه. مجهزلك مفاجأة هتليق بيك وبالعروسة.”
قبل ما أنطق أو أستوعب، طارق سابني وطلع على المسرح بتاع الـ “DJ”، مسك المايك، وبأيده التانية شاور للراجل يقفل الأغاني. الصوت قطع فجأة، والصالة كلها هديت، والمعازيم بدأوا ينتبهوا ويبصوا لطارق اللي واقف وفي عينه نظرة غريبة، نظرة قسوّة عمري ما تخيلت إنها تطلع من الشخص الطيب ده.
طارق اتكلم في المايك وصوته هز القاعة: “مساء الخير يا جماعة، نورتوني وشرفتوني في ليلة عمري. أنا النهاردة مش بس بحتفل بخطوبتي على الإنسانة اللي اختارها قلبي.. أنا النهاردة حابب أشكر اتنين غاليين عليا أوي، اتنين لولاهم مكنتش هبقى واقف الواقفة دي ولا هعرف الحقيقة.”
هبة على الكوشة بدأت تتوتر، ملامحها اتغيرت وبدأت تبص لطارق بقلق وهي بتفرك في إيدها. طارق شاور عليا وقال: “الأول هو رومانيا.. صاحبي وعشرة عمري، اللي مبيخبيش عليا حاجة وافتكر إنه بكده بيحميني.” وبعدين لف وشه لهبة وكمل: “والتانية هي هبة.. خطيبتي المصونة، اللي دخلت بيتها من بابه.”
الفضول أكل المعازيم، والهمس بدأ يزيد في القاعة. طارق طلع فلاشة من جيبه، وحطها في جهاز العرض “البروجكتور” الكبير اللي في ضهر الكوشة، وقال بنبرة سخرية قاتلة: “وعشان الفرحة تكمل، أنا عملت فيديو صغير بيجمع ذكرياتنا.. ذكرياتي أنا ورومانيا، وذكريات هبة اللي مكنتش أعرف عنها حاجة.”
الشاشة الكبيرة نورت.. والدم هرب من عروقي تماماً.
الصور اللي بدأت تظهر مش صور طارق وهبة.. دي كانت لقطات ورسايل شات متصورة من الموبايل بتاعي! الكلام الوعود، وصور هبة وهي بتعيط وتترجاه ميسيبهاش بعد ما خد اللي عايزه. طارق مكنش ناوي ينشر الفيديوهات التجاوزية؛ هو كان أذكى وأخبث من كده، هو نشر الفضائح اللي تثبت ندالتي أنا وخياني، وتثبت في نفس الوقت إن هبة كانت ضحية لواحد ميسواش.
القاعة اتقلبت في ثانية لبركان. أهل هبة قاموا من أماكنهم وهما بيزعقوا، وأبوها مسك قلبه وقعد على الكرسي. هبة غطت وشها بإيدها وصوت عياطها وهستيريتها وصل لأخر الصالة وهي مش قادرة تبص في وش أهلها. طارق رمى المايك من إيده، ونزل من على المسرح وقف قدامي، وعينيه بتلمع بانتصار مرعب.
قرب من ودني لثاني مرة وقال: “أنا مكنش ينفع أتجوزها يا رومانيا.. بس مكنش ينفع برضه أسيبك تطلع منها سليم وتعيش دور البطل النضيف. أنا دمرت البنت اللي صدقتك، ودمرت عينيك اللي شوفت بيها عرضي، والناس كلها دلوقتي عرفت أنت إيه.. يالا وريني هتمشي وسط أصحابك وأهلك إزاي بعد الليلة دي.”
طارق لف ضهره ومشى وساب القاعة كلها بتغلي، ساب أهل هبة وهما جايين عليا وعينيهم مليانة شر، وساب هبة وهي بتصرخ على الأرض بفستانها الأبيض. لقيت نفسي محاصر بين معازيم بيقربوا مني وهما بيشتموا، وبين حقيقة إني بقيت مكشوف قدام الدنيا كلها.
الضرب بدأ ينزل عليا من كل حتة، ومبقتش شايف قدامي غير ضل طارق وهو خارج من باب القاعة وبيرمي الدبلة في الأرض.. وأنا مش عارف إزاي هطلع من المكان ده حي…
أهل هبة والشباب اللي في القاعة هجموا عليا زي الطوفان. الكراسي كانت بتتطير فوق دماغي، والضرب ينزل عليا من كل حتة وأنا حاجب وشي بإيديا ومش قادر أرد ولا أدافع عن نفسي. صوت صريخ هبة وعياط أمها كان مالي المكان، والتربيزات بتتكسر فوقي. لولا تدخل أمن القاعة وكم واحد من عقلاء المنطقة اللي لحقوني من تحت إيديهم وأنا دمّي سايل، مكنتش هطلع عايش.
رموني بره القاعة في الشارع وهدومي مقطعة ووشي كله جروح. قعدت على الرصيف وأنا بتنفس بصعوبة، باصص للأرض والدموع نازلة حارقة على وشي. طارق مكسرش هبة بس، طارق دفنّي بالحيا. في ليلة واحدة، خسرت شرفي، وسمعتي، وصاحب عمري، وبقيت بنظر الناس “الندل” اللي ملوش أمان.
عدت الأيام.. وأنا قافل على نفسي أوضتي مش قادر أخرج ولا أبص في وش أبويا وأمي اللي بقوا يوطوا رأسهم وهم ماشيين في الشارع بسبب الفضيحة اللي ملأت البلد. تليفوني مكنش بيبطل رن.. رسايل شتائم وتهديدات من أرقام غريبة، والكل عملي بلوك من حياته.
لكن طارق مكنش ناوي يكتفي بفضيحة ليلة الخطوبة. طارق “الغلبان” اللي كان بيجري على أكل عيشه، اتعلم القسوة في أيام. بعد أسبوعين من ليلة القاعة، لقيت الباب بيخبط بقوة. فتحت برعب، لقيت أمين شرطة واقف ومعاه استدعاء رسمي ليا في النيابة.
نزلت وأنا مرعوب، وهناك كانت الصدمة التانية. طارق مكنش لوحده، كان معاه محامي كبير، والمفاجأة إن هبة وأهلها كانوا واقفين معاه في نفس الصف! طارق أقنع أهل هبة إن الطريقة الوحيدة لغسل عار البنت وتبرئتها قدام المجتمع، هي إنهم يرفعوا عليا قضية “ابتزاز إلكتروني وتهديد بنشر صور وفيديوهات خادشة للحياء”، وقدموا للنيابة سكرين شوتس من الرسايل اللي طارق سحبها من تليفوني، مع شهادة طارق والـ DJ وصاحب القاعة باللي حصل.
المحامي بتاعه وقف قدام وكيل النيابة وقال بثقة: “يا فندم، المتهم استغل براءة المجني عليها وابتزها، ولما عرف إن صديقه رايح يخطبها، حاول يهددها ويفسد الجوازة بالصور دي، وده موثق بشهادة الشهود والرسايل.”
وقعت في الفخ اللي نصبه طارق بأستاذية. الكلام اللي أنا قلته لطارق في الكافيه بدافع “الشهامة” عشان أحميه، المحامي بتاعه قلبه ضدي وخلّاه يبان في المحاضر الرسمية على إنه “تهديد وابتزاز” لهبة! تليفوني اتتحفظ عليه، ولقيت نفسي لابس الكلبشات ومترحّل على الحجز 4 أيام على ذمة التحقيق.
في ليلة حبسي الأولى، وأنا قاعد وسط المجرمين في ضلمة الحجز، الباب انفتح وعسكري نادى على اسمي: “رومانيا.. عندك زيارة.”
خرجت وأنا بجر رجليا، ورا السلك لقيت طارق واقف. ملامحه كانت باردة تماماً، مفيش في عينه لا غضب ولا فرحة، مجرد نظرة ميتة.
قربت من السلك ودموعي نزلت: “ليه يا طارق؟ أنا غلطت في حق البنت أيوة، بس أنا جيت حذرتك أنت عشان بحبك وخابف عليك! تقلب الدنيا عليا وتلبسني قضية تدمر مستقبلي؟”
طارق ابتسم ابتسامة خفيفة، حط إيده على السلك وبص في عيني وقالي بصوت واطي: “أنت مجيتش تحذرني عشان بتحبني يا رومانيا.. أنت جيت تحذرني عشان لسانك كان واكلك ومكنتش مستحمل تشوف البنت اللي كسرتها بتعيش مبسوطة مع راجل أحسن منك. أنت جيت تتباهى بقذارتك تحت قناع الشهامة.”
سكت ثانية وكمل ونبرته بقت حادة: “أنا خسرت البنت اللي كنت فاكرها هتشيل اسمي، وخسرت صاحبي اللي كنت فاكره ضهري. يعني معنديش حاجة أخسرها تاني. القضية دي مش هتنتهي غير وأنت لابس البدلة الزرقا وجنبك حكم بسنتين أو تلاتة سجن.. وده مش أخر حسابي معاك يا صاحبي. لسه الخطوة الجاية، الخطوة اللي هخليك فيها تتمنى الموت وماتلاقيهوش.”
طارق لف ضهره ومشى، وسابني واقف ورا السلك بصرخ باسمه والحراس بيجروني لجوه الحجز.. والأسئلة هتموتني: طارق ناوي على إيه تاني؟ وإيه الخطوة الأخيرة اللي مجهزها بره السجن؟
مرّت الشهور وأنا ورا القضبان زي الميت، أخدت حكم بسنتين سجن بتهمة الابتزاز الإلكتروني وتشويه السمعة. السنتين دول مكنوش مجرد عقوبة، دول كانوا مفرمة لروحي وعقلي. كل ليلة كنت بنام فيها على الأرض الباردة، كنت بشوف وش طارق ووش هبة في الضلمة. خسرت كل حاجة؛ مستقبلي، براند القصص بتاعي، وكرامة أهلي اللي بقوا عايشين في البلد ووشهم في الأرض.
لكن الصدمة الحقيقية مكنتش في الحبس.. الصدمة كانت مستنياني يوم خروجي.
يوم ما فتحوا باب السجن وخرجت للدنيا من تاني، كنت فاكر إني هروح أستخبى في حضن أمي وأقفل على نفسي الباب لحد ما الناس تنساني. لكن أول ما رجعت منطقتي في أسيوط، لقيت الوشوش غريبة، والناس بتبصلي بنظرات شفقة ممزوجة بذهول.
جريت على بيتنا، فتحت الباب وأنا بصرخ: “أمي! أبويا!”.. مكنش فيه حد. البيت كان فاضي، العفش متبهدل، والحيادان باردة. خرجت جارتنا العجوزة من الشقة اللي قصادنا، أول ما شافتني شهقت وحطت إيدها على صدرها: “رومانيا؟! أنت خرجت يا ابني؟”
سألتها بلهفة ورعب: “فين أهلي يا خالة؟ البيت فاضي ليه؟”
دموعها نزلت وقالتلي بصوت يرتعش: “أبوك مجاش عليه شهرين بعد حبستك.. جاله جلطة من حسرته على اللي حصل ومات. وأمك مكنتش قادرة تبص في وش حد في المنطقة، لمت اللي باقي من العفش وسافرت تقعد عند خالتك في المحافظة التانية.. البيت ده اتباع يا رومانيا عشان يسددوا مصاريف المحامي والتعويض اللي المحكمة حكمت بيه لـ هبة!”
الدنيا لفت بيا، ووقعت على السلم مش قادر أصلب طولي. طارق مكنش بيكدب لما قاللي “هخليك تتمنى الموت ومش هتلاقيه”.. هو مكسرنيش أنا بس، هو أباد حياتي القديمة من الجذور.
مشيت في الشوارع زي المجنون، مش عارف أروح فين ولا لمين. رجليا سحبتني لحد الكافيه اللي على النيل، نفس المكان اللي بدأت فيه الحكاية كلها لما كنت بتباهى بوعودي المزيفة لهبة. قعدت على نفس الترابيزة، حطيت راسي بين إيديا وبكيت بحرقة عمري ما بكيتها قبل كده. دموع ندم، وقهر، وقلة حيلة.
وفجأة.. سمعت صوت خطوات قريبة، وصوت كرسي بيتسحب قصادي.
رفعت راسي ببطء.. وكان هو.
طارق.. قاعد قدامي، لابس قميص شيك، ملامحه هادية، وفي إيده كباية شاي. بص لوشي المتبهدل ودقني الطويلة ببرود تام، وسكت لثواني قبل ما ينطق: “حمد الله على السلامة يا صاحبي.”
مستنتش، قولتله بصوت مخنوق بالدموع: “أبويا مات يا طارق.. وأمي هجت من البلد، وبيتي اتخرب. خلاص؟ ارتحت؟ خدت حقك وزيادة؟”
طارق حط كباية الشاي ببطء، وبص في عيني بنظرة صلبة وقالي: “أنا مخدتش حقي يا رومانيا، الدنيا هي اللي دارت ورجعت الحق لأصحابه. أنت زمان دخلت حياة بنت محترمة، وعشت دور الصياد اللي بيكسر الحصون ويتسلى، ولما شبعت رميتها ومفرقش معاك هتموت من القهرة ولا لأ. وأنا.. أنا كنت هبقى الضحية التانية لندالتك، كنت عايز تكسر عيني وتعيش دور البطل النضيف اللي بيفوق صاحبه.”
أخد نفس طويل وكمل: “أنا مقت*لتش أبوك، ولا طردت أمك.. عمايلك وسيرتك اللي سبتها وراك هي اللي عملت كده. البنت اللي أنت دمرتها، أنا ساعدتها تاخد حقها بالقانون، والنهاردة هبة اتجوزت إنسان تاني خالص، سافرت معاه وعايشة حياتها مرفوعة الراس بعد ما المحكمة برأتها قدام الدنيا كلها وثبتت إنك كنت بتبتزها.. وأنا؟ أنا كملت في شقايا وعملت قرشين، والكل هنا بيحترمني لأني راجل مقبلتش العيب.”
قام وقف، عدل قميصه، وبصلي النظرة الأخيرة.. نظرة نهاية الحكاية: “أنا جيت هنا النهاردة مش عشان أشمت فيك.. أنا جيت عشان أقفل الصفحة دي للأبد. أنت عشت، وشوفت بعينك إن ربنا مبيسيبش، وإن الكلمة والوعد عرض.. واللي بيلعب بأعراض الناس، بيجي اليوم اللي يتسد فيه الدين من لحمه ودمه. سكتك خضرة يا رومانيا.. دور على مكان تاني تبدأ فيه حياتك، لأن المكان ده مابقاش فيه ليك لا صاحب.. ولا بيت.”
سابني ومشى.. اختفى وسط زحمة الناس وعلى وشّه نفس الضحكة الصافية اللي شوفتها أول يوم جالي فيه البيت، بس المرة دي الضحكة مكنتش سذاجة.. كانت ضحكة راجل عرف يربي الشيطان اللي كان فاكر نفسه أقوى من البشر.
قعدت لوحدي، باصص للنيل، والموج بياخد ويجيب.. وأنا مستني الليل ينزل عشان ألم اللي باقي مني وأمشي في أرض الله الواسعة، شايل على ضهري ذنب بنت، وموت أب، وخسارة صاحب.. وعارف إن الوجع ده هيعيش جوايا لحد أخر يوم في عمري.
#الكاتب_رومانى_مكرم
