حكايات رومانى مكرم

بصيت في عينها وقلت بصوت مجهش: “بعيط على الكل يا زينب.. بعيط على العيشة دي، وعلى الذنب اللي حاططه في رقبتي تجاهك وتجاه أختك.. أنا استاهل كل اللي بتعمليه فيا، بس أنتِ ليه دفنة نفسك معايا في الحيا؟”.

زينب نزلت دمعة واحدة من عينها، دمعة حامية مسحتها بسرعة وقالت: “نور هتتجوز والأسبوع الجاي فرحها، وأنا مش هسمحلك تروح الفرح ده ولا تكسر فرحتها من بعيد حتى بنظرة. أنت هتفضل هنا معايا. أنا صنت أختي وسكت، وما قلتش لإخواتي إنك ضربتني ولا إنك السبب في موت العيال، عشان مكنتش عايزه بيتهم يتخرب بسببي ولا نور تتعقد من الرجالة.. أنا ضحيت بعمري وبصمتي عشان هي تعيش وتفرح، ودلوقتي دورك أنت تتفرج عليا وأنا بقفل الصفحة الأخيرة”.

سكتت لحظة، وبعدين طلعت من جيبها كيس دواء صغير وحطته على الترابيزة قدامي، وقالت نبرة خلت جسمي يقشعر: “الدكتور قال الرحم اتدمر، بس أنا تعبانه من جوه أكتر.. التعب بقى في عضامي وفي دموعي. أنا مش بنتقم منك يا ابن الناس، أنا بنتقم من الظروف اللي خلتنا العوبة في إيدين الكل.. وبكرة، لما نور تتجوز، أنا مش هيبقى فاضل لي حاجة أستناها في الدنيا دي”.

حست بقلبي بيتنفض من الخوف، وبصيت لكيس الدواء، ولنظرة زينب اللي كانت متجهة للنهاية… نهاية كل شيء.

فما هي الخطوة الأخيرة التي تنتظر هذا البيت، وهل تكون النهاية خلاصاً أم مأساة جديدة تكتمل بها الدائرة؟

الجزء الأخير:

برقت عيني وأنا بصيت لكيس الدواء، وشفت في عين زينب نظرة استسلام مرعبة، نظرة واحد بيودع الدنيا وهانت عليه روحه. في اللحظة دي، كأن غشاوة انزاحت عن عيني.. زينب مش جاية تنتقم مني، زينب بتتأكل من جوه، والذنب ذنبي أنا اللي سبتها في الضلمة دي لغاية ما فكرت في الموت!

مديت إيدي بسرعة ومسكت كيس الدواء ورميته بأقصى قوتي من البلكونة، ومسكت إيديها الرديانة الدافية بين إيديا وأنا ببكي بانهيار: “لا يا زينب.. لحد هنا وكفاية! قتلت ولادي بغبائي وضيّعت نور بضعفي، لكن مش هسيبك تقتلي نفسك وتشيلي ذنب جديد. إن كنتِ عايزة تموتي، موتيني أنا الأول، عشان أنا السبب في كل نقطة دم ونقطة وجع نزلت منك”.

بصتلي باستغراب، والجمود اللي في وشها بدأ يتكسر، ونزلت دموعها حامية تغرق خدودها، دموع قهر وسنين مكتومة. حضنتها لأول مرة من قلبي، مش شفقة ولا تأدية واجب، لكن ندماً وحسرة وإحساساً حقيقياً بالذنب تجاه إنسانة اتظلمت معايا ومع أهلها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *