ماما حكايات رومانى مكرم 1
أنا متجوزه من سنه ومليش حد غير ماما بتحبنى وبحبها أوى بابا طلقها لم كان عندى سنتين ومعرفش شكل بابا غير في الصور ومحضرش فرحى وهو متجوز وعايش حياته
ماما بتيجى زياره كل اسبوع تقعد معايا شويه ساعتين تطمن عليا وتمشي وكمان هى عايشه لوحدها وهى جايه بتجبلي كل حاجه أنا محتاجها في البيت وبتدينى فلوس كمان حماتى منها لله بتسخن جوزى عليا لم عارف الحب الى بينى وبين ماما بتغير خلت جوزى يطرد ماما ومش عايزها تيجي عندي ولا حتى تكلمنى في الفون طلبت منه اروحلها أنا كل اسبوع اقعد معاها يوم رفض حماتي منها لله هى اللي ورا كل ده لأنها لما بتشوف امى بيركبها عفر.يت لأننا في بيت عيله ودايما تقولي أمك مدلعاكى وبتجبلك اكل وكل حاجه كده هتخليكى متحتاجيش لجوزك والله بنزلهم كل حاجه امى بتجبها امي حالتها الماديه ما شآء آلله كويسه جدا واخدت ورث مبلغ كبير من جدي الله يرحمه
البدايه
عدّت سنة على جوازي من إبراهيم، سنة بحالها وأنا كاتمة في قلبي وساكتة. من صغري وأنا مليش في الدنيا دي كلها غير أمي.. بابا طلقها وأنا لسه حتة لحمة حمرا عندي سنتين، عمري ما شفت وشّه غير في الكام صورة القديمة المتشالين في ألبوم الصور، ولا حتى كلف خاطره يحضر فرحي، عايش حياته مع مراته وعياله ولا داري بينا. أمي هي اللي شالت الشيلة لوحدها، ربّت وبِرت وكبرت لحد ما جوزتني.
أمي عايشة لوحدها في الشقة، وكل أسبوع كانت تجي لي زيارة، تقعد معايا ساعتين تطمن عليا، ترغي معايا وتخفف عني غربة بيت العيلة. وما تلمسش أكرة الباب وهي داخلة إلا وأيدها مليانة خير، كل ما تتخيله ولا ما تتخيلوش من خيرات ربنا تجيبه معاها، حتى المصروف والفلوس كانت تحطها في جيب شغالة معايا وتقولي: “دي علشان عينك تفضل مليانة يا نور عيني وما تحتاجيش لحد”. أمي ربنا فتحها عليها بعد ما أخدت ورثها في أرض جدي الله يرحمه، حالتهم المادية ما شاء الله مرتاحة، بس حماتي.. حماتي منها لله!
من أول يوم دخلت فيه الشارع وخرجت، وحماتي عينيها عليا وعلى أمي. كل ما تشوف أمي داخلة بشنط الخير ولا الفاكهة والطعام، يركبها ميت عفريت! الغيرة كانت بتاكل في قلبها أكل، تقعد تنق وتمرر العيشة: “أمك مدلعاكي.. أمك بتجيب لك أكل وشرب وكل حاجة لحد عندك علشان تخليكي مستغنية عن جوزك وما تحتاجيش له في حاجة!”. والله العظيم، والله على ما أقول شهيد، كل حاجة كانت أمي بتجيبها لي، كنت بنزل نصها تحت لـ حماتي ولـ سلفاتي، أقول علشان اللقمة أصلها طيبة وعلشان تحبني، بس القلوب السودة ما بتنضفش.
حماتي وقفت لـ إبراهيم جوزي في الزور، تقعد تحت ذنّه يوماتي: “مراتك شايفانا من فوق، أمها مفهمّاها إنها أحسن مننا علشان الفلوس، أمها بتتدخل بينكم وبتسخنها عليك!”.. لحد ما عمت عينيه وخليته يقسى عليا. وفي يوم، أمي جاية زيارتها العادية، إبراهيم وقف لها على الباب بقلب جامد وبصوت عالي وطردها! طرد أصل حنيتي وسندي في الدنيا! مش بس كده، ده حلف عليا ما تجيلي تاني، ولا أكلمها في التليفون، ولا حتى أعتب بيتها!
ترجيته وبكيت وبست أيده: “يا إبراهيم دي أمي.. دي ماليش غيرها في الدنيا، طب خليني أروح لها أنا أزورها كل أسبوع أومال هي تقعد لوحدها لمين؟”، بس قلبه كان حجر وسد كل الأبواب في وشي.
الأسبوع اللي بعده، قلبي كان بياكلني على أمي، اتصلت بيها من وراهم وبكيت، لقيتها هي كمان مش قادرة على بعدي وجات لي. وأول ما حطت رجلها في الشارع، حماتي لمحتيها من الشباك، ونزلت إبراهيم يتعفرت عليا. وطردوها تاني! طردوا الست اللي عمرها ما آذت حد، ومشت وهي بتعيط ودموعها نازلة على خدها وكسرة نفسها باينة في مشيتها.
أنا ساعتها السكوت أكل لساني، ما نطقتش كلمة واحدة. طلعت شقتي ودموعي بتنزل في سكات، بس كان جوايا نار قايدة.. نار بنت بتشوف أمها بتتظلم وتتهان من ناس ما يسووش.
جِه وقت العشا، لقيت إبراهيم داخل عليا الشقة ببرود ولا كأنه عمل حاجة، وبص لي وقال بصوت يأمر
#الكاتب_رومانى_مكرم_
– قومي انجزي اعملي العشا وحضريه بسرعة علشان أمي تاخد العلاج بتاعها في ميعاده!
في اللحظة دي، النخوة والوجع اللي جوايا ينفجروا.. بصيت له بعينين مليانة كره وقسوة عمره ما شافها مني قبل كده، وقولت له بصوت طالع من قعر قلبي:
– أنا مش خدامة لأمك! مليش دعوة.. أهلك دول أنت اللي تخدمهم وتحش تحت رجليهم، إنما أنا مليش فيه ومحدش يطلب مني قشة في البيت ده تاني!
إبراهيم برّق لي ووشه اتخطف، والشرار بدأ يطلع من عينيه..
وشه اتخطف من الصدمة، وهجم عليا وهو نازل فيا ضرب وتهديد، والبيت كله اتقلب، يا ترى هيحصل إيه؟
و
الهوا كان محبوس في صدري، والضرب والشتيمة كانوا نازلين عليا زي الحجر، بس والله العظيم لا الوجع الجسدي كان مأثر فيا ولا الضرب هز فيا شعرة، النار اللي كانت قايدة في قلبي على أمي وعلى كسرة نفسها وهي مطرودة من على الباب كانت مخليني حاسة إني في عالم تاني. عيوني كانت متسلطة عليه وهو بيفور من الغضب وبيزعق بصوت عالي لم البيت كله:
– انتِ اتجننتي ولا جرى في عقلك حتة! بقيتي تطولي لسانك وتقولي مش خادمة لأمي؟! ده أنا هعرفك تربية أهلك اللي مدلعينك دول!
في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح ودخلت حماتي على الصوت، وعلى وشها ابتسامة الخبث والشماتة اللي ما بتفارقوش ابداً، وقعدت تصوت وتمثل المسرحية وهي حاطة إيدها على صدرها:
– الحقني يا إبراهيم.. مراتك اتجبرت وقسيت علينا ازاي! دي قليلة الأدب ومش متربية، ومن ساعة ما دخلت البيت ده وهي شايفة نفسها علينا بفلوس أمها! مدام سكتّ لها من الأول يبقى دي آخرتها! طلقها يا إبراهيم، دي ما تنفعش لك ولا تستاهل ضفر واحدة مننا!
بصيت لها وبصيت له، لقيت الكيل طفح والعمر اللي قضيته ساكتة وخايفة خلص وانتهى. مسحت الدموع من على خدري، وقمت وقفت قدامهم بشموخ وثبات لأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده، وقولت بصوت عالي هز الحيطان:
– تطلقني؟! كتر خيرك! وشرف أمي ما أنا قاعدة هنا ولا دقيقة كمان! أنا أصلاً كفاية عليا الذل اللي شوفته في بيتكم، والست اللي انت طردتها دي تاج راسك وتاج راس العيلة دي بحالها!
إبراهيم اتصدم من شجاعتي، وبدل ما يهدى، جنون الغضب سابه ونزل فيا تهديد:
– اعقلي يا بت واطلعي على أوضتك، ولو فتحتِ بوقك بكلمة تانية لكون رامي كيس هدومك في الشارع ومهونك على آخر الدنيا!
بصيت له ببرود وسخرية، ودخلت الأوضة بسرعة البرق. فتحت الدولاب وطلعت شنطة الهدوم الكبيرة، ورميت فيها هدومي بسرعة، وكنت سامعة حماتي تحت بلكونة المطبخ بتزعق وتزغرد بصوت عالي:
– بركة دعاء الوالدين! أهي هتنطرد زي أمها الرخيصة!
ما ردتش عليها، ولا كأنهم موجودين. مسكت تليفوني وأنا إيدي بتترعش، وطلعت الرقم اللي حافظاه أكتر من اسمي.. رقم أمي.
دققتين والخط فتح، وجاوبني صوت أمي المكسور الحزين، اللي أول ما سمعت صوتها عيطت بحرقة:
– ألو.. ساكتة ليه يا نور عيني؟ صوتك عامل كده ليه؟ فيكي إيه يا بنتي؟!
رديت وسط شهقاتي وعياطي:
– تعالي لي يا أمي.. تعالي حالا خديني من بيت الظلم ده.. إبراهيم طردني.. رموني زي ما رموكِ بالظبط!
العالم سكت حواليا ثواني، وبعدها سمعت صوت صرخة أمي في التليفون:
– جايالك يا ضنى عمري.. جايالك حالا وما تخافيش، طول ما أنا عايشة ما حد يقدر يمس شعرة منك!
قفلت التليفون، وطلعت بالشنطة لحد باب الشقة. إبراهيم كان قاعد في الصالة وحاطط رجل على رجل وفاكر إني بتهدد بس، وأول ما شافني ماسكة الشنطة وماشيّة، اتعدل في قعدته وقال بصوت حاد:
– إنتِ رايحة فين بجدك كده؟ فاكرة نفسك رايحة بيت أبوكِ؟ ده أنتِ لو طلعتِ من الباب ده، طلقات بالثلاثة ما أنتِ راجعة!
بصيت له بابتسامة كلها وجع وكرامة، وقولت له بكلمات واضحة:
– ومن قالك إني عايزة أرجع؟! اعتبرني طالق من اللحظة دي، وربنا يهنئك بـ أمك وبيت العيلة بتاعكم.. مبروك عليك الخدامين!
سبته وفتحت الباب ونزلت جري على السلم، وقلبي بينبض بقوة كأني لسه مولودة حالا وعالم جديد بيفتح بابه قدامي. أول ما طلعت برض الشارع، لقيت عربية تاكسي واقفة، وأمي نزلت منها جارية زي الفراشة رغم سنها، وجريت عليّا ضمتني لصدرها بقوة.
حضنتها وحضنتني، وقعدنا نعيط إحنا الاتنين في نص الشارع، عياط مرتاح، كأننا بنغسل كل سنين القهر والوجع والذل اللي عشناها.
ركبنا التكسي، وأمي مسكت إيدي وقالت لي بحنية الدنيا كلها:
– حقك عليا أنا.. أنا اللي دخلتك السكة دي ورميتك لناس ما ترحمش، بس خلاص.. من النهاردة أنتِ في حضني، ومليون راجل ما يقدر يوطي راسك تاني، وفلوس الدنيا كلها تحت رجليكي يا روح قلب أمك!
وصلنا شقة أمي، الشقة الواسعة الهادية اللي كلها ريحة طيبة وحب ودفا. دخلت وقعدت على الكنبة، وبصيت حواليا، حسيت إني رجعت لنفسي وروحي اللي كانت مسجونة.
عدت يومين بحالهم، وإبراهيم ما سألش فيا ولا حتى رفع سماعة التليفون، وفاكر إن كرامتي هتكسره وإني هرجع أجري أعتذر له زي كل مرة. بس تالت يوم، وخارج الصبح بدري، سمعنا صوت خبط جامد على باب الشقة بتاع أمي.
فتحت أمي الباب، وانصدمت لما لقيته واقف قدامها وبصوت متعجرف قال ببرود:
– جاي أخد مراتي.. بلا دلع حريم بلا قرف.. تلم هدومها وتطلع معايا حالا، والموضوع ده يخلص هنا!
أمي وقفت في وشّه زي الأسد، وبصت له بقمة الشموخ والرفض، وقالت له بصوت ثابت قوي:
– مراتك؟ مراتك طردتها بالشنط على سلم البيت يا محترم، والست المحترمة اللي زي بنتي ما تقعدش عند واحد ما صانهاش ولا حمى عرضها من سم أمها! واطلع بره بيتي أحسن لك، بدل ما أوريك وش تاني خالص!
إبراهيم برّق من كلام أمي، وبص لي من وراها وقال بصوت عالي:
– إنتِ ساكتة يا هانم؟ تعالي معايا حالا وإلا اعتبري نفسك طالق بالثلاثة ومش هتشوفي مليم واحد ولا هتحلمي بطلاق رسمي!
طلعت وقفت جنب أمي، ورفعت راسي لفوق وقلت له بصوت مسموع وقوي:
– وأنا بقولها لك قدام أمي.. طلقني، وخلصني منك ومن ذل أمك، وبدل المرة ألف، مستغنية عنك وعن عيشة المرار دي كلها.. اخلص واكتب طلاقي، ومش عايزة منك لا نفقة ولا قشّة!
وشه اتخطف واتحسّر من الصدمة، ومابقاش عارف ينطق حرف واحد، وحماتي اللي كانت واقفة على السلم من وراه سمعت كل حاجة وبدأت تصوت وتلطم، لكن أنا وأمي قفلنا الباب في وشهم هما الاتنين، ورزعنا الباب بقوة كأننا قفلنا باب الماضي الأسود للأبد.
قعدنا أنا وأمي في الصالون، بصيت لها وبصيت لعيونها اللي مليانة حب ودعم، ولقيت نفسي ببتسم لأول مرة بجد.. صفحة جديدة اتفتحت، ومحدش تاني هيقدر يكسرنا.