فرح اختى وعمامى حكايات رومانى مكرم 3
عمي الكبير بص لبوي، وملامحه الشديدة دابت تماماً، وفجأة نزلت دمعة من عينيه مسحت قساوة تمنتاشر سنة. مد يديه الاتنين، ورفع راس بوي من على الأرض وضمه لصدّره ضمة قوية كأنه عيرجع الحتة اللي اتخلعت من قلبه زمان، وقال بصوت حنين يداوي الجروح: “قوم يا خوي.. قوم وارفع راسك، عيب وعار على واصل إن أخوي يطأطئ راسه وأنا عايش فوق الدنيا. الأرض والفلوس يغوروا في ستين داهية، المهم إنك رجعت لحضننا، ورجعت الدار تنور بوجودك وسطوتك.”
بوي بكى بحرقة في حضن أخوه، والسبع رجالة، عمامي الباقيين، مقدروش يمسكوا نفسيهم؛ قاموا كلهم من على الكنب والتموا حوالين بوي. اللي يطبطب على كتفه، واللي يبوس راسه، واللي يمسح دموعه بكم جلبابه وهو عيقول: “خلاص يا خوي.. انعل الشيطان، الماضي مات واندفن، وإحنا ولاد راجل واحد، والدم عمره ما يبقى مية واصل.”
في اللحظة دي، عمي الكبير التفت للشباب الأربعة عشر اللي كانوا واقفين وعيونهم ماليانة بدموع الفرحة من مشهد الصلح، وشاور لولده الكبير وقال بصوت ماليان فخر واحتواء: “يا ولد.. النهاردة عيد في العيلة دي. خشوا يا رجالة، سلموا على عمكم وبوسوا يده وراسه، واعرفوا إن ده سندكم وظهركم من هنا ورايح.”
الشباب تقدموا واحد ورا واحد بأدب وهيبة تشرح القلب. دخلوا على بوي، وكل واحد فيهم يبوس يده وراسه ويحضنه، وبوي يضمهم لقلبه مذهول من كم المحبة، ويبص في وشوشهم ويقول: “ما شاء الله.. كبرتوا وبقيتوا رجالة تسد عين الشمس.. الله يحميكم ويرعاكم يا ولاد الغوالي.”
عمي الكبير قعد بوي جنبه في صدر المضافة، وجاب كاسات الشربات بنفسه وقدمها له وقال: “اشرب يا خوي وافرح.. بتك الليلة دخلت بيت جوزها وهي رافعة راسها بأعمامها، وإحنا الليلة دخلنا دارنا الكبيرة وإحنا رافعين راسنا بيك. أما بخصوص ولاد المشتري الغريب وعقدهم القديم.. فدول متفكرش فيهم واصل ولا تشغل بالك بيهم.”
بوي بص لعمي بقلق، فابتسم عمي الكبير ابتسامة عريضة كلها ثقة وطمأنينة، وحط يده فوق يد بوي وقال: “الناس دول لما لقونا متفرقين، طمعوا فينا.. لكن لما شافوا الليلة واحد وعشرين راجل واقفين يد واحدة في الفرح، وصوت رصاصنا رج البلد كلها، هيفكروا ألف مرة قبل ما يعتبوا الشارع بتاعنا. إحنا مش هنحاربهم بالسلاح يا خوي، إحنا هنقعد معاهم قعدة أصول، وهنشتري الأرض منهم بفلوسنا ونرجع ورث جدك كامل مكمل، ومحدش هيقدر يرفع عينه فينا طول ما إحنا لحمة واحدة وسد منيع.”
أنا كنت واقف في زاوية المضافة، قلبي عيرقص من الفرحة وأنا شايف أبويا وسط إخوته، والكسرة اللي كانت في عينيه اتبدلت بنور وعز وهيبة ملوش مثيل. حسيت لأول مرة في حياتي إن ليا ظهر وسند أترمي عليه وأنا مطمن.
وفي وسط القعدة والضحكة اللي رجعت تملى المكان والمحبة اللي غطت على كل زعل، دخل واحد من غفر الدوار وهو عينه بتلف من الخوف، ووقف قدام عمي الكبير وقال بصوت مرعوب: “يا كبارات.. ولاد الراجل المشتري واقفين برا على بوابة الدوار، ومعاهم ناس غريبة وجايين يطلبوا يقابلوكم الوجت ده بالذات..”
عمي الكبير بصل الغفير بنظرة هادية وواثقة، تفيض بالسكينة اللي ملت قلبه بعد الصلح، وقال بابتسامة عريضة: “خليهم يدخلوا يا فراج.. الدوار مفتوح للكل، وإحنا الليلة مفيش في قلوبنا مكان للزعل واصل.”
دخلوا ولاد الراجل المشتري، تلات رجالة باين عليهم علامات الهيبة، لكن أول ما خطوا عتبة المضافة وشافوا السبع رجالة وبوي في وسطيهم، والشباب الأربعة عشر محوطينهم كيف السور، علامات التردد والخوف ظهرت في عيونهم. تقدم كبيرهم، وسلم بوقار وقعد، وطلع المحفظة وسحب منها العقد القديم وحطه على الترابيزة وقال بصوت هادي ومحترم: “يا كبارات.. إحنا جينا الليلة مش عشان نفتحوا دفاتر قديمة ولا نهدوا دار حد، إحنا لما سمعنا إن الشمل اتلم ورجع الأسود لعرينها، عرفنا إن الأرض دي لازم ترجع لأصحابها الحقيقيين. العقد أهو.. وإحنا راضيين بالّي تشوفوه ويرضي ربنا.”
عمي الكبير بص لبوي وتبسم، وقال لكبيرهم: “والأصول بتقول إن مال جدنا يرجع لينا، وفلوسكم اللي دفعها أبوكم زمان هتاخدوها وافية ويزيد عليها حبة كرامة من عندنا كمان.”
تمت البيعة ورجعت الأرض في دقايق معدودة وسط ترحيب وتهليل، وتقطع العقد القديم اللي كان سبب الفراق تمنتاشر سنة واصل.
بعد ما ولاد المشتري مشوا والارتياح ملا المضافة، التفت عمي الكبير لبوي، وبصله بنظرة ماليانة مكر ومحبة وصاح بعلو صوته: “جرى إيه يا أبو العروسة؟ بعنا الأرض واشترينا أرض، وفرحنا ببتنا وراحت بيت جوزها.. لكن الشمل اللي اتلم ده مش عاوزه يِفِتّ واصل، وعاوزين نربطوا الحبال ببعضها عشان السلسلة متنقطعش تاني لآخر العمر.”
بوي بصله بدهشة وفرحة وقال: “شورك إيه يا خوي الكبير؟ قولي وعيني ليك.”
عمي الكبير حط يده على كتفي أنا، وبص لبوي وقال بصوت هز المضافة من البهجة: “شورى إن ولدك السند ده، الّي جالي المضافة ورجّع الأخوات لحضن بعض، ملوش مكافأة عندي واصل غير إنه يناسبني! وادك يا خوي ملوش غير بنتي (هنية)، وأنا عارض عليك النسب الغالي ده، نربطوا الدم بالدم، واللحم باللحم، ويبقى الفرح فرحين والصلح صلحين!”
الدوار كله اتقلب خية نحل من الفرحة، وبوي قام من مكانه وحضن عمي الكبير وهو عيبكي من كتر الفرحة والاحتواء وعيزعق: “ده يوم المنى يا خوي.. ده أنا أشتري نسبك بمال الدنيا كله.. يا مرحب ببت الغالي في داري!”
الشباب أولاد عمامي هجموا عليا، شالوني على أكتافهم في وسط المضافة، وصوت الزغاريد شقشقت تاني من بيوت الحريم اللي سمعوا الخبر، وبوي سحب مسدسه من تاني وخرج للبلكونة وشارع السما رصاص فرايحي جديد، يعلن للبلد كلها إن عيلة المكايرم مش بس اتصالحوا.. دول بقوا كتلة خرسانة واحدة مفيش حد يقدر يهدها واصل.
قعدت وسط ولاد عمي وأنا مش سايعاني الدنيا من الفرحة، عيني جت في عين عمي الكبير وهو عيغمزلي ويضحك، وبوي واقف وسط إخواته يخططوا لفرحي اللي هيكون بعد شهر من اليوم.. لكن وسط الفرحة دي والترتيبات، دخل ولد عمي الصغير وهو عينه في التليفون ووشه اتقلب خطف، وقرب من عمي الكبير وهمس في ودنه بخبر خلا عمي يقف بطوله وعلامات الذهول والجدية ترجع لوشه من تاني..
عمي الكبير وقف بطوله، والكل سكت في المضافة كأن على رؤوسهم الطير. بص لولد عمي الصغير وقال بصوت حازم وهادي: “قول يا ولدي.. إيه الخبر اللي يخلو وِشّك يقلب إكده وسط فرحتنا؟”
ولد عمي بلع ريقه وبص لبوي وبصلي وقال: “يا بوي.. المحافظ ومدير الأمن بنفسهم على أول طريق البلد، ومعاهم موكب كبير وجايين يدخلوا الدوار الوجت ده واصل!”
بوي وقف مذهول وقال: “المحافظ ومدير الأمن؟! وإيه اللي يجيبهم عندنا في وقت زي ده يا خوي؟ هو فيه حاجة واصل؟”
عمي الكبير ضحك ضحكة عالية رنت في أركان المضافة، وحط يده على كتف بوي وطمنه وقال: “متخافش يا خوي.. المحافظ ومدير الأمن مش جايين بشر واصل. الناس دول لما شافوا بلد بحالها كانت قايدة نار من تمنتاشر سنة بسبب الخلافات، والنهاردة الشمل اتلم وضُرِب رصاص الفرحة والصلح اللي سمع لآخر المركز، ولما شافوا ولاد المشتري خرجوا من عندنا مرضيين والأرض رجعت لأصحابها بالحق والأصول من غير نقطة دم واحدة.. عرفوا إن كبارات البلد قعدوا وصَفّوا النفوس. دول جايين يباركوا الصلح الكبير، عشان عيلتنا لما بتتلم، البلد كلها بتتلم وتهدا.”
ما هي إلا دقايق، ووقفت العربيات الرسمية قدام بوابة الدوار، ودخل المحافظ ومدير الأمن ومعاهم كبارات المركز والمشايخ. المضافة اتملت هيبة على هيبتها، وبوي وعمامي السبعة وقفوا سد واحد يستقبلوهم بالترحاب والشهامة الصعيدية المعتبرة.
المحافظ سلم على عمي الكبير وعلى بوي وقال بعلو صوته قدام الكل: “أنا جيت بنفسي لغاية دِواركم العامر عشان أبارك الخطوة دي.. إحنا بقالنا سنين عانحاولوا نوفقوا بيناتكم والصلح كان عيتأجل، والنهاردة لما عرفنا إنكم قعدتوا وبقيتوا يد واحدة، جيت أقولكم إنكم ضربتوا مَثل في الأصول والوعي، والبلد دي طول ما كباراتها بخير.. هتفضل بخير.”
مدير الأمن التفت لبوي وتبسم وقال: “مبروك فرح بتكم ومبروك صلحكم يا حاج.. وصوت الرصاص الفرايحي اللي ضربتوه النهاردة، إحنا سمعناه وغمضنا عينا عنه عشان عارفين إنه رصاص فرحة ورجوع حق، مش رصاص غدر وشر.. بس عاد، كفاية ضرب نار لحد إكده عشان القانون!”
الكل ضحك في المضافة، وبوي كان حاسس إن روحه ردت له، وراسه بقت في السما وهو شايف الحكومة وكبارات البلد جايين لحد عنده يباركوا له ويهنوه بعد ما عاش سنين طويله منبوذ ومقطوع. قعدنا كلنا، ودارت كاسات الشربات والقهوة السادة، والكل شهد إن الليلة دي مش مجرد صلح عيلة.. دي ليلة تاريخية هتتحاكى بيها البلد جيل ورا جيل.
المحافظ التفت ليا وأنا واقف وسط الشباب وقال لعمي الكبير: “والعريس الزين ده.. فرحه مِتاي؟”
عمي الكبير رد بفخر: “الشهر الجاي يا سيادة المحافظ.. وهتكون ليلة ينورنا فيها الكل.”
الموجة عَدّت على ألف خير، والكل مشي والبهجة مأمنة المكان. قعدنا أنا وبوي وعمامي نقفلوا سهرتنا الكبيرة، وبوي بص لعمي الكبير وقال والدموع عتنزل من الفرحة: “أنا الليلة هنام وأنا مطمن يا خوي.. بتي صينت، ووادى خطب ست البنات، وظهري اتسند بيكم.”
عمي الكبير ابتسم وبص للشباب وقال: “خلاص عاد.. اجهزوا يا رجالة عشان فرح ولد عمكم الشهر الجاي.. والّي هيحصل فيه، مفيش حد في الصعيد كله هيتخيله واصل..”
ومرت الأيام سريع كيف لمح البصر، وجاء اليوم الموعود.. ليلة فرحي على “هنية” ابنة عمي الكبير.
الدوار الكبير كان متشيك وزاهي بكهارب ملونة واصلة لحد السحاب، والمزامير البلدي والطبول مدورة من الفجر، والبلد بحالها جفت على رجلها؛ الصغير قبل الكبير، والغريب قبل القريب، الكل جاي يتفرج على الفرح اللي هيجمع لحم العيلة ويدق مسمار الصلح لآخر العمر.
وقفت أنا وبوي في وسط الساحة، لابسين الجلاليب السكروتا المعتبرة، والشيلان الكشميري على أكتافنا. بوي كان عيلف بين المعازيم وعيونه عتـشِع نور وفخر، مشيت منه كسرة العين والوحدة لآخر العمر، وبقى يدور وسط الناس وسنده وعزوته محوطينه. السبع رجالة، أعمامي الجبال، كانوا واقفين في استقبال الضيوف، والـ أربعة عشر شاب، أولاد عمامي وإخواتي، ماليين المكان حركة وهمة، يخدموا الصغير قبل الكبير بضحكة وصدر رحب.
نزلت “هنية” بفستانها الأبيض الطاهر كيف الملاك، وأبوها عمي الكبير ماسك يدها، ويمشي بخطوات وزينة لحد ما وصل عندي، وسلمني يدها وحطها في يدي، وقال بصوت هز القلوب من الفرحة والشجن: “أمانتك يا ولد أخوي.. لحمي ودمي وصية في رقبتك ليوم الدين.”
حطيت يدها فوق راسي وقلت: “في عيوني يا عمي، دي جوهرة المكايرم وصيانة عمايمنا كلها.”
في اللحظة دي، بوي وعمي الكبير اتقدموا في وسط الساحة، ورفعوا العصي الأبنوس، ونزلوا يرقصوا مع بعض على نغمات المزمار الحامية. الشباب كلهم عملوا حلقة واسعة حواليهم، وبدأ ضرب النار الفرايحي يشتغل من تاني، لكن المرة دي مكانش ضرب خوف ولا إعلان قوة وبس.. ده كان عزف فرحة صفت النفوس تماماً. تلاحمت الأصوات، واختلطت زغاريد الحريم بصوت الرصاص والطبول، والكل كان عيهتف ويبارك للعيلة اللي رجعت أقوى من الأول مية مرة.
وبعد ما تمت الليلة على ألف خير، والكل بارك وهنّا ودخلت بيتي متصان ومجبور الخاطر، قعد بوي وعمي الكبير على عتبة الدوار لجل ما يشوفوا الفجر وهو عيشقشق وينور سماء البلد بعد ليلة العمر.
بوي بص لعمي الكبير، واخد نفس طويل ماليان رضا، وقال: “سبحان العاطي يا خوي.. دارت الأيام ولفت، وعرفنا قيمتنا الحقيقية.”
وهنا عاد، نطق عمي الكبير بـ **الحكمه** الغالية اللي اتكتبت بماء الذهب وخلاصات السنين، وبص لبوي وقال:
> “اسمع ووعى يا خوي، وسمّع ولدك والجيل اللي طالع.. **المال تروح وتيجي، والأرض تتسرق وتتباع وتتعوض بمال الدنيا.. لكن الأخ ملوش عوض واصل، والدم عمره ما يبقي مية.**
> الغريب مهما طال وِدّه وعِلي مقامه، وقت الضيقة عيقيسها بالربح والخسارة، لكن أخوك ابن أبوك عيقيسها بالعرض والكرامة. زمان لما اتفرقنا، طمع فينا الغريب وافتكرنا قليلين حيلة، ولما اتلمينا وبقينا يد واحدة، انكمش الشر وخاف الكل من هيبتنا ورجع الحق لأصحابه من غير ما نرفع سلاح في وش حد.
> حكمتك في الدنيا يا ولدي: **العزوة مش بكتر الفلوس، العزوة بالظهر اللي تسند عليه وأنت مغمض عينك.. طول ما الأخوات لقمة واحدة وفي ظهر بعض، يهدوا بلاد، ومفيش قوة فوق الأرض تقدر تكسر ليهم عِمّة واصل.**”
>
وانتهت حكايتنا والكل مرضى، والشمل ملموم، والصلح داق وتد في طين الدوار الكبير لآخر العمر.
