حكايات اسما السيد
**كل صباح… جارتي سحر كانت بتنزل 3 أو 4 وأوقات 5 أكياس زبالة ضخمة قدام البيت. وفي يوم فتحت واحد منهم… وياريتني ما عملت كده.**
سحر كانت من النوع اللي أول ما تشوفه تحس إن حياته كلها مترتبة. كانت ساكنة في فيلا شيك في **التجمع الخامس**، والجنينة قدام بيتها متقصوصة بالمسطرة، والورد مزروع بعناية، وعربيتها الـSUV اللامعة عمرها ما كان عليها تراب.
إحنا ماكناش أصحاب، لكن كل صباح لما نتقابل قدام البيوت، كانت تبتسم وتقول:
“صباح الخير.”
الشيء الوحيد الغريب فيها… كان الزبالة.
كل يوم حوالي الساعة سبعة الصبح، كانت تخرج وهي لابسة شبشب وروب بيت وردي منفوش، وتفضل تزق أو تجر وراها تلاتة أو أربعة، وأوقات خمسة أكياس زبالة سودا ضخمة.
وماكانوش أكياس مطبخ عادية.
دول كانوا أكياس مقاولات كبيرة جدًا، متحشية لدرجة إنها كانت ساعات تقف نص المشوار في المدخل تاخد نفسها قبل ما تكمل لحد الرصيف.
في الأول ما اهتمتش.
لكن في يوم، وأنا بافطر، مراتي **نهى** بصت من الشباك وقالت:
ـ هو إنت عمرك فكرت إيه اللي جوه الأكياس دي؟
ضحكت وقلت:
ـ يعني هيكون إيه… زبالة.
لكن كلامها فضل في دماغي.
إحنا بيتنا كله بالعافية بيطلع كيس واحد في اليوم.
أما سحر… فكانت كل أسبوع بترمي كمية تكفي تملا حاوية كبيرة.
ولا كانت بتشطب البيت.
ولا عندها مشروع.
ولا بتجيب عفش جديد كل شوية.
ولا حتى بتنضف مخزن قديم.
ماكانش فيه أي سبب منطقي يخليها ترمي الكمية المرعبة دي كل يوم.
ومن ساعتها…
بقيت كل صباح أبص عليها من غير ما أحس.
يوم التلات، سحر خرجت بدري وركبت عربيتها ومشيت قبل عربية الزبالة ما توصل.
بصيت يمين وشمال في شارعنا الهادي.
محدش كان موجود.
عديت الشارع بهدوء، ووقفت قدام واحد من الأكياس.
كل اللي كنت ناوي أعمله إني أبص بصّة سريعة، وأشبع فضولي وخلاص.
فكيت الرباط البلاستيك ببطء…
وأول ما فتحت الكيس…
كل شعر جسمي وقف من الرعب.
أول حاجة شفتها كانت… لعب أطفال.
عرسة كبيرة بعين واحدة.
عربية سباق مكسورة.
دب بني قديم متبهدل، باين عليه إنه كان بيتحضن كل ليلة.
وقفت مستغرب.
يعني كل ده لعب؟
لكن وأنا بقلب بإيدي، بدأت أشوف حاجات أغرب.
كراسات مدرسة.
رسومات أطفال متعلقة بمشابك صغيرة.
شهادات تقدير.
كتب تلوين.
ألبومات صور متقطعة نصين.
هدوم أطفال متنية بعناية كأن حد غسلها ولسه هيحطها في الدولاب.
الغريب إن كل حاجة كانت نظيفة.
مفيش أكل فاسد.
مفيش ريحة زبالة.
ولا أي حاجة المفروض تكون في كيس قمامة.
كأن حد كان بيرمي… حياة كاملة.
سمعت صوت عربية في آخر الشارع.
قفلت الكيس بسرعة ورجعت بيتي قبل ما حد يشوفني.
لكن الفضول بقى أكبر بكتير.
طول اليوم وأنا في الشغل مش قادر أركز.
مين يرمي كل الذكريات دي؟
وليه؟
ولما رجعت البيت بالليل، حكيت لنهى.
أول ما وصفت لها اللي شفته، وشها اتغير.
قالت:
ـ يمكن كانت مطلقة… أو ابنها مات.
هززت دماغي.
ـ لو ده حصل، أكيد مش هترمي كل حاجة بالطريقة دي… وكل يوم.
تاني يوم الصبح، وقفت من ورا الستارة أراقبها.
سحر خرجت بنفس الروب الوردي.
كانت شايلة أربع أكياس كبار.
لكن المرة دي…
كانت بتعيط.
مش بصوت عالي.
دموعها كانت بتنزل وهي بتحاول تزق الأكياس ناحية الرصيف.
وقفت لحظة، مسحت وشها، وبعدين رجعت جابت كيس خامس.
لأول مرة، حسيت إن الست دي شايلة حمل أكبر بكتير من وزن الأكياس.
بعد ما مشيت، نزلت بسرعة.
فتحت كيس تاني.
المرة دي لقيت صور.
كل الصور تقريبًا لطفل عنده حوالي عشر سنين.
مرة على البحر في إسكندرية.
مرة في عيد ميلاده.
مرة لابس يونيفورم مدرسة.
وفي كل صورة…
كان فيه نفس الطفل.
لكن الغريب إن وشه في كل الصور كان متقطع بالمقص.
اتجمدت في مكاني.
حد قاصص وش الطفل من كل الصور بعناية شديدة.
وبين الصور لقيت ظرف أبيض.
كان مكتوب عليه بخط واضح:
**”متفتحش… لو لقيت الظرف ده يبقى أنا فشلت.”**
إيدي بدأت ترتعش.
بصيت حواليّا.
الشارع فاضي.
فتحت الظرف ببطء…
وأول سطر قريته خلاني أحس إن الأرض بتميد بيا:
**”لو حد غيري بيقرا الرسالة دي… يبقى ابني رجع تاني.”**
فضلت واقف مكاني، والورقة بترتعش بين صوابعي.
قريت السطور اللي بعدها بسرعة:
**”اسمي سحر… ولو الرسالة دي وصلت لحد، فأنا محتاجة حد يصدقني. ابني عمر مات من سنتين، لكن من حوالي ست شهور… بدأت أحس إنه رجع.”**
شهقت من غير ما أحس.
كملت القراءة.
**”مش قصدي إنه رجع للحياة… لكن وجوده بقى في البيت. كل ليلة كنت بصحى ألاقي لعبه متحركة من مكانها، ورسومات جديدة على الحيطة، وأسمع صوته بيناديني: يا ماما.”**
بلعت ريقي بصعوبة.
الرسالة كانت مكملة:
**”الدكتور النفسي قال إني بعاني من صدمة بعد وفاة ابني. قال إن كل اللي بشوفه مجرد هلاوس. حاولت أصدقه، لكن كل ما أرمي حاجة كانت تخص عمر… كانت بترجع تاني لمكانها في أوضته.”**
رفعت عيني ناحية بيت سحر.
الستارة في الدور التاني كانت بتتحرك.
كأن حد واقف وراها.
قفلت الظرف بسرعة ورجعت بيتي.
—
طول الليل، كلام الرسالة كان بيلف في دماغي.
نهى قالت لي:
“يمكن الست تعبانة نفسيًا، ومحتاجة علاج.”
حاولت أقتنع بكلامها.
لكن كان فيه سؤال واحد مش لاقي له إجابة…
لو كل الحاجات دي كانت بترجع، إزاي لقيتها جوه أكياس الزبالة؟
—
تاني يوم الصبح، خرجت بدري.
لقيت عربية إسعاف واقفة قدام بيت سحر.
قلبي وقع.
جريت ناحية البيت.
واحد من المسعفين قال إنهم لقوها مغمى عليها في الجنينة، والجيران بلغوا.
قبل ما يقفّلوا باب العربية، سحر فتحت عينيها وشافتني.
رفعت إيدها بالعافية، وقالت بصوت واطي:
“الرسالة… قريتها؟”
اتجمدت.
هززت راسي بالإيجاب.
قالت وهي بتنهج:
“يبقى لازم تدخل البيت… قبل الليل.”
وبعدين فقدت الوعي.
—
فضلت واقف قدام بيتها أكتر من ساعة.
وفي الآخر، خدت القرار.
كان معايا مفتاح احتياطي للبيت، لأن سحر كانت سايباه مع كل الجيران للحالات الطارئة.
دخلت.
البيت كان نضيف ومرتب بشكل غريب.
لكن أول ما طلعت الدور التاني…
وقفت.
آخر طرقة كانت فيها أوضة مقفولة.
وعلى الباب لافتة صغيرة مكتوب عليها:
**”أوضة عمر.”**
فتحت الباب بهدوء.
الأوضة كانت كاملة…
سرير مترتب.
ألعاب في أماكنها.
هدوم مكوية.
وكأن طفل لسه ساكن فيها.
لكن أكتر حاجة شدت انتباهي…
كانت النتيجة المعلقة على الحيطة.
شهادة وفاة باسم:
**عمر محمود عبدالرحمن**
تاريخ الوفاة…
كان من سنتين بالضبط.
وبجانبها مباشرة…
صورة حديثة مطبوعة.
واضح إنها متصورة من كام يوم بس.
الصورة كانت لسحر وهي نايمة على الكنبة…
وواقف جنبها نفس الطفل.
حاطط إيده على كتفها…
وبيبص للكاميرا وهو بيبتسم.
حسيت إن نفسي اتقطع.
قربت من الصورة وأنا بحاول أقنع نفسي إنها فوتوشوب… أو مقلب سخيف.
لكن الورق كان جديد فعلًا.
والصورة طالعة من طابعة منزلية.
قلبت الصورة من ورا.
كان مكتوب بقلم أزرق:
**”أنا لسه هنا… متخافيش يا ماما.”**
خط طفل.
وقفت مكاني ثواني طويلة.
بعدها بدأت أفتش الأوضة كلها.
فتحت الدولاب.
لقيت هدوم متعلقة بالمقاس الصغير.
فتحت أول درج.
كان مليان عربيات لعبة، وساعة أطفال، ونضارة شمس بلاستيك.
أما الدرج الأخير…
فكان فيه كاميرا رقمية قديمة.
شحنتها دقائق، ولما اشتغلت لقيت عليها عشرات الصور.
كلها قديمة…
إلا آخر خمس صور.
اتصورت من أسبوع.
الصورة الأولى كانت لسحر وهي نايمة.
الثانية للمطبخ بالليل.
الثالثة للجنينة.
الرابعة…
خلتني أقعد على الأرض.
كانت سيلفي.
الكاميرا مرفوعة كأن طفل ماسكها.
ظاهر فيها جزء من وش طفل صغير بيضحك…
لكن نص وشه خارج الكادر.
أما الصورة الخامسة…
فكانت ليا.
أنا.
واقف قدام بيت سحر الصبح وأنا بفتح كيس الزبالة.
الكاميرا كانت متصورة من شباك أوضة عمر.
جسمي كله ساق.
أنا ماكنتش لوحدي.
كان فيه حد شايفني.
—
نزلت أجري من البيت.
لكن قبل ما أخرج، خبطت في الراجل الكبير اللي بيشتغل جنايني عند آخر الشارع.
بص لي وقال:
“دخلت بيت سحر؟”
قلت بسرعة:
“إنت تعرفها؟”
هز راسه وقال:
“أعرفها من وهي طفلة… وعرفت عمر من يوم اتولد.”
سألته:
“ابنها مات إزاي؟”
سكت شوية وقال:
“غرق.”
استغربت.
“غرق؟”
قال:
“كان عندهم حمام سباحة صغير. سحر كانت جوه بترد على تليفون، ولما خرجت… لقت عمر واقع في المية.”
تنهد وكمل:
“من يومها وهي بتلوم نفسها.”
—
بعد يومين خرجت سحر من المستشفى.
روحت أزورها.
أول ما شافتني قالت:
“دخلت أوضة عمر… صح؟”
قلت:
“أيوه.”
ابتسمت ابتسامة حزينة.
وسألتني:
“وشفت الصورة؟”
هززت راسي.
قالت بهدوء:
“الصورة دي أنا اللي طبعتها.”
بصيت لها باستغراب.
قالت:
“كل اللي في الرسالة كان كدب.”
مافهمتش.
قالت وهي بتبكي:
“أنا كنت بختلق أي حكاية… عشان أهرب من الحقيقة.”
سألتها:
“إيه الحقيقة؟”
قالت:
“من بعد وفاة عمر… بقيت محتفظة بكل حاجة تخصه. هدومه… لعبه… كراساته… حتى مناديله الورق.”
“كل يوم كنت أشتري حاجات تشبه حاجاته… وأحطها في أوضته.”
“البيت اتحول لمخزن كبير.”
“الدكتور قال لي لازم أبدأ أتخلص من متعلقاته بالتدريج، وإلا عمري ما هتعافى.”
“عشان كده كنت كل يوم أرمي كام كيس… وأرجع أعيط.”
سألتها:
“طيب… والصورة اللي فيها عمر؟”
ابتسمت وهي بتمسح دموعها.
“دي آخر صورة حقيقية ليه.”
“استعنت بحد متخصص يركبهالي جنب صورتي.”
“كنت محتاجة أتخيل إنه لسه معايا… ولو مرة واحدة.”
سكتنا.
بعدها طلعت من درج الكومودينو ورقة صغيرة.
ناولتهالي.
كانت رسالة بخط إيدها.
قالت:
“كنت ناوية أحرقها… بس احتفظ بيها.”
فتحتها.
كان مكتوب فيها:
**”الشفا مش معناه إني أنساك… الشفا معناه إني أتعلم أعيش، وأنا فاكراك في قلبي، مش محبوساك في أوضة مقفولة.”**
بعدها بشهور، أوضة عمر اتفضت.
اتبرعت سحر بكل ألعابه وهدومه لجمعية أطفال أيتام.
وزرعت مكان حمام السباحة جنينة صغيرة مليانة ورد أبيض.
ومن يومها…
لما كنت أشوفها الصبح، ماكنتش بتجر خمس أكياس زبالة.
كانت بتنزل بكيس واحد صغير…
وفي وشها ابتسامة هادئة لأول مرة.
وأنا كمان اتعلمت درس عمري ما هنساه:
**مش كل كيس زبالة بيكون مليان نفايات… ساعات بيكون مليان ذكريات، ووداع مؤلم، ومحاولة أخيرة للبدء من جديد.**
تمت