10 سنين حكايات رومانى مكرم 2

الحاجة فاطمة اتسمرت مكانها على السلم، ووشها جاب ميت لون، ونادية وهدى قربوا من عم محمد وعينيهم هتاكل الورقة اللي في إيده. هدى زعقت بصوت مرعوب: *”ورقة إيه دي يا عم محمد؟ أنت جاي تخرف وتقول إيه؟ أبويا كاتب كل حاجة لأمي من عشرين سنة والكل عارف كده!”*

عم محمد ابتسم بثقة ورفع نظارته وقال بصوت جهوري مسمع الشارع كله والجيران اللي واقفين في البلكونات: *”أبوكِ يا هدى، الله يرحمه، كان راجل عادل وبيخاف ربنا، ولما كتب الحاجة لـفاطمة زمان، كتبها عشان كان خايف عليها من غدر الزمن لو جرى له حاجة وهي لسة شباب، بس قبل ما يموت بسنتين، لما لقى المعاملة بتتغير ولقى التفرقة واضحة بين كريم وأخواته، جالي المكتب وعمل ‘عقد قسمة واختصاص’ ومعه ‘عقد بيع ابتدائي’ مؤرخ بتاريخ أحدث من عقد أمكم!”*

كريم خطى خطوة لقدام، وعينيه لمعت بدموع صدمة وأمل: *”يعني إيه يا عم محمد؟ فهمنا؟”*

عم محمد بص لكريم وطبطب على كتفه: *”يعني أبوك باع لك الشقة دي بعقد بيع قطعي ونهائي، وممضي منه ومن شهود من أصحاب المحلات اللي تحت في الشارع، والأكتر من كده.. الأرض اللي مبني عليها البيت نفسه، أبوك عمل فيها عقد شراكة بينك وبينه بالنص، وكاتب في العقد إن البيع لأمك كان بيع صوري لا ينفذ إلا بعد وفاتها وفي حدود نصيبها الشرعي بس لو مفيش قُصر، والعقد اللي معايا بيقيد تصرفها تماماً!”*

وجوز هدى اتراجع لورا وهو بيبص لهدى ونادية بغيظ: *”يعني إيه؟ يعني الورق اللي أمك مضت عليه الصبح ملوش قيمة؟”*

عم محمد رد عليه بحسم: *”ملوش أي قيمة قانونية، وامتداحه يعتبر بيع ملك الغير وباطل بطلان مطلق، وأنا بكره الصبح هرفع دعوى صحة ونفاذ وعقد حظر تصرف، والرجالة اللي أنت جايبهم دول لو لمسوا قشة من العفش، هعمل محضر ببلطجة وترويع، وهحبسك أنت وهم!”*

الرجالة الغُرب اللي كانوا مع جوز هدى بصوا لبعض، وبدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني وهما بيبرطموا: *”احنا ملناش دعوة بمشاكل عائلية وقضايا محاكم.. السلام عليكم”*. وجوز هدى شد مراته من إيدها ودخلوا شقة الحاجة فاطمة ورزعوا الباب.

الحاجة فاطمة قعدت على السلم ومش قادرة تشيل طولها، وبصت لعم محمد بغل وقالت: *”عملتها فيا يا عبد العزيز بعد موتك؟ بتأمن ابنك مني؟”*

كريم نزل على ركبه قدام أمه على السلم، وقال والدموع نازلة من عينيه: *”أبويا مأمنيش منك يا أمي.. أبويا كان بيحميكي من نفسك ومن طمع أخواتي اللي خلاكي عايزة ترمي ابنك ولحمك في الشارع.. الفلوس عمتكم لدرجة دي؟”*

سحبنا عم محمد ودخلنا شقتنا، وقعدنا ونفسنا بدأ يهدى، بس عم محمد بص لكريم وقالي: *”يا كريم يا ابني، المعركة لسة مخلصتش.. أمك وأخواتك مش هيسكتوا، والنوع ده من القضايا بياخد وقت في المحاكم، وهما طالما دخلوا في سكة البيع والشراء والبلطجة، يبقى هيحاولوا يضيقوا عليكم العيشة بكل الطرق عشان تزهقوا وتمشوا.. لازم تفتحوا عينيكم وسط راسكم”*.

فعلاً، كلام عم محمد كان صح.. من تاني يوم، الحرب الباردة بدأت.

الحاجة فاطمة وبناتها قطعوا الماية عن شقتنا من المحبس الرئيسي اللي تحت في مدخل البيت، ولما كريم نزل يفتحه، لقى هدى واقفة له بسكين مطبخ وبتقول: *”والله لو لمست المحبس لأصوت وألم عليك أمة لا إله إلا الله وأقول بتتهجم عليا!”*

ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بالليل واحنا نايمين، سمعنا صوت خربشة غريبة برة الباب وصوت مياه بتتدفق بغزارة.. جريت فتحت الباب أنا وكريم، ولقينا الصدمة اللي خلت كريم يمسك دماغه ويزعق من قمة رأسه…

وجريت فتحت الباب أنا وكريم، ولقينا الصدمة اللي خلت كريم يمسك دماغه ويزعق من قمة رأسه!

المدخل قدام باب الشقة كان غرقان ماية، بس مكنتش ماية عادية.. دي كانت ماية مجاري ملوثة بريحة تِقرف، نادية وهدى كانوا واقفين فوق السطوح بعد ما سدوا ماسورة الصرف الرئيسية بتاعة شقتنا بحجارة وإسمنت، فالماية ردت كلها عندنا وغرقت الصالة وبدأت تدخل على العفش والسجاد.

كريم صرخ بعلو صوته: *”حرام عليكم! الولاد نايمين جوة وهيتخنقوا من الريحة! للدرجة دي بقيتوا شياطين؟”*

من فوق السطوح، جه صوت هدى الشمتان وهي بتضحك: *”عشان تعرفوا إن الله حق، ولسة.. البيت ده طول ما أنتوا فيه مش هتشوفوا يوم نظيف، يا تمشوا بالذوق يا هنعيشكم في المجاري!”*

كريم كان هيموت من القهر، نزلنا بسرعة في نص الليل نلم الحاجات المهمة، والولاد صحيوا مفزوعين من الصريخ والريحة. كريم نزل الشارع وطلب سباك وطوارئ الحي، وبدأنا ننظف ونشيل القرف ده وإيدينا بتترعش من التعب والدموع.

على الفجر، والسباك شغال بيحاول يسلك الماسورة اللي سدوها، لقيت الحاجة فاطمة طالعة على السلم وساندة على بنات الاثنين. بصت لكريم وهي شمتانة وقالت ببرود: *”شفت يا كريم؟ آخرة عنادك معايا؟ هعيشك في القرف إنت ومرادك وولادك، والبيت ده لو ممشيتش منه، هبيعه هد وبلا مأوى للكل، وهخلي المقاولين يجوا يهدوا السقف فوق دماغكم.. أنا بايعة بايعة، وأعلى ما خيلك اركبه أنت والمحامي بتاعك!”*

كريم وقف ووشه مليان طين ومسح عرق جبينه وبص لأمه ونادية وهدى وقال بصوت هادي وقاتل، الهدوء اللي بيسبق الزلزال: *”بقى كده يا أمي؟ بايعة بايعة؟ وناويين تهدوا السقف فوق ولادي؟”*

طلع كريم تلفونه من جيبه، وطلب رقم، واستنى ثواني وقال: *”أيوة يا فندم.. أنا كريم عبد العزيز.. البلاغ اللي قدمته الصبح أنا بأكده دلوقتي، ومعايا المحامي بتاعي وعقود الملكية الرسمية، والناس اللي بلغت عنهم موجودين دلوقتي في البيت وبيهددوا بهد المبنى وتعريض حياة سكان للخطر”*.

نادية وهدى ضحكوا باستهزاء، ونادية قالت: *”أعلى ما في خيلك اركبه، البلاغ ده بيلوا بيه الملوخية، البيت باسم أمنا برضه ومحدش يقدر يمنعها تبيع لأي مقاول يهد!”*

مفاتش نص ساعة، والنهار كان بيشقشق، وسمعنا صوت سرينة عربية شرطة وقفت تحت البيت، ومعاها عربية تانية سوداء نزل منها راجل ببدلة رسمية ومعاه مهندس من الإدارة الهندسية بالحي وعم محمد المحامي كان معاهم!

كلنا نزلنا المدخل، والحاجة فاطمة وبناتها وقفوا ورا البوابة مذهولين. الضابط دخل وقال بصوت حازم: *”مين هنا فاطمة عبد الرحمن وبناتها نادية وهدى؟”*

هدى طلعت وهي بترتعش: *”أنا هدى.. في إيه يا باشا؟ ده بيت عيلة وبنربي أخونا!”*

عم محمد المحامي خطى لقدام وطلع محضر رسمي مختوم بختم النسر وقال: *”لا يا روح أمك.. ده مش بيت عيلة بس، ده مبنى خاضع لقانون حظر التصرف والهدم طالما فيه نزاع قضائي مقيد، وأستاذ كريم قدم الصبح إقرار “قرار تمكين وبلاغ بإتلاف الممتلكات وتعريض حياة أطفال للخطر”، والمهندس المعاين أهو شاف ماسورة الصرف اللي سديتوها عمداً عشان توقيع الضرر الصارخ!”*

الضابط بص للحاجة فاطمة وبناتها وقال بلهجة لا تقبل النقاش: *”الحاجة فاطمة، وبناتها نادية وهدى، وجوز هدى.. مطلوبين فضلًا للمركز حالا بتهمة التخريب العمدي، ومحاولة طرد سكان بالقوة، والإتلاف. اتفضلوا معانا من غير شوشرة”*.

نادية وهدى وشهوم اتقلب وبدأوا يصوتوا ويستنجدوا بالجيران، والحاجة فاطمة قعدت على الأرض وهي بتعيط وتلطم: *”يا لهوي! بناتي هيتحبسوا؟ ابن بطني بيحبس إخواته وأمه؟”*

كريم قرب من أمه، وبص في عينيها لأخر مرة بنظرة وداع للماضي، وقالها كلمة واحدة خلت هدى ونادية يتصدموا والضابط يطلب الكلبشات…

كريم قرب من أمه، وبص في عينيها لآخر مرة بنظرة وداع للماضي، وقالها كلمة واحدة خلت هدى ونادية يتصدموا والضابط يطلب الكلبشات: *”القانون!”*

قال كريم الكلمة دي وهو بيلتفت للضابط ويقول: *”أنا مش هتنازل عن المحضر يا فندم، والكلبشات دي مكانها الإيد اللي حطت الإسمنت والسم في بيتنا عشان تموت ولادي، والإيد اللي سرقت شقا عمري وعرق جبيني”*.

اتحركت القوة وخدت نادية وهدى وجوزها، والحاجة فاطمة كانت بتجر رجليها وراهم وهي بتعيط وتندب حظها، والمنطقة كلها كانت واقفة تتفرج على آخرة الطمع والظلم. البنتين اللي كانت الحاجة فاطمة شايفة إنهم “أحسن من ميت راجل” وسندها في الدنيا، كانوا بيصرخوا ويشتموا في بعض وفي أمهم وهما راكبين عربية البوكس، كل واحدة فيهم بتتهم التانية إنها السبب في المصيبة دي وعينها على الأملاك اللي ضاعت.

مرت شهور المحاكم طويلة وصعبة، بس عم محمد المحامي كان زي الأسد. المحكمة حكمت ببطلان عقد البيع الصوري اللي الحاجة فاطمة عملته لهدى، وتثبيت عقد البيع والشراكة الشرعي القديم بتاع حمايا الله يرحمه لكريم. مش بس كده، المحكمة ألزمت الحاجة فاطمة برد كل الأموال اللي كريم كان بيديها لها “تشيلها للزمن” بعد ما عم محمد أثبتها بتحويلات بنكية وشهود، وصدر حكم بحبس نادية وهدى وجوزها ست شهور مع إيقاف التنفيذ وتعويض مالي كبير لكريم عن التلفيات.

بعد الحكم، الحاجة فاطمة رجعت بيتها مكسورة، بناتها سابوها وتبروا منها بعد ما عرفوا إن الأملاك مش هتتنقل باسمهم، ونادية سافرت لجوزها الخليج وهدى قاطعت أمها تماماً. كريم، بأصله ونظافة قلبه، مقدرش يسيب أمه لوحدها وهي في السن ده. نزل لها، وباس على راسها وقال لها: *”أنا ابعث لك قرشك اللي المحكمة حكمت بيه لحد عندك يا أمي، ومش هسيبك محتاجة حاجة.. بس الشقة فوق بتاعتي وبتاعت ولادي، والود اللي انكسر مش هيرجع تاني”*. الحاجة فاطمة بكت بدموع الندم وقالت له: *”سامحني يا ابني، البنات رموني بعد ما المصلحة خلصت، وأنت اللي صنتني”*.

قعدت أنا وكريم في شقتنا، وبصينا لولادنا وهم بيلعبوا في الأمان اللي حاربنا عشانه عشر سنين، وعرفت إن الحق ممكن ينام بس عمره ما بيموت.

### 💡 الحكمة من القصة:

> **”العدل أساس البيوت، والطمع مقبرة الصاحب.”**

> التفرقة بين الأبناء هي أول مسمار في نعش العائلة، والولد والبنت كلاهما رزق ونعمة من الله، لا يقاس الفضل فيهما بالنوع بل بالبر والتقوى. ومن يظلم ولده ليُرضي طمعه، سيكتشف في النهاية أن المال يفنى، وأن من اشترى بالباطل باعه الباطل في أول محطة، وأن بر الأبناء لا يُشترى بالبيوع الصورية بل بالعدل والمحبة.

>

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *