حكايات امانى السيد 2
دخلت فوزية وبنتها الصالون، بس المرة دي قعدوا على طرف الكراسي، مكسورين، وعينيهم مش قادرة تيجي في عين أمي. البنت كانت بتبص للأوضة وبتبص لأمي بنظرة رجاء، كأنها بتدور على “أحمد” في كل ركن، بس أحمد كان جوه أوضته، سامع كل حاجة، والسكوت اللي طالع من أوضته كان أرعب من أي صريخ.
أمي قعدت ببرود يحسدوها عليه، حطت إيد على إيد وبصت لفوزية وقالت:
ـ “سامعاكي يا فوزية.. قولي اللي عندك.”
فوزية بدأت تتكلم وصوتها بيرتعش، والدموع نزلت من عينها:
ـ “والله العظيم ما كنت أعرف.. عبد العزيز جالي من يجي عشرين سنة، قال لي إنه مقطوع من شجرة، معندوش أهل ولا كان متجوز قبل كده. أنا كنت أرملة ومعايا البنت دي طفلة رضيعة، وهو اتقدم لي وشال البنت ورباها وكتب لها الشقة باسمها. أنا اتخدعت فيه زيكم.. عشت مع راجل كداب، بنى حياته الجديدة على أنقاض حياتكم!”
البنت هنا قاطعت أمها وهي بتعيط بحرقة، وبصت لأمي وقالت:
ـ “يا طنط.. أنا ذنبي إيه؟ أنا عمري ما شفت منه غير الحنية، وعمري ما تخيلت إن الفلوس اللي كبرتني وعلمتني دي حق ناس تانية! أنا حبيت أحمد لخطواته، لأدبه، لقصة كفاحه اللي كان بيحكيلي عنها وفخور بيكي فيها.. مكنتش أعرف إن الكفاح ده كان بسب أبويا.. أقصد الراجل ده!”
أمي فضلت ساكتة، ملامحها متأثرتش بدموعهم، وبصت للبنت بنظرة حنان فيها حزن وقالت لها:
ـ “إنتي يا بنتي مالكيش ذنب، والظلم مش ذنب اللي اتولد فيه.. بس ذنب اللي رضي بيه. عبد العزيز عايرني بالجهل، وساب عيال لحمه ودمه يناموا جعانين، وراح يربي بنت مش بنته ويصرف عليها شقاه علشان يثبت لنفسه إنه عاش عيشة أحسن. ربنا مبيسبش يا بنتي.”
فوزية قامت وقربت من أمي، وطت على إيدها وقالت بتوسل:
ـ “أنا طردته من الشقة يا أم أحمد.. طردته بالهدوم اللي عليه ورميت له حاجته في الشارع بعد ما مشيتوا. الشقة شقة بنتي وهو ملوش حاجة عندي خلاص. أرجوكي بلاش تخربي بيت بنتك وابنك.. أحمد وضحى مالهمش ذنب في قرف عبد العزيز!”
في اللحظة دي.. باب الأوضة اتفتح.
خرج أحمد.. ملامحه كانت متغيرة، عينه حمرا من قلة النوم والعياط، بس كان فيه ثبات غريب في مشيته. وقف وبص للبنت “ضحى” اللي أول ما شافته قامت وقفت وشهقت وهي بتعيط: “أحمد..”
أحمد بص لها نظرة طويلة، نظرة ودع فيها كل الحاجات الحلوة اللي كانت بينهم، وقال بصوت هادي ومجروح:
ـ “ضحى.. إنتي بنت نظيفة، ومستواكي العلمي أو الاجتماعي مكنش فارق معايا في حاجة لأني حبيت روحك.. بس خلاص، اتقفلت.”
ضحى صرخت: “ليه يا أحمد؟ أنا ذنبي إيه؟ أنا طردته!”
أحمد لف وشه لباب الشقة وقال:
ـ “كل ما هبص في وشك، هشوف الراجل اللي كسر أمي. كل ما هفكر في الفلوس اللي جهزتِ بيها نفسك، هقول دي كانت أولى بيها أمي وهي بتخدم في البيوت عشان تجيب لنا لقمة. الجوازة دي لو تمت، هتبقى مبنية على وجع أمي.. وأنا أمي عندي بالدنيا واللي فيها. اطلبي لي بركة من ربنا إزاي وأنا كاسر خاطر الست اللي عملتني راجل؟”
فوزية حاولت تتكلم، بس أمي قامت وقفت، وفتحت باب الشقة وبصت لهم وقالت بكلمة واحدة حسمت كل حاجة:
ـ “أظن الكلام خلص.. ربنا يرزقك بابن الحلال يا ضحى يا بنتي، بس برا حكايتنا.”
خرجوا وهم بيجروا خيبتهم ودموعهم، وأحمد قفل الباب وراهم.. وسند ضهره على الباب وغمض عينه وهو بيتنفس بصعوبة. أمي قربت منه وحضنته، وهو انهار في حضنها زي العيل الصغير.
عدى أسبوع.. وإحنا بنحاول نرجع لحياتنا الطبيعية ونلملم جراحنا. كنت نازلة رايحة المستشفى بتاعتي (أنا دكتورة نسا وتوليد)، وأول ما فتحت باب العمارة وببص قدامي.. اتسمرت مكاني.
قاعد على رصيف الجهة التانية من الشارع، بهدوم مبهدلة، دبلانة، وشعره منكوش، ووشه في الأرض.. عبد العزيز!
أول ما شافني فتحت الباب، قام وقف بلهفة وجري ناحيتي، وصوته طالع مكسور وبيرتعش:
ـ “يا بنتي.. يا دكتورة.. أرجوكي اسمعيني.. أنا ماليش مكان أروح فيه!”
*(يتبع في الجزء الرابع…)*
رجعت خطوة لورا تلقائي وركبي خبطت في بعضها من الصدمة. الراجل اللي كان في نظري زمان وحش كاسر، هجرنا وداس على قلوبنا عشان يثبت رجولته، واقف قدامي دلوقتي زي الشحات! هدومه اللي كانت شيك من كام يوم اتبهدلت، والكسرة اللي في عينه كانت حقيقية، بس ملمستش شعرة واحدة من تعاطفي.
بصيت له ونبرة البرود اللي اتعلمتها من أمي ليلتها طلعت من صوتي:
ـ “بنتك الدكتورة؟ إنت بتناديني بصفتي اللي أمي شقيت عشان توصلهالي؟ إنت ليك عين تقف هنا وتطلب إننا نسمعك؟”
عبد العزيز دموعه نزلت على وشه الدبلان، وحاول يقرب يمسك إيدي، فـ رجعت خطوتين لورا وبصيت له بقرف:
ـ “إياك تلمسني! إنت مين أصلا؟ إنت مت بالنسبة لنا من عشرين سنة.. إنت مجرد غريب سببلنا عقدة في طفولتنا، والنهاردة جاي تتباكى؟”
قعد على ركبته في مدخل العمارة، وبدأ يتكلم بصوت مبحوح والناس في الشارع بدأت تبص علينا:
ـ “فوزية طردتني يا بنتي.. رمتني في الشارع وخدت مني كل حاجة. الشقة والفلوس اللي كنت بساعد بيها ضحى في جهازها، فوزية خلتني أكتب كل حاجة باسم البنت من سنين عشان تأمن مستقبلها.. ودلوقتي لما عرفت الحقيقة، خافت على بنتها وفضحتني في المنطقة ورمت حتت الهدوم اللي حيلتي ورايا. ماليش لقمة، ولا ليا سكن، ونايم بقالي يومين في الجوامع. أنا جيت لأمي.. جيت لـ ‘هنية’.. هي اللي قلبها طيب وعمرها ما شافت حد محتاج وسابته.”
ضحكت بمرارة وصوت عالي غطى على دموعه:
ـ “بتتمسح في طيبة أمي بعد ما عايرتها بجهلها؟ أمي الجاهلة دي طلعت بتفهم في الأصول أكتر من المتعلمين اللي جريت وراهم! أمي اللي بتقول عليها طيبة، هي نفسها الست اللي لو شافت بيموت قدامها دلوقتي، مش هتبص في وشك.. لأنك مش محتاج، إنت عقاب ربنا ليك نزل في الدنيا قبل الآخرة.”
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات سريعة وقوية نازلة على السلم.
أحمد!
كان نازل ورايا عشان يطمن عليا لما غبت، وأول ما عينه جت على عبد العزيز وهو راكع، ملامحه اتحولت لكتلة من الغضب. قرب بسرعة ووقف قباله، مسكه من ياقة قميصه المبهدلة ورفعه من على الأرض بكل قوته:
ـ “إنت إيه اللي جابك هنا؟ ليك عين تيجي لحد بيتنا؟ إنت مش كفاية خربت فرحتي وكسرت قلبي وقلب البنت اللي كنت هربط حياتي بيها؟ جاي هنا عايز إيه؟”
عبد العزيز كان زي اللعبة في إيد أحمد، باصص لأحمد بنظرة رعب ممزوجة بفخر غريب، وقال بصوت مخنوق:
ـ “إنت بقيت راجل يا أحمد.. بقيت مهندس تشرف.. أنا شفت اسمك على لوحة المشروع اللي في أول الشارع.. أنا أبوك يا أحمد.. لحمك ودمك!”
أحمد تف في الأرض وبص له بعين مليانة شرار:
ـ “أبويا مات وإحنا عندنا خمس سنين! أبويا هو الست اللي كانت بتصحى الساعة 4 الصبح عشان تنزل تغسل سلاليم وتمسح شقق وتجيب لنا اللقمة حلال. إنت مالكش عيال هنا.. إنت لو ملمتش نفسك ومشيت من هنا حالاً، أنا هطلب لك البوليس بتهمة التعدي، وهفضحك وسط الشارع كله!”
عبد العزيز حس إن الأبواب كلها اتقفلت في وشه، بص لأحمد وبصلي، ولسه هيتكلم.. لقينا صوت من فوق بيزعق بقوة وثبات هز العمارة كلها:
ـ “سيبه يا أحمد.. نزله من إيدك يا ابني، إيدك الطاهرة دي متلمسش واحد زيه.”
رفعنا عينينا لفوق.. كانت أمي. واقفة على أول السلم، لفت طرحتها وباصة للراجل اللي كسر عمرها.. النظرة مكنش فيها غل، كان فيها زهد.. زهد تام، كأنها بتبص لكيس زبالة مرمي في الشارع.
نزلت أمي السلم خطوة خطوة بثقة تامة، لحد ما وقفت قدامه. عبد العزيز أول ما شافها، رمى نفسه تحت رجليها وبدأ يصرخ:
ـ “سامحيني يا هنية.. سامحيني يا أم العيال.. أنا اتعميت، الشيطان وزني وعايرتك بالجهل وأنا الجاهل الحقيقي. ربنا انتقم مني وخلاني أترمي في الشارع من الست اللي فضلتها عليكي.. ارحميني وخليني أعيش في أي أوضة معاكم.. أخدمكم!”
أمي بصت له، وبعزة نفس تزلزل الجبال، وطت عليه وقالت له بصوت هادي وواضح:
ـ “إرفع راسك يا عبد العزيز.. أنا مش هقولك مش مسامحاك، لأنك أصلاً متفرقش معايا عشان أسامحك أو أدعي عليك. إنت من يوم ما سبتنا وإنت خرجت من حساباتي. ولادي اللي إنت شايفهم دول، دكاترة ومهندسين، دول بـ شقايا أنا.. بعرقي أنا.. بـ ‘جهلي’ أنا اللي علمتهم الأصول.”
وقفت أمي بكل طولها وبصت للشارع وقالت:
ـ “إحنا مش هنرميك للبوليس، ولا ههينك، لأننا ناس نعرف الأصول.. الشارع ده واسع، اخرج منه وماتورناش وشك تاني. ولو مت من الجوع، افتكر الأيام اللي ولادك ناموا فيها وبطنهم بتعصر من الجوع وإنت بتأكل بنت فوزية من خيرك.”
لفت أمي ضهرها وقالت لنا: “يلا يا ولاد.. اطلعوا.. ورانا حاجات أهم.”
طلعنا ورا أمي، وأحمد قفل باب العمارة الحديد بقوة، وسيبنا عبد العزيز ورا الباب بيخبط ويبكي زي الأطفال.
طلعنا الشقة، وأحمد قعد في الصالة وهو بيتنفس بصعوبة، وأمي دخلت المطبخ تعمل لنا شاي كأن مفيش حاجة حصلت. بس وأنا رايحة وراها، سمعت تليفون أحمد بيرن.. وبصيت على الشاشة لقيت الاسم: “ضحى”.
أحمد بص للتليفون لفترة طويلة.. وعينه لمعت بالدموع.. وفتحت الخط!
*(يتبع في الجزء الخامس…)*
