جوزى رفض
جوزي رفض يدفع مصاريف علاج بنتي وقال أمها تشتغل وتعالجها وفي نفس الأسبوع عمل فرح ب ألف جنيه لابن ضرتي.
يوم ما الدكتور قالي إن بنتي محتاجة عملية في أسرع وقت، خرجت من العيادة وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
التكلفة كانت أكبر من كل اللي حوشته، لكني كنت متأكدة إن أبوها مش هيتردد.
روحتله التقرير وقلت
بنتك محتاجة العملية خلال أسبوعين.
بص في الورق، ورماه قدامي وقال
وأنا أعمل إيه؟
افتكرته بيهزر.
يعني إيه؟ دي بنتك!
مراته التانية كانت قاعدة جنبه، فبصلها قبل ما يرد
أمها تشتغل وتعالجها. أنا عندي التزامات أهم.
خرجت وأنا بعيط، وبنتي ماسكة إيدي وبتقولي
متزعليش يا ماما أنا مش تعبانة أوي.
اشتغلت ليل ونهار.
بعت دهبي.
واستلفت.
وكنت بعدّ كل جنيه وأنا بدعي ألحق أجمع تمن العملية.
وبعدها بأيام، فتحت فيسبوك بالصدفة
ولقيت صور فرح ابن مراته التانية.
قاعة فخمة.
عربية هدية.
دهب.
وفرح اتقال إنه كلف أكتر من 300 ألف جنيه.
وقفت قدام الصور وأنا مش قادرة أتنفس.
الراجل اللي قال ممعهوش فلوس يعالج بنته
كان بيرقص وبيوزع فلوس على المعازيم في فرح ابن مش ابنه.
لكن الصدمة الحقيقية حصلت بعد العملية بأسبوع.
جوزي جه المستشفى لأول مرة.
مش عشان يطمن على بنته.
دخل الأوضة، قفل الباب وراه، ورمى قدامي ورقة وقال
امضي.
بصيت فيها
ولقيته طالب مني أتنازل عن حاجة باسم بنتي مقابل إنه يسدد باقي مصاريف علاجها.
ضحكت.
لأول مرة من شهور، ضحكت في وشه.
وطلعت من شنطتي ظرف كنت مستنية اليوم اللي أفتحه فيه قدامه.
أول ما شاف الورق اللي جواه، وشه اتغير.
وقعد على الكرسي وهو بيقول
إنتِ جبتي ده منين؟
بصيتله وقلت
من نفس المكان اللي عرفت منه إن ال ألف جنيه بتوع الفرح مكنوش فلوسك أصلًا.
وساعتها دخل المحامي من باب الأوضة وقال الجملة اللي خلت جوزي يعرف إن فرح ابن ضرتي كان بداية نهايته
سكت المكان كله فجأة، وصرير باب الأوضة الزجاجي وهو بيقفل ورا المحامي كان صوته أشد من أي صوت في الدنيا لليلة دي. جوزي كريم منشاوي كان قاعد على الكرسي كأنه سحبوا منه كل العظام، وعيونه مش بتتحرك من الورقة اللي كانت في إيدي، واللي كان لسه ممسك ببقاياه كأنه مش مصدق إن الورق ده وصل لحد إيدي.
المحامي علي رمضان وقف بثبات جنبي، وملامحه مش بتعبر عن أي مشاعر، ورفع صوته بثقة تخلخل كل صمت في الأوضة
الجملة اللي لازم تسمعها يا سيد كريم منشاوي، إنك مش بس خليت بنتك تتعرض لخطړ المۏت بسبب بخلك وغدرك لكنك كمان استخدمت أموال مش ملكك، واخدتها من الحساب الائتماني اللي كان مخصص لصالح القاصر سلمى كريم منشاوي بنتك الشرعية ودفعت منها كل تكلفة الفرح، والهدايا، والدهب اللي شفتوه على الفيسبوك.
صړخ كريم فجأة، وقام من مكانه كأنه مچنون
كلام فاضي! كلام كله فاضي! ده الحساب ده كان باسمه بس، وأنا اللي أتحكم فيه! أنا أبوها، ماليش حق أتصرف فيه زي ما
موقع أيام نيوز
أنا عايز؟
رد المحامي ببرود، ورفع ملف كبير كان معاه، وبدأ يقرأ بصوت واضح
الحق ده مفيش منه ولا شيء يا سيد منشاوي. الحساب ده تم فتحه بناءً على وصية والدتك، السيدة فاطمة عبدالعزيز، اللي توفت قبل أربع سنين. وصيتها كانت واضحة وموثقة في الشهر العقاري كل أملاكها، والأموال اللي بتبقى من بيع أرضها ومحلاتها، تتحول لحساب مغلق باسم حفيدتها الوحيدة سلمى، ولا يحق لأحد ولا حتى أبوها يسحب ولا جنيه واحد منها إلا لغرض واحد فقط علاجها، تعليمها، أو احتياجاتها الضرورية اللي بتثبتها تقارير رسمية. وكل تصرف خارج ده الإطار يعتبر سړقة واختلاس أموال قاصر، وعقوبته مش أقل من خمس سنين سجن، ورد كل المبلغ مضاعفًا.
كان كل كلمة بتخرج من فم المحامي كأنها سهم بيضرب في قلبه. اتلفت لي، وعيونه كانت مليانة ڠضب وړعب مع بعض
إنتِ كنتِ تعرفي؟ من امتى؟
عرفت من أول يوم طلبت مني أتنازل عن حقها مقابل علاجها قلتله بصوت ثابت، مش فيه أي عاطفة ولا شفقة لما رميت لي الورقة دي، قلت في نفسي لو كان عنده حق يطلب التنازل، ليه خاېف؟ ليه مش بيقول منين جاب الفلوس؟. رحت لسيدة كانت صديقة مقربة لوالدتك، وهي اللي أخبرتني بوجود الوصية، وساعدتني أوصل للمحامي ده، اللي كان بالفعل وكيلها من سنين. والورقة اللي شفتها؟ دي نسخة من الوصية، ونسخة من كل الحركات اللي عملتها في الحساب خلال الشهرين الأخيرين. 312 ألف جنيه سحبتها على دفعات، ودفعتها كلها في فرح ابن مراتك التانية، وشراء عربية ومجوهرات له. ولا جنيه واحد وصل لبناتك.
كانت سلمى نايمة على السرير الصغير جنبنا، ووجهها كان شاحب من تأثير العملية، وكل فترة بتتحرك خفيف وتمسك بغطاها كأنها حاسة بالتوتر اللي ملي المكان. كريم بص عليها، وبعدين بص عليا، وبدأ صوته يضعف ويتحول لترجي
يا رحمة أنا كنت مضغوط! كنت عندي التزامات والولد ده ما كانش ابني، لكن والدته كانت تضغط عليا، وقالتلي لازم أثبت له مكانته، والناس كلها بتتكلم
والناس ما كانتش بتتكلم لما بنتك كانت بتعاني من ألم في بطنها كل ليلة؟ قطعته پصرخة مكتومة، ودموعي نزلت رغما عني ما كانتش بتتكلم لما الدكتور قال إن العملية لو اتأخرت أسبوع كانت ټموت؟ ما كانتش بتتكلم لما كنت أروح للعيادة وأنا ماشية حافية عشان أوفر خمسين جنيه؟ كنت بتثبت مكانته على حساب ډم بنتك يا كريم؟ كنت بتشتري سعادة ناس تانية بفلوس كانت مخصصة لإنقاذ روح بنتك؟
سكت تمامًا، ووقع الكرسي من وراه لما قعد تاني، واخد يضرب كف بكف كأنه مش قادر يصدق كل ده. المحامي كمل كلامه بهدوء
علاوة على كل ده، لدينا تقارير من البنك، وتسجيلات من الهاتف، وشهود أكدوا إنك كنت تعرف شروط الوصية تمامًا. والدتك حذرتك
قبل ما ټموت، وقالتلك إنك لو فكرت تتصرف في الفلوس دي لغير سلمى، هي هتقوم من قپرها وتاخد حقها. وبدل ما تسمع كلامها، خدت تبيع أملاكها وتصرف في فلوسها عشان فرح مش ضروري، لولد مش من صلبك.
ساعتها فتح الباب بسرعة، ودخلت سمية مراته التانية ووجهها كان أحمر من العصبية، وملابسها كانت فخمة زي ما كانت عايشة في عالم تاني غير عالمنا
فيه إيه الصوت العالي ده؟ ليه بتقفل الباب علي جوزي؟ إنتِ فكراكِ تقدر تاخده مني؟ ده لي حق فيه، وكل فلوسه لي ولابني!
بصيت لها ببطء، ومديت ليها نسخة من الوصية والحركات البنكية
فلوسه؟ ولا فلوس بنتك؟ الفلوس اللي كنتِ بتفرحي بيها وتشتري بيها دهب وعربيات، دي كانت مخصصة لعلاج بنتي، وابوكِ ولا جوزك ما كانش عنده حق ياخد منها ولا مليم. وكل ما شفتوه في الفرح ده، هو سړقة في حق قاصر.
لما قرأت السطور الأولى في الورقة، وشافت التوقيع الرسمي للشهر العقاري، وقعت الورقة من إيدها، وبدأت ترتجف
يعني إيه؟ يعني الفلوس دي مش ملكنا؟ يعني الفرح كله كان بفلوس الحړام؟ يعني جوزي هيسجن عشان ده؟
ده مش كل حاجة قال المحامي كمان لدينا شكوى من السيدة رحمة، والدة سلمى، بخصوص إهمال واجبات الأبوة، ورفض دفع مصاريف علاج ابنتها رغم قدرته المادية، وكل الأدلة موجودة التسجيلات اللي قالت فيها أمها تشتغل وتعالجها، والصور والفواتير بتاعة الفرح، وشهود من الجيران والمعارف أكدوا إنك كنت تدفع مبالغ ضخمة لمراتك التانية وابنها، وتبخل على ابنتك الشرعية بأبسط احتياجاتها.
بقوا الاتنين ساكتين، ومش عارفين يقولوا إيه. كريم حاول يقرب مني ويمسك إيدي، لكني تراجعت لورا بكل قوة
ارجع ورايا. من يوم ما رميت التقرير في وشي، وقلت لي أمها تشتغل وتعالجها، انتهى كل شيء بيننا. كنت زوجي، وكنت أبو بنتي، لكنك خسړت كل ده في لحظة غباء وجشع. كنت فاكر إنك تقدر تبيع ډم بنتك عشان تشتري رضا ناس ما تستاهلك، وطلعت في النهاية ما عندك حتى حق تتصرف في الفلوس اللي سرقتها.
بعد دقايق جاء ضباط من الشرطة، وجابوا معاهم أمر قبض على كريم منشاوي پتهمة اختلاس أموال قاصر، وإهمال واجبات الأبوة. لما شاف الضباط، صړخ واشتكى، وحاول يبرر، لكن كل كلامه كان بلا فائدة. سمية وقفت جنبه ومش عارفة تعمل إيه، لما قال لها الضابط إنها هي كمان ستكون مطلوبة للتحقيق لأنها كانت تعرف مصدر الأموال وساعدت في صرفها.
خرجوا من المستشفى وهو مكبل اليدين، وآخر نظرة ليا كانت مليانة ندم وړعب، لكن الندم ده جاي متأخر جدًا.
الأيام اللي بعدها
أيام قليلة وانتشر الخبر في كل الحي، وكل الناس اللي كانت تعرف كريم وتعجب بثروته ومكانته، بدأت تتكلم. الناس اللي كانت جاية الفرح وتقول يا سلام على الكرم والذوق، هي
نفسها اللي كانت تقول يا خسارة الراجل اللي باع ضميره عشان فرح وهمي.
اتضح كل الحقايق كريم كان عنده ديون ضخمة خباها علينا، وكل ما كان يملكه من أملاك كان بيباع ويتصرف فيه، لحد ما مفيش قدامه غير حساب سلمى. والدته كانت عارفة إنه ممكن ېغدر، فكتبت الوصية ووضعت الشروط الصارمة، وتركته تحت مراقبة المحامي، عشان يتأكد إن الفلوس تروح للي مستحقها.
خلال أسبوعين، صدر قرار من المحكمة بوقف كل أملاك كريم، ورد كل المبلغ اللي سرقه من حساب سلمى، زيادة تعويض عن الضرر المعنوي والصحي اللي تعرضت له البنت. سمية حاولت تطلب الطلاق، لكن المحكمة ألزمتها هي وابنها برد كل الهدايا والفلوس اللي اخدتها، لأنها ملك للقاصر، وكل ما اشتروه بفلوس الحړام يُباع لرد الحق.
بقيت وحدي مع سلمى، لكني ما كنتش خاېفة ولا وحيدة. كنت عارفة إن الحق رجع لصاحبه، وإن العدالة لو تأخرت ما تموتش.
الحكاية اللي كنت أخفيها
بعد ما شفيت سلمى وخرجنا من المستشفى، جيت أروح لبيت والدت كريم اللي كانت ساكنة في شقة صغيرة بعيدة عن وسط البلد، لأن كريم كان طردها من الفيلا لما تدهورت حالتها، ونساها تمامًا. كانت تعرف كل حاجة من أول يوم، وكانت تتابع أخبار سلمى بصمت، وتبكي لما تسمع إنها تعبانة، لكنها كانت خاېفة من كريم، ومش عارفة تساعد إلا بطرق خفية.
لما شافتني، حضنتني وبكت بحړقة
سامحيني يا بنتي سامحيني إني ربيت راجل ما يعرف معنى الأبوة ولا الأمانة. كنت حاولت أحذرك منه من أول ما خطبك، قلتلك ده قلبه حجر، وكل حاجة عنده للعرض والظهور، لكنك كنتِ بتحبيه، وقلتِ هغيره. للأسف هو اللي غيرك، وخلاكِ تمر بكل ده العڈاب.
قلت لها وأنا بمسح دموعها
أنا مش زعلانة منك يا طنط فاطمة، وأنا عارفة إنك كنتِ بتحاولي تساعدينا قدر استطاعتك. ووصيتك كانت أحسن هدية لينا، لأنها أنقذت سلمى، وردت الحق لصاحبه.
عرفت منها إن كريم كان دائمًا بيقارن بين سلمى وابن مراته التانية، وبيقول إن الولد ده هو اللي هيكمل اسمه، وإن سلمى بنت هتروح لبيت جوزها في يوم من الأيام. وكان بيخجل منها لأنها كانت ضعيفة، ومش بتحب الضوضاء والفرحات زي ما بيحب هو، وبيقول إنها مش من عيلة المنشاويين.
كان فاكر إن الاسم والمال هو كل شيء قالت لي ونسى إن الاسم ما بيعلوش إلا بالضمير والأفعال الصحيحة، والمال ما بيدومش لحد، وإن اللي بياخد بالباطل بيروح بالباطل.
نهاية القصة الحقيقية
مرت ستة أشهر، وسلمى شفيت تمامًا، وبدأت تروح للحضانة زي باقي الأطفال. كنت أخذت المبلغ اللي ردته المحكمة، وفتحت لي مشروع صغير لبيع الملابس اليدوية اللي كنت بحب أعملها من صغري، وبدأت الحياة ترجع لطبيعتها، ببساطة وهدوء ما كنتش أحس به من سنين.
في يوم من الأيام، كنت في
السوق، وشفت كريم. كان بيعمل يدوي في محل حلاقة صغير، وملابسه قديمة وممزقة، وعيونه غائرة، وشعره شاب كله رغم إنه ما زال في الأربعينات. لما شافني، توقف عن العمل، ووجهه احمر، ونزل راسه لارض.
ما حاولتش أتكلم معاه، ولا ألومه. كنت عارفة إن الحياة نفسها اخدت حقها منه. خسر ثروته، ومكانته، واحترام الناس، وحتى سمية طلقته وسافرت مع ابنها لمكان مجهول، وتركته يواجه نتيجة أفعاله وحيدًا. وكل يوم بيشوف ناس كانوا يخدموه ويتوسلوا له، وهم بيمشوا جنبه ولا يعرفوه، وبيضحكوا عليه في سرهم.
عديت من جنبه بسلام، ومسكت إيد سلمى اللي كانت تمشي جنبي، وقلت لها
يلا يا حبيبتي، عشان نروح نختار لك قميص جديد للحضانة.
بصت لي وابتسمت، وابتسامتها كانت أجمل ما شفت في حياتي، وكنت عارفة إن كل العڈاب اللي مررت به كان عشان أصل لهذه اللحظة.
كان كريم لسه واقف مكانه، وبص لنا ونحن بنبتعد، وسمعته بصوت خاڤت وصل لي
سامحيني يا سلمى سامحيني يا بنتي
لكن السماح مش بيجي بالكلام، ولا بالندم المتأخر. السماح بيجي لما تغير نفسك، وترجع الحق لصاحبه، وتعرف إن أغلى ما تملكه مش الفلوس ولا المكانة، بل ضميرك، وثقة الناس فيك، وحب أهلك لك مهما كانت الظروف.
واليوم عرفت أكتر من أي وقت مضى إن العدالة مهما طالت طريقها، لابد تظهر، وإن اللي بيبخل على أهله عشان يرضي الغرباء، هو اللي بيخسر كل شيء في النهاية. وإن الحب الصادق، والصبر، والتمسك بالحق، هي اللي تنصر في النهاية، مهما كانت قوة الظالم وجبروته.
وما كانش فرح ابن ضرتي بداية نهاية كريم بس بل كان بداية حياة جديدة لينا، حياة مبنية على الحق والعدالة، والثقة إن الله مش بيضيع أجر من أحسن عملًا.
