ابن أختي “أمير”2

الكل في الصالون اتجمد مكانه بعد جملة أمير. عمر بص لابنه بنظرة رعب حقيقية، وشه اتقلب تماماً وبقى يتنقل بعينه بين الباب المقفول وبين الرجالة اللي بدأوا يقربوا منه بوجوه مليانة غضب وذهول.

إيد عمر راحت لرقبته تاني، بس المرة دي كان بيقطع في جلده وضوافره بتترعش. رجع خطوتين لورا وهو بيرفع إيديه ويقول بصوت متقطع:

“ماتصدقوش.. ده.. ده تسجيل قديم! ريم كانت مريضة نفسياً وبتتخيل حاجات.. أنا ماعملتش حاجة! هي اللي وقعت.. الولد ده ملقن.. سارة هي اللي محفظاه الكلام ده عشان تاخد شقتي!”

في اللحظة دي، جوز خالتي وكبار العيلة من الرجالة هجموا عليه ومسكوه من كتافه قبل ما يفكر ينط من شباك المطبخ أو يعمل أي حركة غدر. عمر بدأ يصرخ ويدافع عن نفسه زي المجنون، بس محدش كان بيسمعله. صوته كان بيضيع وسط صريخ أمي وخالاتي اللي انهاروا تماماً بعد ما عرفوا إن بنتها ماتت مقتولة، ومش بس كده.. دي ماتت وهي بتحاول تحمي سر خطير.

أنا كنت واقفة في مكاني، الموبايل في إيدي بيرتعش، وكلام ريم الأخير في التسجيل عمال يتعاد في دماغي: *”الشنطة الكبيرة بتاعتي هتلاقي فيها…”*

بصيت لأمير اللي كان واقف جنب الباب بكل جمود، وكأنه أدى المهمة اللي أمه طلبتها منه ودلوقتي مستني الخطوة الجاية مني. قربت منه، نزلت على ركبي عشان أكون في نفس مستوى طوله، ومسكت كتافه الصغيرة وقولتله بصوت بحاول أخليه هادي:

“أمير يا حبيبي.. شنطة ماما الكبيرة فين؟ الشنطة اللي كانت دايماً بتشيل فيها حاجتها؟”

أمير بص في عيني، ولأول مرة من أول الليلة، شفت لمعة دموع محبوسة في عينيه، وقال بنبرة طفولية مكسورة:

“ماما شالتها في الدولاب القديم اللي في أوضة الكراكيب فوق السطوح يا خالتو.. قالتلي أقولك إنتي بالذات تطلعي تجيبيها أول ما الصوت يرن.. وقالتلي ماخليش بابا يشوفها أبداً.”

جوز خالتي زعق في الرجالة: “اكتفوا الراجل ده لحد ما البوليس يوصل.. كلموا النجدة فوراً، ومحدش يلمس الجثة ولا النعش لحد ما النيابة والطب الشرعي يجوا هنا!”

البيت اتقلب لخلية نحل، ناس بتصرخ، وناس بتطلب البوليس، وعمر مربوط في كرسي في الصالون وعمال يبرطم بكلام مش مفهوم وعينيه حمرا زي الدم.

أنا مأستنيتش.. أخدت كشاف موبايلي، وطلعت السلم اللي بيودي للسطوح بقلب بيتنفض. السلم كان ضلمة ومقبض، ونفس السلم اللي عمر ادعى إن ريم وقعت من عليه. كنت بحط رجلي بحذر وأنا حاسة إن روح أختي لسه حائمة في المكان وبتدفعني عشان جيب حقها.

وصلت باب أوضة السطوح، الباب كان بيزيق.. فتحته ودخلت وسط التراب والكراكيب القديمة لحد ما وصلت للدولاب الخشب المتهالك. فتحت الدرفة، وجوه كرتونة قديمة متغطية بجرانيل.. لقيت الشنطة الكبيرة بتاعة ريم.

سحبتها بسرعة، وفتحت السوستة الرئيسية.

جوه الشنطة، ماكانش فيه مجرد أوراق.. كان فيه “أجندة” مذكرات ريم، وجنبها كيس بلاستيك شفاف مقفول جواه شريط دواء فاضي تماماً، وورقة مطوية مكتوبة بخط إيد عمر!

فتحت الورقة وأنا بتهجى الكلمات اللي مكتوبة فيها، والصدمة المرة دي خلفت ركبي تخبط في بعضها.. الورقة ماكانتش تخص سرقة فلوس الشركة بس، دي كانت “وصل استلام” لمادة كيميائية سامة ومحظورة، ومكتوب في ظهرها بخط عمر: **”الجرعة المناسبة لوزن 65 كيلو.. بدون أثر في الدم بعد 6 ساعات”.**

وفوق الشريط، كان فيه فلاشة (USB) صغيرة مربوطة بخيط أسود.

أخدت الشنطة وحضنتها لصدري ونزلت جري، بس وأنا نازلة على السلم، سمعت صوت دوشة وسارينة بوليس واصلة تحت البيت.. وفجأة، سمعت صرخة مرعبة تانية جاية من الصالون.. صرخة من أمير!

نزلت السلم بجري جنوني، درجات السلم كانت بتلف بيا والشنطة داقّة في صدري زي طبول الحرب. الصرخة اللي طلعت من أمير ماكانتش صرخة خوف عادية، دي كانت صرخة حد بيتحسّر، حد بيتفاجأ بشرّ مش قادر يستوعبه.

أول ما رجلي لمست أرض الصالون، المنظر لجم طرطوف لساني.

عمر ماكانش مربوط في الكرسي زي ما سبته. جوز خالتي والرجالة كانوا واقعين على الأرض، وصينية الشاي القديمة متدغدغة ميت حتة، والدم سايح على السجادة! عمر استغل إن الكل اتلفت لبرة مع صوت سارينة البوليس، وفي لحظة غدر عميا، ضرب جوز خالتي بـ “فازة” كريستال كانت جنب الكرسي، وفك نفسه.

بس الصدمة الحقيقية ماكانتشن هنا.. عمر كان واقف عند النعش، ماسك أمير من رقبة قميصه ورافع في إيده التانية “مفك” حديد طويل كان مخبيه في جيبه، ومثبته على رقبة ابنه!

الكل واقف في الأوضة متثبت، أمي نايمة في الأرض بتصوت وتلطم على وشها، وخالاتي بيترجوه. وعمر وشه كان غرقان عرق، وعينيه جاحظة لبرة، وإيده اللي ماسكة المفك عمالة تتهز وتروح وتيجي على رقبة أمير وهو بيصرخ فينا:

“والله العظيم اللي هيقرب خطوة لأغرزه في رقبته! ابعدوا عن الباب! افتح يا ولد الباب بقولك!”

أمير كان وشه أزرق، الدموع نزلت لأول مرة على خدوده بس ماكانش بيصرخ، كان بيبصلي وأنا واقفة على باب الصالون وحاضنة الشنطة، وبيهز راسه بـ “لأ”.. كأنه بيقولي: *ما تديلهوش الشنطة يا خالتو.*

عمر لقطني بعينيه، وشاف الشنطة الكبيرة في إيدي. ملامحه اتقبضت وبقى ينهج زي الكلب السعران:

“سارة!.. الشنطة دي تجيلي هنا.. ارميها تحت رجلي فوراً وإلا هلحقه بأمه دلوقتي! إنتي فاهمة؟”

في اللحظة دي، الباب الخارجي للشقة اتكسر، ودخل منه ضابط المباحث ومعاه تلاتة عساكر بسلاحهم. الضابط أول ما شاف المنظر، رفع مسدسه بسرعة وثبته على عمر:

“نزل السلاح اللي في إيدك ده وسلم نفسك! البيت كله محاصر!”

عمر ضحك ضحكة هستيرية مرعبة، ورجع لورا خطوتين وهو ساحب أمير معاه، لحد ما ظهر لزق في الحيطة، وقال للضابط:

“لو حد هوب ناحيتي هقتله.. ده ابني ومحدش ليه دعوة بينا! سارة.. ارمي الشنطة بقولك!”

الضابط بصلي وبص للشنطة، وقال بلهجة آمرة وحاسمة:

“أرجعي لورا يا آنسة سارة.. ما تديلهوش حاجة.” وبعدين وجه كلامه لعمر: “إنت غبي؟ إنت فاكر إنك لو قتلت ابنك هتطلع منها؟ التسجيل اللي الموبايل اشتغل بيه برة واصل لأجهزة اللاسلكي والنيابة جاية في السكة.. جنايتك ثبتت!”

عمر صرخ: “ما ثبتتش! الشنطة دي هي كل حاجة.. ارميها يا سارة!”

أنا كنت حاسة إن عقلي هيقف، بين وصية ريم إني أحمي ابنها وأجيب حقها، وبين المنظر اللي قدامي. بصيت لأمير، ولقيته فجأة.. وبكل برود لا يمكن يطلع من طفل عنده 8 سنين.. ساب لعبته تقع من إيده على الأرض.

اللعبة لما وقعت، اتفتحت.. وطلع منها صوت “زنة” تانية خالص! نفس الزنة المكتومة اللي سمعناها من تحت العباية!

عمر اتشتت لمحة عين وبص للعبة اللي في الأرض، وفي اللحظة دي بالذات.. أمير عض إيد أبوه بكل قوته، والضابط هجم زي الصقر وسحب أمير لورا، وفي نفس اللحظة العساكر انقضوا على عمر ونزلوا بيه الأرض!

المفك اترمى بعيد، وعمر بقى يصرخ تحت رجلين العساكر وهم بيكتفوه بالكلابشات وهو بيبصلي وبيقلي: “مش هتلحقي.. الشنطة مش هتنفعك.. السر مش فيها لوحدها!”

الضابط أخد أمير في حضنه وأمير جيري عليا وحضن رجلي وهو بيعيط وبيقلي: “أنا عملت كل حاجة ماما قالتلي عليها يا خالتو.. كل حاجة.”

أنا قعدت في الأرض وأنا بترعش، وفتحت الشنطة قدام الضابط عشان أوريه الأجندة والفلاشة والورقة. الضابط مسك الفلاشة وبصلي وقال: “دي لازم تتفرغ فوراً في القسم.”

لكن وأنا بلملم الأوراق اللي وقعت من الشنطة وسط الهيصة، عيني وقعت على ظهر “الأجندة” بتاعة ريم.. كان فيه جيب سري صغير جواه صورة فوتوغرافية قديمة لريم وعمر.. بس مع قصاصة جرايد قديمة من سبع سنين، مكتوب فيها عنوان رئيسي: **”انتحار زوجة رجل الأعمال الشابة بسقوطها من شرفة منزلها.. والزوج يقيد القضية قضاء وقدر”.**

الزوج في الصورة بتاعة الجريدة.. ماكانش حد غريب.

كان عمر.. بس بشكل أصغر، ومع ست تانية خالص غير ريم!

أختي ماكانتش الضحية الأولى.. دي كانت الضحية الثانية لنفس السلسلة!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *