حكايات اسما السيد 1
طلبت من حماتي تاخدي ابني الرضيع اللي مكملش ٣ شهور بس علي ما اروح الجامعه وارجع رفضت وقالتلي: مش شغلي يا حبيبتي ميلزمنيش..وقتها ايد سلفتي سبقت أيدي وقالتلي بنبره مش مريحه سيبيه انا ههتم بيه..وياريتني سيبته واتقيت شرها… اسمعوا حكايتي
صحيت على صوت بكاء صغيري قبل ما الشمس تطلع.
كان عنده بس تلات شهور… وأنا في سنتي الأخيرة في الجامعة.
حسيت قلبي بيتكسر… لما اتوسلت لحماتي تاخده علي ما ارجع ..وهي بكل برود واقفة قدامي وبتقولي:
«مش شغلي… متروحيش امتحانك يا حبيبتي .»
سلفتي اللي مفيش بيني وبينها عمار ومن يوم ما دخلت حطاني في دماغها وبتاذيني بكل الطرق مدن أيدها وقالتلي: هاتيه..انا اخلي بالي منه انا..
= رجعته بسرعه لحضني وقولتلها ..شكرا انا هتصرف تسلمي .وجريت وقتها لمحت الغل والحقد من عيونها بس مهتمتش
بس وأنا شايلة البيبي في حضني، حسيت بحاجة جوه قلبي بتقوللي:
“لو وقفت دلوقتي… كل التعب اللي تعبته علشان ابقي دكتوره واحقق حلمي وحلم اهلي هيروح هدر..
لفيت الطفل في بطانية صغيرة، وحطيت له زجاجة الحليب، ولبسته بسرعة. الطريق للجامعة طويل… كله حصى وتراب، ىحلي كانت بتوجعني، بس ما كانش قدامِي حل تاني.
أمي دايمًا كانت بتقولي: «يا بنتي… التعليم مش لعب. هو اللي هيخليكي قوية قدام الدنيا.»
والنهاردة كنت حاسة بكلامها جوه دماغي مع كل خطوة. كل حجر كان بيزعلني… كل خطوة كانت صعبة… بس كنت ماشية.
وصلت للجامعة وأنا تعبانه وعرقانة، والكل بصلي بدهشة. همسات: «متجوزة ومع بيبي… هتقدر تمتحن؟»
بس أنا رفعت راسي… حسيت إن مافيش حد يقدر يوقفني دلوقتي.
دخلت القاعة، شايلة البيبي، والمراقبة بصتلي وقالت:.
“إنتي هتقدري تمتحني؟”
ابتسمت وقلت: «آه… هقدر.»
المراقبة قالت: «ماشي… لو عيط ماقلقيش، هنتصرف…ربنا معاكي»
بدأ الامتحان… والبيبي بدأ يتحرك ويبكي. قلبي وقع… إيدي على القلم بتتهز… بس المراقبة راحت حاملة الطفل لآخر القاعة وتهدهده، وخلتلي فرصة أكتب.
كنت ماسكه ورقتي… ودموعي بتنزل من غير ما أحس. بعد ما خلصت وسلمت الورقة، مسكت الطفل في حضني، وحسيت بحاجة اتغيرت جوه قلبي… شعور انتصار صغير، بس كبير بالنسبة لي…وخرجت وروحت وحماتي استلمتني اغسلي..اطبخي..من غير رحمه..كنت بشتغل وببكي وبدعي على ابويا اللي جوزني في بيت عمي لراجل مغترب ولا همه شيء غير نفسه..
كنت تايهه ومطمنه أن ابني مهما كان في حضن سته لحد ما انتبهت على صرخه حماتي..وصوتها اللي علىّ مره واحده ..ركبي سابت وجريت خرجت واللي شفته..كان ابني سلفتي عملت. ….
أسرعت بخطوات مرتعشة نحو الصالة، دقات قلبي كانت تسبق رجليّ التي لم تعد تحملني. المشهد الذي استقبلني جمد الدماء في عروقي؛ حماتي كانت تقف مذعورة، ممسكة بـ “الببرونة” (زجاجة الحليب) الخاصة بابني، ووجهها شاحب كالموتى، وعلى الأرض كان صغيري يتلوى ويصرخ بنبرة مكتومة ومخيفة، وجهه بدأ يميل للزُرقة، وجسده الضئيل ينتفض بشكل مرعب.
بجانبهم، كانت سلفتي تقف في زاوية الغرفة، تفرك يديها بتوتر مصطنع، وعيناها تلمعان بنظرة غريبة امتزج فيها الخوف بالشماتة.
صرخت وأنا أندفع نحو طفلي، خطفته من الأرض وضممته إلى صدري: «جرى له إيه؟! ابني ماله؟! كان ماله بيصرخ كده؟!»
حماتي نظرت إليّ بارتباك، وصوتها الذي كان يملأ البيت جبروتًا تبدد ليتحول إلى لجلجة: «ما اعرفش.. ما اعرفش يا بنتي! أنا دخلت المطبخ ثواني، وسبت زجاجة اللبن جنب سلفتك على الطاولة عشان ترضعه، رجعت لقيت الواد شرق وغص، ومش قادر ياخد نفسه!»
نظرت لسلفتي بنظرة حادة كالسكين، فراجعت خطوة للخلف وقالت بسرعة ونبرة حادة مداهنة: «وأنا مالي يا دكتورة؟ أنا قلت أساعدك وأرضعه مادام حماتك مش فاضية، هو اللي شرق لوحده، إنتِ هتتبلي عليا ولا إيه؟!»
لم يكن هناك وقت للعتاب أو الشجار، نفس الصغير كان يضيق، والزُرقة تحيط بشفتيه الصغيرتين. في تلك اللحظة، تبددت غيوم التعب والإرهاق، واستيقظت داخلي طبيبة المستقبل؛ تذكرت الإسعافات الأولية لحالات الاختناق والشرق عند الرضع التي درستها وتدربت عليها.
حملت ابني بسرعة، وقمت بقلبه على ذراعي بحيث يكون وجهه لأسفل ورأسه ينحدر قليلًا ليكون مستوى رأسه أدنى من جسمه، وبكف يدي الأخرى بدأت أضرب ضربات متتالية وخفيفة ولكن حازمة بين كتفيه.
مرة.. واثنين.. وثلاثة.. وفي الضربة الرابعة، خرجت من فمه كمية من الحليب، لكنها لم تكن حليبًا عاديًا! كانت كثيفة بشكل غريب ورائحتها غريبة، تلتها صرخة بكاء حادة وعالية من ابني. تنفست الصعداء، وضممته إلى قلبي وأنا أبكي بهستيرية، بينما ساد الصمت أرجاء الصالة.
انحنيت على الأرض، وتفحصت السائل الذي خرج من فمه، ثم التقطت زجاجة الحليب التي كانت في يد حماتي، وفتحتها وقربتها من أنفي. الصدمة جعلتني أتراجع خطوة؛ الحليب كان مخلوطًا بمسحوق أبيض لم يذب تمامًا، ورائحته نفاذة تشبه رائحة دواء منوم قوي بجرعة زائدة!
التفتُّ لسلفتي، وعينيّ تشعان غضبًا لا يعرف الخوف: «شرق لوحده برضه؟! إيه اللي حطيتيه في لبن ابني يا فوزية؟! كنتِ عايزة تخلصي منه ومني وتكسريني عشان تقعدي في البيت لوحدك؟!»
ارتبكت سلفتي وتلعثمت، ووجهها تلون بمئة لون: «أنا.. أنا ما حطيتش حاجة! ده.. ده يمكن سكر زيادة ولا دواء المغص بتاعه!»
قاطعتها بصوت زلزل جدران البيت: «دواء مغص يزّرق الواد ويقطع نفسه؟! أنا دكتورة وفاهمة كويس إنتِ عملتِ إيه! والزجاجة دي مش هتتغسل، دي هتروح المعمل في المستشفى، والبوليس هو اللي هيحقق معاكِ!»
هنا، تدخلت حماتي، التي بدا عليها الخوف من الفضيحة ووصول الأمر للشرطة، فقالت بنبرة حاولت أن تجعلها آمرة لتستعيد السيطرة: «جرى إيه يا بت إنتِ؟ هتعملي لنا جناية في البيت؟ الواد وقام بالسلامة، تلاقيكِ إنتِ اللي سايبة الدواء جنب اللبن وهي غلطت، لمي الدور واقعدي في بيتك بلا مستشفى بلا كلام فارغ، وجوزك مسافر ومش ناقصين مشاكل مع أهله!»
نظرت لحماتي بذهول.. هذه المرأة مستعدة للتغطية على جريمة كادت تودي بحياة حفيدها، فقط لتحمي ابنة أخيها وسلفتي، وتتجنب الفضيحة. شعرت بغربة شديدة، وبأنني محاصرة في وكر من العقارب، زوجي مغترب ولا يرى من الدنيا سوى نفسه، وأبي زوجني في بيت عمي ليتحكموا بي، وحماتي وسلفتي يتناوبان على قهر ابني وقهر مستقبلي.
نظرت إليهم، وحسمت أمري. لملمت أشياء ابني الهامة، ووضعت زجاجة الحليب في حقيبتي بحذر، وحملت طفلي الذي هدأ ونام من أثر التعب.
وقفت عند الباب وقلت لهما بنبرة هادئة لكنها قاطعة كالرصاص: «أنا مش هسكت، ومستقبلي وابني خط أحمر.. والزجاجة دي هي اللي هتجيب لي حقي.»
خرجت من البيت والشمس كانت قد غربت، والظلام يكسو الشوارع، لم أكن أعلم إلى أين سأذهب في هذا الوقت، هل أذهب لأبي الذي خذلني أول مرة؟ أم للمستشفى؟ لكني كنت أعلم شيئًا واحدًا.. أنني لن أعود لهذا البيت مجددًا مهما حدث.
