حكايات اسما السيد 1

اتجوزت جوز أختي التوأم بعد وفاتها، لأنه قال إنه مش قادر ينساها… وبعد أسبوع واحد من الجواز، راجل غريب خبط على باب بيتي وقال: “أختك طلبت مني أوصل لك الرسالة دي، لكن بعد ما تتجوزيه وبس.”

 

لما دنيا ماتت، الناس كلها كانت بتبصلي وكأنهم شافوا شبح.

 

إحنا كنا توأم متطابق. شبه بعض بشكل يخلي حتى أقرب الناس يغلطوا بينا.

 

في جنازتها، جوزها كريم مسك إيدي جامد لدرجة إن صوابعي وجعتني.

 

قال بصوت مكسور:

 

“ماتسبينيش إنتِ كمان.”

 

بعدها بسنتين كاملين، كان بييجي كل يوم جمعة الصبح ومعاه قهوة. عمره ما تجاوز حدوده، ولا حاول يقرب مني بطريقة تضايقني. كان يقعد قدامي على سفرة المطبخ، يبص في فنجان القهوة، ويطلب مني أحكيله عن أيام طفولتنا أنا ودنيا.

 

لحد مساء يوم ممطر…

 

وقف قدامي، وعينه كلها وجع، وقال:

 

“اتجوزيني يا داليا.”

 

كنت هوقع براد الشاي من إيدي.

 

قلت له:

 

“يا كريم… أنا مش دنيا.”

 

رد بهدوء:

 

“أنا عارف… بس وإنتِ جنبي بحس إني بعرف أتنفس من تاني.”

 

ولادي الكبار ترجوني أرفض.

 

أقرب صاحبة ليا قالتلي إن الحزن عمره ما يبقى حب.

 

يمكن كانوا عندهم حق.

 

لكن أنا كمان كنت وحيدة… وجزء مني كان مؤمن إن دنيا لو كانت عايشة، كانت هتتمنى حد يقف جنب جوزها بعد رحيلها.

 

وفي الآخر…

 

اتجوزناه في مكتب المأذون، وكنت لابسة فستان كحلي بسيط، وإيديا كلها رعشة.

 

أول أسبوع بعد الجواز، كريم كان طيب جدًا وهادي.

 

وفي صباح اليوم السابع…

 

كان نازل السوبر ماركت يجيب شوية حاجات.

 

وفجأة…

 

عربية فضي دخلت قدام البيت.

 

نزل منها راجل كبير في السن، باين عليه إنه محامي، وكان شايل علبة خشب صغيرة.

 

أول ما شاف وشي، اتجمد مكانه، وقبض على العلبة بإيده كأنه خايف تقع منه.

 

وقال وهو مذهول:

 

“يا ساتر… إنتِ نسخة منها بالظبط.”

 

بعدها سلمني العلبة.

 

وقال:

 

“أختك دنيا سلمتني العلبة دي قبل ما تموت بيومين… وخلتني أوعدها إني ما أوصلهاش ليكي إلا لو كريم اتجوزك.”

 

حسيت جسمي كله ساقع.

 

فتحت العلبة…

 

لقيت دبلة جواز دنيا…

 

ولافة حوالين ورقة مطبقة.

 

فتحتها بإيد بترتعش.

 

وأول سطر كان مكتوب فيه:

 

“يا داليا… مهما حصل، أوعي تثقي في كريم.”

 

لكن…

 

السطر اللي بعده…

 

خلّى الأرض تتميد بيا.

 

السطر اللي بعده… خلّى الأرض تميد بيا، ومبقيتش قادرة أقف على رجليا.

كان مكتوب بخط إيد دنيا المهزوز، الخط اللي أحفظه أكتر من أي حاجة في الدنيا:

“يا داليا، كريم مش حزين عليا.. كريم هربان مني. الدبلة اللي في العلبة دي مش دبلتي اللي اندفنت معايا، دي الدبلة الحقيقية اللي هو سابها يوم ما حاول يخلص مني. لو إنتِ بتقري الكلام ده دلوقتي، يبقى هو نجح في اللي كان عايزه، وقدر يخليكي تاخدي مكاني.. فوقي يا داليا، كريم ما حبنيش، كريم كان عاوز يملك النسخة الأجمل مننا، ولما رفضت، قرر يستبدلني.. بالنسخة اللي هترضي بطيبته المزيفة.”

المحامي العجوز بصلي بنظرة مليانة أسف، وكأنه كان عارف كل كلمة مكتوبة في الورقة دي، سحب نفسه بهدوء وقفل الباب وراه، وسابني واقفة في صالة الشقة اللي لسة ريحة البويات الجديدة فيها ما راحتش. شقة الزوجية اللي افتكرتها طوق نجاة من وحدتي، وطلعت الفخ اللي اتنصبلي بعناية على مدار سنتين.

سنتين.. سنتين كاملين وهو بييجي كل يوم جمعة، يشرب القهوة، ويبص في فنجانه، ويسمع حكايات طفولتنا. مكانش بيواسيني، مكانش بيدور على ريحة دنيا فيا.. كان بيذاكرني! كان بيعرف تفاصيلي، نقط ضعفي، الحكايات اللي ممكن تخليني أثق فيه وأفتح له قلبي.

وفجأة، سمعت صوت مفتاح بيدور في الباب.

قلبي دق بسرعة جنونية، الرعب شل حركتي. الورقة كانت في إيدي، والعلبة الخشب مفتوحة على الترابيزة. كريم رجع!

دخل وهو شايل أكياس السوبر ماركت، وابتسامته الهادية اللي خطفتني زمان مرسومة على وشه. أول ما عينه جت عليا، وعلى العلبة المفتوحة، الابتسامة اختفت تدريجيًا. ملامحه اتمسحت تمامًا وبقت باردة زي التلج.

حط الأكياس على الأرض بهدوء مريب، وقرب مني خطوة بخطوة. أنا رجعت لورا لحد ما ضهري خبط في الحيطة.

بص للورقة اللي في إيدي وقال بصوت هادي، هادي لدرجة ترعب:

* “الأستاذ شاكر وصل أخيرًا؟ دنيا كانت دايماً دقيقة في مواعيدها.. حتى وهي تحت التراب.”

صوتي طلع بالعافية، مرعش ومخنوق:

* “إنت عملت فيها إيه يا كريم؟ دنيا ماتت إزاي؟”

كريم ضحك ضحكة خفيفة، ضحكة مكانتش شبه كريم اللي عرفته على مدار سنتين، كانت ضحكة شخص غريب تمامًا، شخص قاسي وعينه مليانة حقد. قرب أكتر، ورفع إيده ولمس شعري، وأنا كنت متجمدة من الخوف.

* “ماتت بالخوف يا داليا.. دنيا كانت عنيدة، مكانتش زيك طيبة وبتصدق بسرعة. لما عرفت إني خسرت كل فلوسنا في البورصة، وكتبت البيت باسمي بالتزوير، هددتني إنها توديني في داهية. مكانش قدامي حل تاني.. بس الموت مكانش بإيدي، هي اللي قلبها مستحملش لما واجهتها بالحقيقة.”

نزل بإيده لحد ما مسك الورقة من إيدي وسحبها براحة، وأنا مش قادرة أقاوم.

* “بس تعرفي؟ السنتين اللي فاتوا دول مكانوش سهلين عليا.. كنت خايف ترفضيني، خايف ولادك يقنعوكي. بس إنتِ كنتِ محتاجة للحضن والأمان، وأنا قدمتهم ليكي على طبق من دهب. ودلوقتي.. إنتِ بقيتي مراتي رسمي، ومحدش هيصدق أي كلمة تقوليها.. لأن الكل عارف إن داليا بعد موت أختها التوأم، جرى لعقلها حاجة.”

في اللحظة دي، أدركت البعد الكامل للمؤامرة. كريم مكانش بيدور على زوجة، كان بيدور على غطاء قانوني واجتماعي يخليه يفضل عايش في نفس المستوى، ويمنع أي شكوك ممكن تتردد حولين موت دنيا، والأخطر من كده.. إن ولادي وصاحبتي لو شافوني بنهار دلوقتي، هيقولوا “تأثير الصدمة”، ومحدش هيقف في وشه.

كريم سابني ودخل المطبخ كأن مفيش حاجة حصلت، وبدأ يرص الحاجات في التلاجة وهو بيدندن بأغنية قديمة.

أنا قعدت على الأرض، ودموعي بتنزل في صمت. بصيت للدبلة اللي فضلِت في العلبة الخشب. الدبلة مكانتش مجرد دهب.. لما قلبتها، لقيت محفور عليها من الجوة تاريخ.. التاريخ ده مكانش يوم جوازهم، ده كان تاريخ اليوم اللي دنيا اكتشفت فيه التزوير، اليوم اللي كتبت فيه الرسالة دي.

شريط ذكريات السنتين اللي فاتوا مر قدام عيني.. افتكرت نظراته ليا في العزا، مسكته لإيدي اللي وجعتني، افتكرت كل مرة كان بيسألني فيها: “هو إنتِ بتثقي في المحامي بتاع العيلة يا داليا؟” كنت بفتكرها أسئلة عادية، لكن هو كان بيدور على “شاكر”، كان خايف من الرسالة دي توجد طريقها ليا.

قمت وقفت على رجليا، مسحت دموعي، وحسيت بنار بتكبر جوايا. الخوف اتمسح وحل محله رغبة قوية في الانتقام لدنيا.. ولنفسي.

دخلت الأوضة وقفلت الباب عليا بالمفتاح. سحبت تليفوني وإيديا بترتعش، وطلبت رقم صاحبتي “نهى”.. الوحيدة اللي قالتلي إن الحزن عمره ما يبقى حب.

أول ما ردت، قلتلها بصوت واطي ومحشرج:

* “نهى.. إنتِ كان عندك حق. أنا في كارثة، ومحتاجاكي دلوقتي فوراً.. بس من غير ما كريم يحس.”

نهى شهقت وصوتها اتغير:

* “داليا! في إيه؟ صوتك ماله؟ كريم عملك حاجة؟”

قبل ما أرد عليها، سمعت خبط قوي على باب الأوضة. خبط متتالي وعنيف، وصوت كريم ورا الباب اتغير تماماً، مبقاش هادي:

* “داليا.. افتحي الباب. افتحي الباب بقولك.. الكلام اللي في الورقة ده ملوش لازمة خلاص، إحنا بقينا في بيت واحد، وافتحي أحسن لك!”

نهى سمعت الصوت على الخط وقالت بفزع:

* “أنا جاية لك يا داليا.. متفتحيش له!”

الخط قطع.. وأنا وقفت ورا الباب، ساندة بضهري عليه، وصوت ضربات قلب كريم وخبطاته على الخشب بتزيد، ومع كل خبطة كنت بحس إن روح دنيا بتطالبني بمواجهة الشيطان اللي واقفلنا ورا الباب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *