حكايات زهره الربيع 2
قربت منها بثبات ودخلت وسط الزيطة، مسكت إيدها وبصيت في عينها اللي كانت موارباها عشان تشوف رد فعل الناس، وقلت بصوت جهوري يسمعه أقاصي الصالون:
— “سلامتك يا طنط! بس ما تقلقيش خالص، أنا عاملة حسابي للحظة دي بالذات.. أصل أنا عارفة إن الضغط بيعلى لما الواجب بيكثر ومفيش أكل يتقدم للضيوف!”
حماتي فتحت عين واحدة بذهول، وأنا كملت وأنا ببتسم وببص للحاجة صفية ولعم أحمد:
— “أنا عارفة إن طنط كريم أوي وعايزة توكلكم أحسن أكل، وعشان عارفة إن المطبخ مجهد عليها ومظلومة في العدد الكبير ده.. أنا طلبت أوردر فاخر جداً من أكبر مطعم كباب وكفتة مشويات في البلد، تكفي الأربعين فرد وزيادة، والأكل ز زمانه واصل على الباب في أظرف دقايق!”
الرجالة في الصالون وشهم اتفرَد، وعم أحمد قال بابتسامة عريضة:
— “الله عليكِ يا عروسة! الأصيلة أصيلة والله.. فرجتيها من وسع!”
أحمد جوزي تنفس الصعداء، وبصلي بنظرة إمتنان وراحة كأنه كان في كابوس وصحي منه، وقرب يهمسلي:
— “تسلم إيدك يا سهام.. كتر خيرك إنك أنقذتِ الموقف وسدّيتي الفضيحة دي.. أنا كنت هقسط حق الأوردر ده من المصروف.”
مسكت إيد أحمد بكل هدوء، وابتسمت له ابتسامة أبرد من الثلج وقاطعه بصوت واضح ومسموع للكل:
— “تقسط إيه يا أحمد؟ لا طبعاً! هو إنت اللي عزمت الناس دي كلها من ورايا؟ ولا أنا اللي عزمتهم؟ طنط هي صاحبة العزومة وهي الكريمة اللي عزمت العيلة كلها، وعشان كده أنا طلبت الأوردر باسمها وهي اللي هتتدفع ثمنه كاش فوراً أول ما الدليفري يخبط على الباب!”
في اللحظة دي، حماتي قامت قعدت زي العفريت اللي نط من العلبة! نسيت الدوخة ونسيت الضغط، وبصتلي بعيون مرعوبة وقالت بصوت صريخ:
— “إيه؟! أدفع ثمن أوردر مشويات لأربعين بني آدم منين يا حسرة؟! إنتِ تجننتِ يا سهام؟!”
ابتسمت لها بمنتهى البراءة وقلت:
— “جرى إيه يا طنط؟ مش إنتِ لسة قابضة الجمعية الكبيرة إمبارح ومجهزة المبلغ في شنطتك؟ ولا يصح عزومتك في بيتك والضيوف الكبار دول -وعلى رأسهم أختك الحاجة صفية اللي بقالكوا سنين ما اتجمعتوش- ياكلوا أي كلام؟ دي أقل حاجة تليق بمقام عزومتك!”
الحاجة صفية هزت رأسها وهي بتضحك بظلم وشماتة وقالت:
— “أيوه والله يا أم أحمد، أختك كبرت وبقى لها مقام.. ولا المشويات خسارة فينا وفي عيالنا اللي عزمتيهم بنفسك؟”
حماتي بقت تمصمص شفايفها ووشها أصفر وأحمر وأسود، مش قادرة تقول “مش حادفع” عشان ما تفضحش نفسها قدام أختها والعيلة وتطلع بخيلة، ولا قادرة تطلع الألوفات اللي حوشتها بالعافية من الجمعية!
وفي وسط الزحمة دي، جرس الباب رن رنة طويلة.. الدليفري وصل!
أحمد فتح الباب، والعامل كان شايل أكياس وعلب حرارية طالعة منها ريحة المشويات والريش الريحة اللي دوخت الشارع كله، وحط الصواني على السفرة الفاضية. العامل مسك الفاتورة وبص للصالون وقال بصوت عالي:
— “الحساب يا جماعة.. المطلوب تسعة الآف وخمسمية جنيه!”
الرقم نزل على دماغ حماتي زي الصاعقة، بقت تبص لشنطتها كأنها بتشوف حبل الإعدام! طلعت الفلوس بإيد بتترعش، وكل ورقة بتمسحها بتخرج من دمها. والناس بدأت تتلم على السفرة تاكل وتهلل وتمدح في “كرم الحاجة أم أحمد”.
حماتي قعدت في الزاوية مش قادرة تحط لقمة في بقها من القهرة، وبصتلي بنظرة انتقام مرعبة وقالت بصوت واطي جداً وهي بتجز على أسنأنها لما قربت منها:
— “وديني وما أعبد يا سهام.. لرد لك الصاع صاعين، ولأخلّي أحمد يكتبلي الشقة دي بكرة الصبح وأرميكِ في الشارع بالهدوم اللي عليكِ!”
ابتسمت لها بكل برود، وحطيت حتة كباب في طبقي وقلت لها:
— “نشوف موضوع الشقة ده بكرة يا طنط.. بس الأول اتفضلي كلي، ده الأكل بفلوسك!”
لكن اللي حماتي ما كانتش تعرفه، إن المفاجأة القاضية الحقيقية ما كانتش الأوردر ولا الفلوس.. المفاجأة الحقيقية كانت جوة شنطتي، والورقة اللي كانت هتغير مجرى حياتنا كلنا بدأت تظهر لما أحمد مسك تليفونه وجاته مكالمة غريبة جداً خلت ألوان وشّه تروح فوراً!
أحمد مسك التليفون، ووشه اتخطف في ثواني. العرق بدأ ينزل من قورته بغزارة، والقمة اللي كانت في بقه وقفِت وزرّقت في زوره. رد بصوت مكسور وبيرتعش:
— “إيه؟! أنت بتتكلم جد يا استاذ حسن؟.. للدرجة دي؟.. طب.. طب أرجوك أديني مهلة لبكرة!”
الصالون كله سكت، والمعالق اتعلقت في الهواء. حماتي نسيت قهرتها على التسع آلاف وخمسمية جنيه، وقامت وقفت بلهفة وهي بتبص لابنها برعب:
— “في إيه يا أحمد؟ مين اللي بيكلمك يا ابني؟ وشك بقى زي الميتين ليه؟!”
أحمد نزل التليفون من على ودنه بإيد بتترعش، وبص لأمه بعيون كلها حسرة وذهول وقال بصوت طالع بالعافية:
— “ده المحامي يا أمي.. بيقولي إن فيه دعوى تمكين وقض\ية طرد مرفوعة عليا، وإن لو ما سددتش الشيكات والمتأخرات اللي عليا لشريكك القديم، الشقة دي حتتباع في المزاد العلني الأسبوع الجاي!”
حماتي صرخت ولطمت على وشها قدام أختها والعيلة:
— “مزاد إيه يا مهدود الحيل؟! هي الشقة دي مش بتاعتك وبفلوسك؟!”
أحمد بلع ريقه وبص للأرض بإحراج قاتل قدام أعمامه وأخواله اللي قاعدين بياكلوا:
— “أنا.. أنا كنت واخد وصل أمانة وشيكات من كذا سنة عشان أفتح المحل وشغلي، وأمي كانت ضامنة معايا، والظاهر الشريك قدم الشيكات للمحكمة بعد ما التأخير زاد!”
هنا، الحاجة صفية حطت الشوكة من إيدها، وبصت لحماتي بضحكة صفرا وقالت:
— “الله الله يا أم أحمد! ده إنتِ طلعتِ مش بس بتعزمينا على أكل مش بتاعك، ده إنتِ كمان قاعدة في بيت مهدد بالرمية في الشارع وبتتفشخري عليا وعلى العيلة بالكدب؟!”
حماتي بقت تتلفت حوالين نفسها زي الفرخة المذبوحة، مش عارفة تداري الفضيحة فين. وبصت لأحمد بزعيق وهي بتترعش:
— “ما تتصرف يا أحمد! اطلب مهلة! شوف حد يسلفنا! اتصرف بدل الفضيحة دي!”
أحمد بص لها بقلة حيلة وكسرة عين وقال:
— “أسلف مين يا أمي؟ حد يسلفني مبلّغ زي ده في يوم وليلة؟! إحنا كده خلاص.. اترمينا في الشارع رسمي!”
في اللحظة دي، الكل كان متوتر، والهمس زاد، والناس بدأت تلم إيدها من الأكل بكسوف وإحراج. وقفت أنا من على السفرة بكل هدوء وثقة، فتحت شنطتي الصغيرة اللي كانت جنبي، وطلعت منها أظرف أسود مقفول بختم رسمِي.
مشيت بخطوات ثابتة وسط ذهول الكل، وحطيت الظرف على الترابيزة قدام أحمد وأمه مباشرة.
حماتي بصت للظرف برعب وقالت:
— “إيه ده يا سهام؟ إنتِ كمان جايبة مصيبة جديدة فوق راسي؟!”
ابتسمت ابتسامة هادية جداً، وبصيت لحماتي في عينها بجمود وقلت:
— “لا يا طنط.. دي مش مصيبة.. ده السر اللي أنا مخبياه عنكم من ست شهور، والأوراق الرسمية اللي حتحدد مين اللي ليه حق يفضل في البيت ده، ومين اللي حيمشي منه فوراً!”
أحمد مسك الظرف الأسرود بإيد بتترعش، وفتحه ووشه كل مدى بيصفرّ ويزرّق. طلعت الأوراق الرسمية، وبدأ يقرأ البنود بصوت طالع بالذخيرة بالعافية:
— “عقد شراء نهائي.. وخالص الثمن.. لشقة.. باسم السيدة: سهام…”
حماتي نطت من مكانها زي المجنونة، خطفت الورق من إيده وعيونها هتطلع من مكانها، وبقت تقرأ وهي بتلطم على صدرها:
— “إيه ده؟! عقد إيه؟! وشراء إيه؟! الشقة دي ابن أحمد هو اللي شاريها من عرق جبينه!”
بصيت لها بمنتهى الثبات والبرود وقلت لها قدام أختها الحاجة صفية وكل العيلة اللي كانوا واقفين مشدوهين:
— “ابنك أحمد لما شغله وقف وتزنق في الشيكات من ست شهور، وكان خايف يتقبض عليه أو الشقة تضيع في المزاد، جه اترجاني أساعده.. وأنا طلبت من بابا يبدالي ورثي بدري، وسددت كل ديون أحمد والشيكات اللي كانت هتحبسه، واشتريت منه الشقة بعقد بيع وشراء نهائي وبصمته وشهدنا عليه المحامي!”
الصالون كله شهق! الحاجة صفية بصت لأختها وضربت كف بكف وضحكت بقلب:
— “يا دي الخيبة السودا يا أم أحمد! طالعة نازلة تتفشخري وت قولي بيتي وناسي، وتعاملي البنت كأنها ضيفة، وفي الآخر طلعتي أنتِ وابنك قاعدين في بيتها وبفلوسها ور حمتها؟!”
حماتي بصت لأحمد بذهول وقهر وشتمته بصوت عالي:
— “يا خايب يا ابن الخايب! تبيع شقتك لمراتك من ورايا وتعمل في أمك كده؟!”
أحمد نزل رأسه في الأرض وبص لأمه بكسرة وندم وقال:
— “أنا أسف يا أمي.. بس سهام هي اللي أنقذتني من الحبس والفضيحة يوم ما أنتِ مشغولة بتلمي الجمعيات عشان تتفشخري بيها على الناس.. هي اللي سترتني واستحملت إهاناتك كل الفترة دي عشان ما تكسرنيش قدامك!”
هنا وقفَت واستعدلت وقلت بصوت صارم هز الصالة كلها:
— “أنا سكتّ كتير يا طنط.. استحملت تدخلك في حياتي، وكسرتك لنفسي في بيتي، وعزوماتك اللي من غير إذن، وقلة احترامك ليا قدام الغريب والقريب.. كل ده عشان خاطر أحمد وسكوته.. بس لحد هنا وخط أحمر!”
حماتي بقت تترعش من الغيظ والإحراج قدام سلفتها وأختها والضيوف اللي بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني بكسوف شديد من الموقف.
قربت من حماتي وفتحت باب الشقة على آخره وقلت بكل حسم:
— “من النهاردة، البيت ده بيتي أنا.. بفلوسي وباسمي.. العزومة الجاية لو حبتِ تيجي، هتستأذني زي أي ضيفة محترمة وتيجي في ميعادك، ولو ما احترمتيش صاحبة البيت، يبقى باب الشقة ده مش هيتبلتب ليكي تاني أبداً!”
حماتي بصتلي بقلة حيلة ومش قادرة تنطق كلمة واحدة، شالت شنطتها المطبوقة المليانة إهانات وقهرة، وخرجت تجر رجليها بالعافية ورا أختها صفية اللي كانت بتضحك بشماتة، وأحمد واقف جنبي باصص في الأرض، وعارف إن من اليوم ده.. قواعد اللعبة كلها اتغيرت، وصاحبة البيت الحقيقية هي اللي مسكت الزمام!