مراتي كانت متوفيه 2
— بتدور على مين يا ابني؟
التفتّ للست العجوزة وأنا قلبي مقبوض. كان باين على وشها التعب، ولابسة إيشارب أسود وبتسند على عكاز خشب.
قلت لها بسرعة وأنا بحاول أهدي ضربات قلبي:
— بدور على الحاجة مارتا، أم مريم.. أنا رامي جوز بنتها الله يرحمها. البيت مقفول بقاله قد إيه؟ هي تعبانة؟ راحت مستشفى؟
الست بصتلي بنظرة غريبة.. نظرة فيها شفقة على دهشة، وسكتت كام ثانية كأنها بتستوعب كلامي، وبعدين قالت بصوت مرتعش:
— الحاجة مارتا؟ يا ابني الحاجة مارتا سابت البيت ده من خمس سنين.. من وقت العزا بتاع بنتها مريم.
نزل الكلمتين على ودني زي الصاعقة. خمس سنين؟ طب والفلوس؟ والتحويلات؟
قلت لها وأنا مشوش:
— خمس سنين إزاي يا أمي؟ أنا بكلمها.. يعني، أنا ببعتلها فلوس كل أول شهر على حسابها في البنك، وتلفونها الأرضي كان شغال لحد الأسبوع اللي فات بس!
الست هزت راسها بأسف وقالت:
— يا ابني أنا جارتها من أربعين سنة. البيت ده مهجور من يوم الحادثة. هي مأستحملتش تقعد هنا بعد ما بنتها ماتت، وقالت إنها مسافرة تقعد عند قرايب ليها في الصعيد عشان تنسى.. ومن يومها محدش شافها، والبيت زي ما أنت شايفه السلسلة مصدية والزرع ناشف. أما التلفون الأرضي، فالسلوك في المنطقة كلها مقطوعة من سنتين بسبب خط عالي وقع في الشتا، ومفيش حرارة بتدخل البيوت دي أصلاً!
الدنيا لفت بيا. التلفون مقطوع من سنتين؟ والبيت مقفول من خمس سنين؟ طب مين اللي كان بيرد عليا أول سنتين؟ ومين اللي كان بيستلم الـ 20 ألف جنيه كل شهر من خمس سنين لحد النهاردة؟!
شكرت الست العجوزة وأنا مش شايف قدامي. ركبت العربية ودمي حاسس إنه اتمكّن منه التلج. فتحت الموبايل وبصيت على كشف الحساب الإلكتروني. الفلوس بتتسحب بانتظام، يوم 2 في كل شهر، من مكنة صراف آلي (ATM) فرع البنك الرئيسي في المدينة الساحلية اللي أنا فيها دلوقتي، مش من الصعيد!
شغلت العربية وطيرت على الفرع الرئيسي للبنك في وسط المدينة. كانت الساعة قربت على المواعيد المسائية للبنك. دخلت وأنا منهار، طلبت أقابل مدير الفرع. لما شاف حالتي وشافت الكارنيه بتاعي وعرف إني عميل “VIP” في البنك، دخلني مكتبه فوراً.
قلت له وأنا بحط الجواب اللي وصلي على مكتبه:
— أنا رامي نصحي.. جالي جواب إن حساب الست دي فيه مشكلة. الست دي حماتي، والبيت بتاعها مهجور من خمس سنين. عايز أعرف الفلوس دي مين بيسحبها.. وفين الحاجة مارتا؟
المدير بص في الكمبيوتر وقعد يكتب بسرعة، وبعدين ملامح وشة اتغيرت تماماً. بصلي وقالي بلطف:
— أستاذ رامي.. الحساب ده مفيش فيه أي مشكلة قانونية من ناحيتنا. الحساب باسم “مارتا يعقوب”، والفلوس بتتحول من حسابك لحسابها، وبتتسحب بالفيزا كارد والرقم السري من مكنة الفرع هنا بانتظام.
— ومين اللي بيسحبها؟! الست عجوزة ومش هنا!
— ثواني هشوفلك تاريخ تجديد البيانات..
المدير سكت تماماً، وعينيه برقت وهو بيبص للشاشة. اتمتم بكلام مش مفهوم وبعدين قال بصوت واطي:
— مش ممكن.. الحساب ده بياناته اتحدثت من سنة واحدة بس. وبصمة الصباع والتوقيع المطابق للبطاقة الشخصية اتعملوا هنا في الفرع.. والبطاقة سارية.
سندت بإيدي على المكتب وقلتله وصوتي بيرتعش:
— يعني الحاجة مارتا جت بنفسها هنا من سنة؟
المدير هز راسه وقال:
— مكتوب في النظام إن صاحبة الحساب حضرت بنفسها.. بس استني.. في ملحوظة كتبها الموظف اللي حدّث البيانات.. كاتب إن العميل “غير قادر على الحركة تماماً ويجلس على كرسي متحرك، وتتولى ابنتها ومرافقتها إنهاء الإجراءات بموجب توقيع الأم وبصمتها”.
حسيت إن الهوا اتقطع عن الرئة عندي.
— بنتها؟ بنتها مين؟ مارتا مكنش عندها غير بنت واحدة.. مريم.. ومريم ماتت من خمس سنين!
المدير ارتبك وقال:
— يا فندم أنا بقولك اللي مكتوب على السيستم.. الموظف كاتب “الابنة المرافقة”. لو عايز تتاكد، إحنا ممكن نرجع لكاميرات المراقبة بتاعة يوم التحديث، أو كاميرات مكنة الـ ATM بتاعة الشهر اللي فات عشان تشوف مين اللي سحب الفلوس بالفيزا. بس ده هيحتاج إذن رسمي أو محضر.
طلعت كارتي وقلتله بصوت حاد ومليان رجاء في نفس الوقت:
— أرجوك.. أنا ببعت الفلوس دي كصدقة وعلى روح مراتي.. وبقالي خمس سنين عايش في وهم. اعتبرها خدمة إنسانية.. وريني الكاميرا بتاعة السحب الأخير.
المدير تردد، لكن لما شاف دموعي اللي بدأت تنزل غصب عني، تعاطف معايا. اتصل بمسؤول الأمن في البنك وطلب منه يجهز تسجيل مكنة الـ ATM الخارجية ليوم 2 في الشهر الحالي الساعة 10 صباحاً (الوقت اللي جاتلي فيه رسالة السحب).
بعد نص ساعة، كنت قاعد مع المدير ومسؤول الأمن قدام شاشة الكمبيوتر.
الشاشة كانت سودا، وبعدين بدأت تعرض الفيديو.
الشارع كان زحمة.. ومكنة الـ ATM مفيش حد واقف قدامها..
وفجأة، ظهرت ست.
كانت لابسة نضارة شمس سودا عريضة، ومنديل كبير مغطي راسها ورقبتها.. لابسة عباية واسعة.
قربت من المكنة، طلعت الفيزا، وحطت الرقم السري وهي بتتلفت حواليها بقلق كأنها خايفة حد يشوفها.
سحبت الفلوس وحطتها في شنطتها.
أنا كنت باصص للشاشة وعينيا هتطلع من مكانها. الست دي مش الحاجة مارتا.. الحاجة مارتا ست قصيرة ومحنية وضخمة شوية.
الست اللي في الكاميرا كانت ممشوقة القوام.. طويلة.. وحركتها خفيفة وسريعة.
لما خلصت السحب، وقبل ما تمشي، نزلت النضارة الشمس ثانية واحدة عشان تمسح عرق من على وشها وبصت ناحية الكاميرا..
وفي اللحظة دي.. الزمن وقف.
القلب وقف.. والكون كله اختفى.
الوش ده.. الملامح دي.. الشامة الصغيرة اللي فوق شفتها الغامقة..
الحلق الفضي اللي في ودنها..
دي مريم.
صرخت بأعلى صوتي في مكتب المدير:
— دي مريم!! دي مراتي!! مراتي ماتتتتتتش!! مريم عايشة!!
المدير ومسؤول الأمن وقفوا مفزوعين. المدير قالي:
— أستاذ رامي اهدى.. أنت بتقول إنها ماتت من خمس سنين! دي واحدة شبهها يمكن؟
— مش شبهها!! دي هي!! أنا حافظ تفاصيل وشها أكتر من نفسي! دي مريم!!
طلعت جري من البنك زي المجنون. الشارع كان بدأ يليل، ونور الكشافات بيعكس على الأرض المبلولة من رطوبة البحر. كنت بنهج، وعقلي بيطحن في أفكار مرعبة.
لو مريم عايشة.. مين اللي كان في النعش المقفول؟
ليه سابيتني خمس سنين أتعذب وأبكي عليها كل ليلة؟
ليه أمها خبت عليا وقالت إنها ماتت وصوتت في الجنازة؟
والأهم من كل ده.. مريم عايشة فين دلوقتي؟ وبتعمل إيه بالـ 20 ألف جنيه كل شهر؟
افتكرت كلام موظف البنك: “الأم على كرسي متحرك وبنتها معاها”. يعني مريم عايشة مع أمها في مكان ما في المدينة دي!
ركبت عربيتي، وأنا إيدي بترتعش لدرجة إني مش عارف أحط المفتاح في الكونتاكت.
قعدت أفكّر.. مريم ملهاش قرايب هنا غير خالتها “سلوى”، اللي كانت مقاطعاهم من سنين بسبب مشاكل على الميراث. مريم كانت دايماً تقولي إن خالتها دي عايشة في شقة قديمة في منطقة “السيوف” ورا محطة القطر القديمة.
دوّرت العربية ومشيت بأقصى سرعة ناحية المنطقة دي.
وصلت بعد ساعة من اللف في الشوارع الضيقة المظلمة. المنطقة كانت شعبية جداً والبيوت لازقة في بعضها. نزلت وسألت كذا حد من أصحاب المحلات القديمة عن “الست مارتا” أو أختها “سلوى”.
لحد ما وقفني راجل عجوز فاتح دكانة بقالة صغيرة، بصلي وقال:
— الست مارتا يعقوب؟ أيوة يا ابني.. هي قاعدة هنا في البيت اللي ورايا ده في الدور الأرضي.. بس الست دي قعيدة ومبتخرجش خالص.. ومعاها بنتها ممرضة بتراعيها.
قلتله وأنا هتموت من اللهفة:
— بنتها اسمها إيه؟
قالى:
— اسمها “نور”.. بتشتغل في مستشفى خاص هنا، مبتخرجش غير للغل والطلبات، ومبتكلمش حد من الجيران خالص، دايماً حاطة طرحة على وشها.
“نور”.. مريم مسمية نفسها نور.
مشيت خطوات رجلي كانت تقيلة زي الرصاص لحد ما وصلت لباب الشقة الأرضي. الباب كان خشب قديم، ولونه بني مقشر. كان في صوت واطي جاي من جوه.. صوت تليفزيون شغال على قداس أو ترانيم بصوت هادي.
رفعت إيدي.. وكنت حاسس إن لو خبطت، حياتي القديمة هتنتهي للأبد، وهتبدأ حقيقة تانية خالص.. حقيقة أنا مش عارف هقدر أستحملها ولا لأ.
أخدت نفس طويل.. وخبطت تلات خبطات قوية.
الصوت جوه سكت تماماً.
سمعت صوت خطوات خفيفة بتقرب من الباب.. خطوات أنا حافظ إيقاعها كويس جداً.. خطوات مريم وهي لابسة شبشبها البيتي الخفيف.
الخطوات وقفت ورا الباب مباشرة.
وسمعت صوتها.. صوت مريم النقي اللي كنت بسمعه في أحلامي كل ليلة.. وهي بتقول بقلق:
— مين؟ مين بيخبط دلوقتي؟
تجمدت في مكاني. الكلمة طلعت من ورا الباب وقطعت الشك باليقين. هذا الصوت ليس شبهاً، وليس وهماً من أوهام عقلي الباطن. هذا صوت مريم. نبرتها الهادئة الخائفة التي كنت أطمئنها دائماً وأنا أضمها لصدري.
أحسست أن جدران الممر المظلم تضيق عليّ، والأنفاس تكاد تخرج من صدري حارقة. رفعت يدي المرتعشة ولمست الخشب البارد للباب، وقلت بصوت خرج مبحوحاً ومشروخاً من كثرة الصدمة:
— مريم… افتحي يا مريم. أنا رامي.
ساد صمت قاتل خلف الباب. انقطع صوت الأنفاس، وكأن الزمن توقف للطرف الآخر أيضاً. مرت دقيقة كاملة كأنها دهر، لم أسمع فيها سوى دقات قلبي التي كانت تقرع في صدري كطبل حرب.
وفجأة، سمعت صوت قفل الباب وهو يتحرك ببطء شديد… تكة… ثم تكة أخرى.
انفتح الباب موارباً، وظهر من خلفه وجهها.
كانت هي. نفس العيون العسلية الواسعة، لكن كان يحيطها سواد شديد من التعب والسهر. ملامحها التي غابت عني خمس سنوات كانت أمامي لحماً ودماً، لكنها كانت ترتدي ملابس بسيطة جداً، وشعرها الذي كان دائماً منسقاً بعناية، كان مربوطاً للخلف بإهمال.
أول ما رأتني، اتسعت عيناها برعب حقيقي، وتراجعت خطوتين للخلف وهي تضع يدها على فمها لتكتم صرخة ذهول، وقالت بهمس متقطع:
— رامي؟! أنت… أنت عرفت مكاني إزاي؟ ليه جيت هنا؟
لم أتمالك نفسي، دفعت الباب ودخلت الشقة الصغيرة الضيقة. كانت رائحة المكان خليطاً من الأدوية، البخور المستعمل في البيوت القديمة، والرطوبة. التفتُ إليها وأنا أرتجف كالمحموم، وقبضت على كتفيها بقوة لأتأكد أنها حقيقة وليست طيفاً.
— أنا اللي بسألك؟! أنتِ عايشة؟ خمس سنين يا مريم! خمس سنين وأنا بدفن نفسي كل يوم في ذكرياتك؟ خمس سنين وأنا بروح المقابر وأعيط على تراب فاكره ترابك؟ النعش المقفول… الحادثة… أمك اللي صرخت في حضني… كل ده كان تمثيلية؟! ليه؟ عملت فيكِ إيه عشان تموتيني وأنا صاحي؟!
دموعها نزلت بغزارة، وحاولت تفك يديها من على كتفيها وهي بتتلفت وراها برعب، وقالت بصوت واطي ومبحوح:
— وطي صوتك أرجوك… أمي جوه تعبانة ومش هتحمل الصدمة… أرجوك امشي يا رامي، امشي من هنا وماترجعش تاني، اعتبر اللي شفته في الكاميرات كان شبه، اعتبرني مت زي ما كنت فاكر!
— أعتبرك مت؟! — صرخت بصوت مخنوق وأنا بحاول أتحكم في غضبي — أنتِ شيفاني مجنون؟ أنا بقالي خمس سنين ببعت ٢٠ ألف جنيه كل شهر، فاكر إني بساعد ست غلبانة، وأنتِ هنا بتاخدي الفلوس وعايشة حياتك! فهميني في إيه؟! مين اللي ماتت في العربية؟
في اللحظة دي، سمعنا صوت كحة قوية وجافة جاية من الأوضة اللي جوه، وصوت ضعيف ومرتعش بينادي:
— مين عندك يا نور؟ مين اللي صوته عالي كده يا بنتي؟ ركبي وجعاني ومش قادرة أقوم… مين بره؟
مريم بصتلي بنظرة رجاء وتوسل، وقالت وهي بتمسح دموعها بسرعة:
— أرجوك… عشان خاطر أي حاجة حلوة كانت بينا… ادخل معايا وماتقولهاش حاجة تصدمها… أمي بتموت فعلاً وجالها شلل نصفي بعد الحادثة… ادخل وهفهمك كل حاجة… بس أرجوك بلاش نبرة الغضب دي قدامها.
أخذت نفساً عميقاً وأنا أحاول استيعاب الكابوس أو المعجزة التي أنا فيها. مشيت ورا مريم ودخلنا الأوضة الداخلية.
الأوضة كانت ضلمة، مفيش فيها غير سرير خشب قديم، ولمبة وناسة صفراء ضعيفة. على السرير كانت بتنام الحاجة مارتا. لكنها لم تعد تلك الست القوية التي كانت تشاكسني وتضحك. كانت عبارة عن جسد هزيل جداً، وجهها شاحب، وعينيها غائرة.
لما شافتني، عينيها برقت، وحاولت ترفع إيدها المرتعشة وصوتها طلع متقطع:
— رامي؟ ابني؟ أنت جيت؟ يا حبيبي يا ابني… عاش من شافك.
دموعي نزلت غصب عني لما شفت حالتها. قربت منها وقعدت على طرف السرير وأخدت إيدها بوستها. الزنب اللي كان جوايا إني مقصر معاها تحول لعلامة استفهام ضخمة.
— أيوة يا أمي… أنا رامي. جيت أطمن عليكي.
الحاجة مارتا بصت لمريم وقالت:
— شفتي يا نور؟ شفتي جوز أختك المرحومة مريم؟ الأصيل أصيل يا بنتي… بقاله خمس سنين مابيقscreen عننا القرش اللي بيشغلنا ويعالجني… لولا فلوس رامي يا بنتي كنا اتفضحنا وميعاد الدكاترة فاتنا.
كلام الحاجة مارتا نزل عليا زي المية الساقعة. “جوز أختك المرحومة مريم؟!”… “يا نور؟!”.
التفتت لمريم (أو اللي كنت فاكرها مريم) وبصيت لها بذهول. مريم مكنش عندها أخت تذكر! كانت دايماً بتقولي إنها البنت الوحيدة لأمها وأبوها اللي مات وهي صغيرة. من أين ظهرت “نور” هذه التي تشبهها كفلق القمر؟
مريم كانت واقفة في زاوية الأوضة، وشها أبيض زي الورقة، وبتفرك في إيديها بتوتر وخوف. هزت راسها ليا من بعيد كأنها بتقولي “اسكت وماتتكلمش دلوقتي”.
قعدت مع الحاجة مارتا ربع ساعة وأنا بكلمها بكلام مشتت، وعقلي في مكان تاني خالص. لحد ما الأدوية اللي مريم ادتهالها بدأت تعمل مفعول، وعينيها قفلت وراحت في النوم.
مريم شاورتلي بإيدها وخرجت بره الأوضة على الصالة الصغيرة.
وقفت قدامها، وربعت إيدي وقلت لها بحسم:
— أظن دلوقتي مفيش داعي للتمثيل. أمك نامت. فهميني حالا… أنتِ مين؟ ومريم فين؟ وإيه الحكاية دي بالظبط؟!
مريم قعدت على كرسي متهالك، ودفنت وشها بين إيديها وبدأت تبكي بنشيج يقطع القلب. وبعدين رفعت راسها وبصتلي وقالت كلام خلاني أحس إن الأرض بتهتز تحت رجلي:
— رامي… أنا فعلاً مريم. مرأتك اللي عشت معاها سنتين في بيت واحد.
— طب وأمك بتقول “نور” ليه؟ وبتقول جوز أختك ليه؟!
مسحت دموعها وقالت بصوت مخنوق:
— لأن أمي عندها زهايمر تنكّسي من خمس سنين، الحادثة صدمتها وضيعت عقلها. هي مش فاكرة إن مريم ماتت، هي فاكرة إن مريم متجوزة وعايشة معاك في القاهرة، وفاكرة إن أنا “نور”… أخت مريم التوأم!
تنحت ومبقتش مجمع:
— توأم؟ أنتِ مكنش عندك إخوات!
— لأ… كان عندي. أنا ونور كنا توأم متطابق. بس لما بابا وماما اطلقوا وأحنا عندنا 3 سنين، بابا أخد نور وسافر بيها الصعيد، وماما أخدتني أنا وعشت هنا. ومحدش فينا كان يعرف عن التاني حاجة، لحد ما نور كبرت وجات تدور علينا من 6 سنين… وعشنا مع بعض فترة قصيرة جداً ومحدش من جيراننا هنا كان يعرف لأنها كانت بتقعد في البيت دايماً ومبتخرجش.
سكتت مريم ثواني، وأنفاسها بدأت تضيق، وكأنها بتستجمع شجاعتها عشان تقول السر الأعظم:
— يوم الحادثة… من خمس سنين… أنا مكنتش في العربية يا رامي. اللي كانت في العربية وماتت… هي نور!
مسكت راسي بإيديا والوضوح بدأ يظهر بس بشكل مرعب:
— نور؟ يعني اللي ماتت في الحادثة واندفنت في النعش المقفول كانت أختك التوأم؟
— أيوة… نور كانت أخدت عربيتي ورايحة تشتري حاجات لأمي من المدينة الساحلية، وعملت الحادثة بالبطاقة بتاعتي ورخصة عربيتي. لما المستشفى كلمت أمي، أمي راحت وشافت الجثة المشوهة وافتكرت إنها أنا، ومن الصدمة شللها زاد وعقلها طار. لما أنا وصلت المستشفى وعرفت… لقيت أمي بتموت وهي فاكرة إن بنتها مريم ضاعت.
وقفت مريم وقربت مني، وعينيها مليانة دموع مرعبة:
— وفي نفس اللحظة، جالي تليفون من خالتك في القاهرة… بتقولي إنك عرفت بالحادثة وجالك جلطة خفيفة في القلب من الصدمة ونقلوك المستشفى… الدكاترة قالوا لو رامي عرف إن مريم ماتت، ممكن يموت فيها.
رجعت لورا خطوة وأنا مش مصدق:
— فقررتوا تعملوا إيه؟
— أمي مكنتش مستحملة، وأنت كنت هتموت. خالتك اتفقت مع القسيس ومع أمي (قبل ما تفقد عقلها تماماً) إن الجنازة تتم على أساس إنها مريم، والنعش يفضل مقفول عشان الجثة مشوهة… والكل كان فاكر إن ده لمصلحتك ومصلحة أمي.
— لمصلحتي؟! — صرخت فيها — تعيشيني خمس سنين في وهم؟ أموت في اليوم ألف مرة؟ وأنتِ… أنتِ ليه مظهرتيش بعد ما أنا خفيت؟ ليه سبتيني عايش المأساة دي كلها؟ ليه استمريتي في دور الميتة؟!
مريم نزلت راسها في الأرض، وبكت بحرقة وهي بتقول:
— لأن الموضوع مبقاش بإيدي يا رامي… في سر تاني أنت متعرفوش عن الحادثة دي… سر لو انكشف، مش بس حياتي اللي هتنتهي… أنا ممكن أقضي بقية عمري ورا السجون، والـ 20 ألف جنيه اللي كنت بتبعتها كل شهر… مكنتش بتصرف على علاج أمي بس… دي كانت تمن لسكوت شخص تاني عرف الحقيقة وبيبتزنا!
يتبع…
