حبيب العمر حكايات اسما 3

الدكتور قرب من أحمد بسرعة وبدأ يفحص حدقة عينه بكشاف صغير، وطلب منه يحرك رجله الشمال وبعدين اليمين.. أحمد حركهم بتعب وبطء بس حركهم! يعني الشلل مش موجود، دي كانت أول معجزة.. بس المعجزة مكنتش كاملة، لأن أحمد رجع يبص لإيدي تاني ونظرة التوهة والخوف في عينه بتزيد، وجهاز ضربات القلب بدأ يعلى: “بيب.. بيب.. بيب.. بيب”.

الدكتور قالي بصوت واطي ومشدود: “رنا.. اطلعي برة فوراً.. ضربات قلبه بتعلى وده خطر على جرح المخ.. اطلعي!”

أحمد حرك راسه يمين وشمال كأنه بيدور على حاجة، وطلع صوت مخنوق من وسط الأجهزة وهو بيقول: “الشنطة.. الشنطة فين؟ الكشكول.. الكشكول البني..”

أنا هنا اتسمرت مكاني.. أحمد مش فاكرني أنا.. مش فاكر رنا حب عمره، بس فاكر الكشكول البني! فاكر السر اللي كان مخبيه تحت المرتبة!

الممرضة زقتني براحة لبرة الأوضة وقفلت الباب.. قعدت على الأرض في الطرقة، دموعي نازلة زي الشلال.. يعني إيه فاكر الكشكول ومش فاكرني؟ إيه اللي جوة الكشكول ده يخليه يبقى أول حاجة تيجي في عقله أول ما يفوق من غيبوبة وموت محقق؟

طلعت الكشكول البني من شنطتي وإيدي بتهتز.. أنا كنت قريت الصفحة الأولى بس اللي بيتكلم فيها عن المرض وعن خطته مع الدكتور.. قلبت الصفحات بسرعة.. الكشكول كان مليان كتابة، صفحات ورا صفحات من أيام الجامعة وأيام الشغل.. لحد ما وصلت لصفحة مكتوبة من سنة واحدة بس، قبل ما يتعب.. السطور كانت غريبة ومكتوبة بحبر أحمر عريض:

“النهاردة أنا شفتها.. شفت البنت اللي كانت بتيجي في أحلامي من وأنا عندي تمان سنين.. البنت اللي كنت متخيل إني مخترعها في خيالي وبسميها (رنا).. كانت واقفة في الشركة بتقدم على وظيفة.. لما شفتها قلبي وقف.. نفس الملامح، نفس الضحكة.. أنا دخلت حياتها باسم أحمد، ووقعت في حبي.. بس رنا ميعرفش إني مش أحمد اللي هي فاكراه.. هي فاكرة إني ابن جيرانهم اللي سافر من عشر سنين.. أنا مش أحمد يا رنا.. أنا..”

الكلام وقف هنا.. الصفحة اللي بعدها كانت مقطوعة بعنف!

حسيت إن دماغي هتنفجر.. يعني إيه مش أحمد؟ إي الكلام المجنون ده؟ ده أحمد اللي أنا عشت معاه وعرفته! ملامحه، صوته، حنيته.. إزاي بيقول إنه مش هو؟ وإزاي بيقول إنه شافني من سنة بس وإحنا مع بعض من وإحنا أطفال؟

حاولت أجمع خطوط الحكاية.. أحمد ابن جيراننا سافر مع أهله وهو عنده 14 سنة لبلد عربي، ورجع بعد 8 سنين عشان يدخل الجامعة هنا.. لما رجع، كان متغير شوية، ملامحه أعرض، صوته أعمق، بس كلنا قولنا ده طبيعي بسبب السن والغربة.. هل ممكن اللي رجع ده ميكونش أحمد؟!

في اللحظة دي، الباب بتاع العناية اتفتح.. الدكتور خرج وهو بيمسح عرق من على جبهته، بصلي وقال بنبرة غريبة: “رنا.. أحمد هدي.. وطلب يدخلك.. بس طلب طلب غريب جداً.. قالي (خلّي رنا تدخل.. ومعاها الكشكول البني).”

قمت وقفت، ونفضت الهدوم عني.. مكنتش خايفة، كنت حاسة إن عاصفة تانية بدأت.. عاصفة أكبر من مرض السرطان.. دخلت الأوضة وأنا ماسكة الكشكول في إيدي زي السلا..ح.

أحمد كان ساند ضهره على المخدات.. عينه كانت مليانة دموع ونظرته اتغيرت.. م بقتش نظرة التوهة، بقت نظرة انكسار وخوف.. بص للكشكول اللي في إيدي، وبص للدكتور وقاله: “يا دكتور.. ممكن تسيبنا لوحدنا خمس دقايق؟”

الدكتور بصلي كأنه بيطمن عليا، هزيتله راسي، فخرج وقفل الباب.. الأوضة بقت مفيش فيها غيري أنا والراجل اللي نايم على السرير.. الراجل اللي كتب كتابي عليه من يومين، واللّي مش عارفة هو مين دلوقتي.

قربت وقفت جنب السرير، وحطيت الكشكول قدامه وقلت بصوت ناشف وخالي من أي مشاعر:

“أنت مين؟”

أحمد غمض عينه، ونزلت دمعة سخنة على خده، أخد نفس عميق وطلعه بوجع وقال:

“أنا كنت عارف إن الممرضة شافتني وأنا بخبيه.. وكنت عارف إنك هتوصلتيله.. أنا اسمي الحقيقي (أدهم).. وأحمد.. أحمد يبقى أخويا التوأم.. اللي مات من عشر سنين في الغربة!”

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. الأوضة لفّت بيا وجهاز ضربات القلب بتاع أدهم — أو أحمد — كان صوته بيعلى في ودني لدرجة مبقتش سامعة غيره. رجعت خطوتين لورا وأنا بمسك دماغي بإيديا الاتنين، حاسة إن كل شبر في عمري اللي عيشته كان كدبة، إن الذكريات اللي كنت بتنفس بيها اتسرقت مني.

بصيت له بعيون مليانة رعب وعياط وقلت بصوت متقطع: “توأم؟ مات؟ إزاي.. إزاي وأنت اللي شيلتلي الشنطة؟ أنت اللي كنت بتخبّي لي الجاتوه؟ أنت اللي جيت وخطبتني وبكيت معايا لما عرفنا بالمرض؟ أنت مين؟!”

أدهم دارى وشه بإيديه وهو بيبكي بحرقة، صوته كان طالع مخنوق من الوجع: “أنا أدهم يا رنا.. أحمد الله يرحمه كان دايماً بيحكي لي عنك.. من وإحنا عيال برة مصر، مكنش ليه سيرة غير رنا.. رنا عملت، رنا ضحكت، رنا كبرت.. كان بيشيل صورك اللي بتبعتيها له في رسايل الإيميل القديمة ويوريها لي ويقولي: (دي هتبقى مراتي).. أنا عشت معاكي تفاصيل طفولتك ومراهقتك من كلامه، حبّيتك من غير ما أشوفك من كتر حبه ليكي.”

أخد نفس بالعافية وكمل وهو بيبص للكشكول البني: “قبل ما ننزل مصر بأسبوعين عشان الجامعة، أحمد عمل حادثة عربية صعبة.. ومات في المستشفى بين إيديا.. وقبل ما يموت، مسك إيدي وقالي جملة واحدة: (أنا واعدت رنا إني هبقى معاها.. بلاش تكسر قلبها يا أدهم.. روح عيش مكاني).. أنا جيت مصر وأنا شايل بطاقته، وشايل ملامحه اللي شبهي بالملّي، وعيشت وسط الناس على إني أحمد.. الكل صدقوني، حتى أهله مكنوش بيشوفوه كتر ما كان مسافر.. بس لما شوفتك في الشركة أول مرة.. عرفت إن أحمد مكنش بيحبك ربع الحب اللي أنا حبّيتهولك من أول نظرة.”

مسكت الكشكول ورميته على السرير بعصبية وأنا بصرخ فيه: “أنت مجنون؟ أنت عيشتني في وهم! عيشتني مع راجل ميت! والـ 20% أمل اللي حاربت عشانهم؟ والدكتور اللي اتفق معاك؟!”

أدهم نزلت دموعه وقال: “الدكتور ميعرفش إني أدهم! الدكتور يعرف إني أحمد.. الكدبة الوحيدة اللي اتفقت مع الدكتور فيها هي إني أموت بالبطيء عشان كنت خايف.. خايف العملية تنجح وأعيش عاجز فأتفضح، أو أفقد الذاكرة فالسر يموت معايا وتعيشي مع واحد مش فاكر حتى اسم أخوه.. أنا كنت مستعد أموت بالسرطان وأنا أحمد في نظرك، على إني أعيش وأنتِ عارفة الحقيقة وتكرهيني.”

وقف كلامه لما لمح ممرضة الطوارئ داخلة تجري لأن الأجهزة كانت بتصفر، بصت لنا بخوف وقالت: “يا مدام رنا، أرجوكي، المريض لسه خارج من جراحة مخ، انفعاله ده ممكن يعمل له نزيف داخلي حاد! اطلعي برة!”

بصيت له نظرة أخيرة.. نظرة كانت خليط بين حب عمره عشرين سنة، وصدمة عمرها دقايق.. وخرجت وأنا مش شايفة قدامي.

طلعت برا المستشفى خالص.. الشارع كان ضلمة، والهوا الساقع خبط في وشي. مشيت في الشوارع وأنا مش عارفة أنا رايحة فين.. الدبلة اللي في إيدي دي، دبلة مين؟ أحمد اللي مات في الغربة، ولا أدهم اللي جوة العناية المركزة بيحارب الموت؟ والوعد اللي وعدتهوله إني هلبس الفستان الأبيض.. هلبسه لمين؟

قعدت على رصيف في شارع فاضي، وفتحت المذكرات تاني.. قلبت في الصفحات المقطوعة، ولقيت ورقة صغيرة مطوية كانت مستخبية في الجلاد الوراني للكشكول.. فتحتها ولقيت خط أحمد الحقيقي.. الخط القديم اللي أنا عارفاها من رسايل زمان، وكان كاتب لأخوه:

“أدهم.. أنا عارف إن الحمل تقيل، وعارف إنك هتتعب عشان تقلد حركاتي وكلامي عشان رنا متلاحظش.. بس افتكر.. رنا مش بتحب اسم أحمد.. رنا بتحب الروح اللي هتحميها.. وأنا مطمن عليها معاك.”

حطيت إيدي على بوقي وأنا بكتم صرختي.. حتى أحمد كان عارف!

وفجأة، تليفوني رن برقم المستشفى.. رديت وإيدى بترتعش، جالي صوت الدكتور وهو بيقول بلهفة: “رنا.. تعالي بسرعة.. أدهم حالته تدهورت وفيه نزيف بدأ يضغط على مراكز الإدراك.. هو بيغيب عن الوعي ومش بينطق غير اسمك.. تعالي قبل ما يفوت الأوان!”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *