خيانه وندم حكايات اسما 3
قضى نايف الليلة كلها صاحي. الورقة كانت قدامه على الترابيزة، وكل شوية يرجع يقراها كأنه مستني الكلمات تتغير. “الشخص اللي هتشوفه هناك… إنت بتحبه أكتر ما تتخيل.” الجملة كانت بتلف في دماغه من غير ما تسيبه. مع أول ضوء للشمس نزل الشركة، لكنه ما دخلش مكتبه. راح مباشرة إلى قسم المراجعة الداخلية وطلب كل ملفات فؤاد السعدني. الموظفين استغربوا، لكن محدش سأل. فضل يقلب في الملفات ساعات طويلة، لحد ما لاحظ حاجة غريبة. فؤاد كان كل أسبوع تقريبًا يطلب إذن خروج لمدة ساعتين في نفس اليوم ونفس التوقيت. ولما راجع سجلات البوابات، لقى إن العربية اللي كانت بتستناه كل مرة مسجلة باسم شركة صغيرة عمره ما سمع عنها. كتب اسمها في ورقة، وحطها في جيبه، لكنه قرر يأجل أي خطوة لحد ما يروح المخزن.
طول اليوم كان الوقت ماشي ببطء شديد. كل ما يبص في الساعة يحس إنها واقفة. ولما عقاربها قربت من السبعة، ركب عربيته واتجه للمنطقة الصناعية القديمة. المكان كان شبه مهجور. مخازن قديمة، أعمدة نور نصها مطفي، وشوارع فاضية إلا من شوية عربيات نقل واقفة من غير حركة. وقف قدام المخزن رقم ثمانية عشر. نزل من العربية وهو ماسك المفتاح الصغير اللي كان جوه الظرف. الباب الحديد كان مقفول بقفل قديم. حط المفتاح، واتفاجئ إنه فتح بسهولة.
زق الباب ودخل.
التراب كان مغطي الأرض، وريحة الخشب القديم مالية المكان. النور كان ضعيف، لكن في آخر المخزن كانت فيه لمبة واحدة منورة فوق مكتب حديد. مشي ناحيتها بحذر. فوق المكتب كان فيه صندوق كرتون، وعليه اسمه.
فتح الصندوق.
لقى ألبوم صور.
أول صورة كانت ليه وهو طفل عنده عشر سنين، واقف جنب أبوه.
الصورة اللي بعدها في يوم تخرجه.
وبعدين صورة فرحه.
وبعدين صورة وهو شايل ليان أول مرة.
قلب الصفحات بسرعة وهو مش فاهم.
كل مراحل حياته كانت موجودة.
وفجأة لقى ظرف تاني.
فتحه.
طلع منه جهاز تسجيل صغير.
أول ما ضغط تشغيل، اشتغل صوت راجل كبير في السن.
“لو إنت هنا يا نايف… يبقى أنا معرفتش أقابلك بنفسي.”
عرف الصوت فورًا.
اتسعت عينه.
كان صوت أبوه.
الرجل اللي مات من أربع سنين.
قرب الجهاز من ودنه وهو مش مصدق.
الصوت كمل.
“يمكن تستغرب إزاي بسمعك دلوقتي… لكن التسجيل ده سجلته قبل ما أموت بفترة.”
نايف حس بقشعريرة.
“فيه سر أخفيته عنك سنين… وكنت فاكر إني بحميك.”
سكت التسجيل لحظة.
“شركتنا من أول يوم ما كانتش مجرد شركة نقل.”
اتعدل نايف في وقفته.
الصوت كمل.
“كان فيه شريك معايا… شريك محدش يعرفه.”
قلب نايف الصفحات بسرعة يمكن يلاقي أي اسم.
لكن مفيش.
رجع يركز مع التسجيل.
“قبل ما أموت طلبت منه يبعد عنك… لكنه رفض.”
سكت ثانية.
“ولو الأمور خرجت عن السيطرة… اعرف إن كل اللي حصل حواليك مش صدفة.”
في اللحظة دي…
انطفأت اللمبة الوحيدة في المخزن.
غرق المكان في ظلام كامل.
اتجمد نايف مكانه.
وبعدين سمع صوت باب المخزن بيتقفل بقوة من وراه.
لف بسرعة.
حاول يجري ناحية الباب.
لكنه ما فتحش.
بدأ يخبط عليه بعنف.
“مين؟”
مافيش رد.
وفجأة…
نور كشاف قوي اتسلط عليه من آخر المخزن.
وطلع صوت راجل هادئ بيقول:
“أخيرًا وصلت يا نايف… استنيت الليلة دي سنين.”
حاول نايف يشوف ملامحه.
لكن الكشاف كان مانع الرؤية.
الراجل قرب خطوة.
وقال بنفس الهدوء:
“قبل ما تسأل أنا مين… جاوبني على سؤال واحد.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“إنت جاي تدور على الحقيقة… ولا جاي تدور على طريقة تهرب بيها من ذنبك؟”
وقف نايف ساكت.
لأنه لأول مرة…
ماكانش عارف يجاوب.
فضل نايف واقف مكانه، نور الكشاف مسلط على وشه، ومش قادر يميز ملامح الراجل اللي واقف قدامه. رفع إيده يحجب النور عن عينيه وقال بصوت ثابت رغم التوتر: “أنا جاي أعرف الحقيقة.” ضحك الراجل ضحكة قصيرة وقال: “لأ… إنت جاي لأن كل الطرق اتقفلت في وشك. لو زهره كانت سامحتك، ولو الشركة كانت لسه في إيدك، ولو الصحافة ما عرفتش، ماكنتش هتيجي تدور على أي حقيقة.” الكلمات أصابته في مقتل، لكنه ما ردش. كان عارف إن جزءًا كبيرًا منها صحيح.
الراجل ضغط على مفتاح، فانطفأ الكشاف، وظهر وجهه أخيرًا. كان في أواخر الخمسينات، شعره أبيض، وملامحه هادئة بشكل غريب. نايف دقق فيه، لكنه ما عرفوش.
قال الراجل: “اسمي حسام عزمي.”
هز نايف رأسه.
“معرفكش.”
ابتسم حسام.
“لكن أبوك كان يعرفني كويس.”
مد إيده ناحية المكتب وأخرج ملفًا قديمًا، غطاه التراب. فتحه ووضعه أمام نايف.
“دي أول عقد شراكة اتعمل بيني وبين والدك من خمسة وعشرين سنة.”
نايف تناول العقد بسرعة.
اسم والده موجود.
واسم حسام عزمي موجود.
والتوقيعان واضحان.
رفع عينه وقال: “أبويا عمره ما قالي.”
تنهد حسام.
“لأنه خان الاتفاق.”
اتسعت عينا نايف.
“إيه؟”
قال حسام بهدوء: “اتفقنا نبدأ الشركة سوا. أنا كنت برأس المال، وهو بالإدارة. وبعد خمس سنين، نقل كل الأسهم باسمه من غير ما أعرف.”
نايف هز رأسه بعنف.
“مستحيل.”
رد حسام: “وده اللي خلاني أقاضيه.”
فتح درج المكتب، وأخرج نسخة من حكم قديم.
الحكم كان فعلاً بين والده وبين حسام.
لكن القضية انتهت بالتصالح.
قال نايف: “طالما اتصالحتم… ليه كل ده؟”
ابتسم حسام ابتسامة حزينة.
“لأن أبوك اعترف بغلطه.”
سكت لحظة.
“لكن اللي ما تعرفوش… إنه قبل ما ينفذ الاتفاق الجديد… مات.”
ساد الصمت.
قال نايف: “وده ذنبي أنا؟”
هز حسام رأسه.
“لأ.”
أخذ نفسًا عميقًا.
“لكن بعد وفاته، فيه ناس جوه الشركة قررت تستفيد من الفوضى.”
فتح ملفًا آخر.
كانت فيه صور لفؤاد السعدني.
واجتماعات مع أكثر من شخص.
وقال: “فؤاد كان واحد منهم.”
نايف سأل بسرعة: “مين الباقيين؟”
رد حسام: “لسه مش هقولك.”
اتعصب نايف.
“إنت جايبني هنا علشان تلعب معايا؟”
قال حسام بثبات: “أنا جايبك علشان أشوف إذا كنت لسه نفس الشخص الأناني… ولا اتغيرت.”
مد إليه ظرفًا آخر.
“فيه عنوان.”
فتح نايف الظرف.
كان عنوان دار رعاية للمسنين.
استغرب.
“وده إيه؟”
قال حسام: “فيه راجل هناك اسمه عم جابر.”
“ماله؟”
“كان السواق الخاص لأبوك عشرين سنة.”
عقد نايف حاجبيه.
“وليه ما يجيش يقابلني؟”
رد حسام: “لأنه بقاله سنتين رافض يشوف أي حد من عيلة حمدان.”
سكت لحظة ثم قال:
“لكن لما عرف إنك بدأت تدور… وافق يتكلم.”
أغلق الملف.
وقال بجدية:
“فيه حاجة واحدة لازم تعرفها قبل ما تروح.”
وقف نايف منتظرًا.
قال حسام:
“كل اللي اكتشفته لحد دلوقتي يخص الشركة.”
ثم نظر إليه مباشرة.
“لكن انهيار جوازك… ما تحاولش تعلقه على أي مؤامرة.”
انخفض صوت المكان كله مع وقع الجملة.
“اللي حصل بينك وبين زهره… اختيارك إنت.”
أطرق نايف رأسه.
لأول مرة منذ بدأت كل الأحداث…
لم يحاول يدافع عن نفسه.
خرج من المخزن بعد دقائق، والهواء البارد ضرب وشه.
ركب عربيته، لكنه لم يدُر المحرك.
ظل ينظر إلى عنوان دار الرعاية في الورقة.
كان يشعر أن أسرار والده ستفتح بابًا جديدًا تمامًا.
لكن في داخله، كان يعرف أن أصعب باب لن يفتحه أي شخص غيره.
باب الندم الذي تركه مغلقًا سنوات طويلة، ولم يبدأ يفتحه إلا بعد أن فقد زهره… وفقد ليان… وربما فقد نفسه أيضًا.
طلع نايف من المنطقة الصناعية وهو سايق من غير ما يشغل أي موسيقى. الطريق كان فاضي، لكنه كان سامع صوت حسام بيرن في ودنه: “انهيار جوازك… اختيارك إنت.” لأول مرة محدش كان بيحاول يبرر له، ولا هو كان بيدور على مبرر. وقف بعربيته قدام إشارة مرور، ولمح أب شايل بنته الصغيرة على كتفه وهي بتضحك وتشد في شعره. فضل يبصلهم لحد ما الإشارة فتحت، لكنه ما تحركش غير لما العربيات اللي وراه بدأت تزمر. وقتها بس حس إن كل لحظة ضاعت من عمر ليان مستحيل يشتريها بفلوس الدنيا.
تاني يوم الصبح، راح دار الرعاية اللي كان مكتوب عنوانها في الورقة. المبنى كان قديم، لكنه نضيف وهادي. استقبلته المديرة بابتسامة بسيطة، ولما قالها إنه جاي يقابل عم جابر، اختفت الابتسامة من وشها وسألته: “إنت نايف حمدان؟”
هز رأسه.
قالت: “استنى هنا.”
دخلت جوه، وبعد حوالي عشر دقايق رجعت وقالت: “وافق يقابلك… بس قال إن المقابلة مش هتزيد عن ربع ساعة.”
مشي وراها لحد أوضة في آخر الممر.
خبطت على الباب بهدوء.
وجاله صوت راجل كبير: “ادخل.”
فتح الباب.
لقى راجل تعدى السبعين، قاعد على كرسي متحرك، وشعره كله أبيض، لكن عينيه لسه فيهم نفس القوة.
أول ما شاف نايف، فضل ساكت شوية.
وبعدين قال:
“كبرت… وبقيت شبه أبوك جدًا.”
قرب نايف وقعد قدامه.
وقال باحترام:
“حضرتك كنت بتشتغل مع والدي؟”
ابتسم عم جابر.
“اشتغلت معاه سبعة وعشرين سنة.”
سكت لحظة.
“وشيلتك وإنت رضيع أكتر ما أبوك شالك.”
ابتسم نايف لأول مرة من أيام.
لكن الابتسامة اختفت بسرعة.
قال:
“أنا جاي أعرف الحقيقة.”
تنهد عم جابر.
“الحقيقة أنصافها أخطر من كدب كامل.”
فتح درج الكومودينو اللي جنبه.
طلع مفتاح قديم مربوط بسلسلة نحاس.
وحطه قدام نايف.
“عارف ده؟”
هز رأسه.
“لأ.”
قال:
“ده مفتاح المكتب القديم بتاع أبوك.”
استغرب نايف.
“مكتبه؟”
“المكتب اللي محدش دخله من يوم وفاته.”
اتسعت عينه.
“إزاي؟”
رد عم جابر:
“لأنه مش في الشركة.”
“أمال فين؟”
“في بيت قديم كان أبوك بيعتبره مكتبه الخاص.”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“كان بيقول إن بعض الأسرار ما ينفعش تدخل الشركة.”
بلع نايف ريقه.
“ليه محدش قالي؟”
ضحك عم جابر ضحكة خفيفة.
“لأن أبوك وصاني ما أقولكش غير لو جيت تدور بنفسك.”
قرب منه نايف.
“وفيه إيه هناك؟”
رد الرجل بهدوء:
“كل حاجة.”
“يعني إيه؟”
“دفاتر الحسابات الأصلية… تسجيلات… عقود… ورسائل بخط إيده.”
سكت ثانية.
“وفيه رسالة مخصوص ليك.”
قلب نايف دق بعنف.
“رسالة ليا؟”
هز عم جابر رأسه.
“قال ما تتفتحش إلا بعد ما تعرف قيمة اللي ضاع منك.”
ساد الصمت.
ثم قال عم جابر وهو باصص في عينه:
“قبل ما تروح هناك… عايز أسألك سؤال.”
“اتفضل.”
“لو اكتشفت إن أبوك كان مظلوم… والشركة اتسرقت منه فعلًا… هيفرق معاك؟”
فكر نايف ثواني.
ثم قال بصوت هادئ:
“زمان… كان هيفرق.”
سكت.
وبعدين كمل:
“دلوقتي… اللي فارق معايا بنتي.”
ابتسم عم جابر لأول مرة ابتسامة فيها رضا.
وقال:
“يمكن علشان كده… أخيرًا بقيت مستعد تعرف الحقيقة.”
مد إيده بورقة صغيرة.
كان مرسوم عليها عنوان بيت قديم في ضواحي القاهرة.
وفي آخر الورقة…
كتب والده بخط يده جملة قصيرة:
“لو وصلت لهنا يا نايف… يبقى الحياة علمتك الدرس اللي أنا فشلت أعلمهولك.”
خرج نايف من دار الرعاية وهو ماسك الورقة بإيده كأنها آخر خيط باقي من الماضي. ركب عربيته واتجه ناحية العنوان من غير ما يفكر. الطريق كان طويل، وكل متر كان بيرجعله ذكرى مع أبوه. افتكر أول مرة علمه يسوق، وأول مرة أخده الشركة وهو لسه طالب في الجامعة، وافتكر جملة كان بيقولها له دايمًا: “الراجل مش اللي يكسب فلوس كتير… الراجل اللي يعرف يحافظ على بيته.” وقتها كان بيسمعها ويمشي، دلوقتي بس فهم معناها.
بعد حوالي ساعة وصل لمنطقة قديمة هادئة، كلها فيلات مبنية من سنين طويلة. وقف قدام بيت دورين، سور حديد صدئ، وجنينة مليانة شجر ناشف. واضح إن محدش دخله من يوم وفاة أبوه. نزل من العربية وفتح البوابة بصعوبة، وصوت الحديد وهو بيصر كان مخيف وسط السكون.
طلع السلم الخارجي، ووقف قدام باب خشب كبير.
طلع المفتاح اللي اداهوله عم جابر.
لفه.
الباب اتفتح.
ريحة المكان كانت ريحة ورق قديم وخشب مقفول بقاله سنين.
دخل بهدوء.
كل حاجة كانت زي ما أبوه سابها.
مكتب خشب ضخم.
مكتبة مليانة ملفات.
وساعة حائط واقفة على نفس التوقيت اللي مات فيه.
قرب من المكتب، ولاحظ إن فوقه ظرف أبيض كبير، مكتوب عليه بخط واضح:
“إلى ابني نايف.”
إيده اترعشت وهو بيفتحه.
طلع منه جواب طويل.
أول سطر خلاه يقعد على الكرسي.
“يا نايف… لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود، ويبقى الزمن عمل فيك اللي كنت خايف يعمله.”
كمل يقرا.
“أنا كنت قاسي عليك أوقات كتير، ويمكن عمري ما عرفت أقولك إني بحبك بالطريقة اللي كنت تستحقها. لكن كان عندي خوف واحد… إن الفلوس تكبر في عينك لدرجة تصغر فيها الناس.”
نزلت دمعة من عين نايف.
الرسالة كملت.
“أنا بدأت الشركة من الصفر. نمت في المخازن، وسوقت العربيات بنفسي، وخسرت وكسبت، لكن عمري ما خسرت أمك. كنت أعرف إن الشغل ممكن يتعوض… إنما البيت لو وقع، صعب يقوم.”
وقف عن القراءة للحظة.
افتكر آخر مرة اتعشى فيها مع زهره.
كان ماسك الموبايل طول الوقت.
ولا حتى سألها أكلت ولا لأ.
رجع للرسالة.
“لو في يوم لقيت نفسك بتختار بين بيتك وبين غرورك… اختار بيتك.”
ابتسم بمرارة.
“واضح إني كتبت الرسالة دي بدري.”
قلب الصفحة.
لقى ظرف صغير متثبت بدبوس.
فتح الظرف.
طلع مفتاح تاني.
ومعاه ورقة مكتوب فيها:
“الخزنة اللي ورا اللوحة.”
رفع عينه.
كان فيه لوحة كبيرة لوالدته معلقة على الحيطة.
شالها.
ولقى فعلًا خزنة حديد.
فتحها بالمفتاح.
اتفتحت بسهولة.
لكن اللي كان جواها ماكنش فلوس.
ولا دهب.
كان فيه عشرات الكشاكيل الجلد.
وملفات.
وجهاز تسجيل قديم.
وفي ركن الخزنة…
علبة مخمل زرقا.
فتحها.
لقى خاتم دهب بسيط.
وتحته ورقة صغيرة.
“الخاتم ده لبسته لأمك يوم كتب الكتاب. لو في يوم ضيعت مراتك بسبب غرورك… احتفظ بيه، لأنك مش هتستحق تلبسه لحد تاني.”
فضل نايف ماسك الخاتم بإيده.
وبكى.
بكى بصوت عالي لأول مرة من غير ما يكون فيه حد حواليه.
بعد دقائق…
مسح دموعه.
وشغل جهاز التسجيل.
طلع صوت أبوه.
“لو وصلت للخزنة… يبقى فيه ناس حاولت تسرق اللي بنيته.”
سكت ثانية.
“لكن أهم حاجة في الخزنة دي… مش الملفات.”
سمع صوت درج بيتفتح في التسجيل.
“بص تحت الأرضية الخشبية اللي قدام المكتب.”
وقف نايف بسرعة.
بص للأرض.
كانت فيه بلاطة خشب مختلفة شوية عن الباقي.
ركع على ركبته.
ورفعها.
اتصدم.
كان فيه صندوق معدني صغير مدفون تحتها.
طلع الصندوق.
وحطه فوق المكتب.
لكن قبل ما يفتحه…
سمع صوت عربية وقفت برا البيت.
وبعدها…
صوت باب الجنينة بيتفتح.
حد كان داخل.
ولم يكن نايف وحده الذي عرف مكان هذا البيت القديم.
يتيع
اتجمد نايف مكانه وهو سامع صوت خطوات بتقرب من باب الفيلا القديمة. بسرعة رجع الصندوق المعدني مكانه، وقفل الأرضية الخشبية، وحط اللوحة في مكانها كأن محدش لمسها. وقف ورا الباب المؤدي للمكتب، وأنفاسه بقت تقيلة. بعد ثواني سمع مفتاح بيلف في الباب الرئيسي. اتفتح الباب من غير أي مقاومة، كأن اللي داخل معاه مفتاح هو كمان.
دخل راجل لابس بدلة رمادي، شعره خفيف، وماسك كشاف صغير بينور بيه أركان البيت.
كان بيتمشى بثقة.
واضح إنه عارف المكان.
قرب من المكتب وهو بيبص حواليه.
همس لنفسه:
“أكيد وصل قبلي.”
نايف اتفاجئ.
الراجل كان بيدور عليه هو.
استنى لحد ما بقى على بعد خطوات، وخرج فجأة من ورا الباب.
“واقف مكانك.”
الراجل انتفض، والكشاف وقع من إيده.
بص ناحية نايف واتسعت عينه.
“إنت!”
قالها بصدمة حقيقية.
نايف دقق في وشه.
وبعدين افتكره.
كان سامر.
المستشار القانوني اللي اشتغل مع والده سنين طويلة، وبعد وفاته ساب الشركة وسافر برة مصر.
قال نايف بحدة:
“إنت بتعمل إيه هنا؟”
سامر رفع إيده بهدوء.
“لو كنت جيت متأخر عشر دقايق… كنت هتموت.”
عقد نايف حاجبيه.
“يعني إيه؟”
“اللي بيدور على الصندوق مش أنا لوحدي.”
قبل ما يكمل…
سمعوا صوت عربية تانية وقفت برا.
وبعدين عربية تالتة.
سامر جري ناحية الشباك، وبص من فتحة الستارة.
وشه اتغير.
قال بصوت منخفض:
“وصلوا.”
نايف قرب منه.
شاف تلات عربيات سودا واقفة قدام البيت.
ونزل منها ست رجالة.
كلهم لابسين لبس واحد.
واحد منهم أشار ناحية الفيلا.
وبدأوا يتحركوا.
قال نايف:
“مين دول؟”
رد سامر:
“الناس اللي قتلت فؤاد.”
اتجمد نايف.
“فؤاد اتقتل؟”
هز سامر رأسه.
“ما ماتش طبيعي.”
بلع نايف ريقه.
“إنت عرفت منين؟”
رد بسرعة:
“لأن آخر مكالمة عملها قبل ما يموت كانت معايا.”
خبطات قوية هزت باب الفيلا.
صوت راجل من برة صاح:
“افتحوا… إحنا عارفين إنكم جوه.”
بص سامر ناحية نايف.
وقال:
“الصندوق فين؟”
نايف سكت.
سامر كرر السؤال بعصبية:
“الصندوق فين؟”
رد نايف بهدوء:
“في مكان آمن.”
ابتسم سامر لأول مرة.
“كويس… لأنهم لو أخدوه… كل اللي أبوك حاول يحافظ عليه هيروح.”
الخبط زاد بعنف.
وبعدين سمعوا صوت حديد بيتكسر.
الباب الرئيسي بدأ يتخلع.
لف سامر بسرعة وفتح درج المكتب.
طلع منه مسدس قديم.
حطه قدام نايف.
لكن نايف زقه بعيد.
وقال:
“مش هكرر غلطات جديدة.”
سامر مسكه تاني.
وقال:
“دي مش بطولة… دي نجاة.”
وفي اللحظة نفسها…
انهار الباب الرئيسي.
ودخل أول راجل من المجموعة.
لكن أول ما رفع عينه ناحية المكتب…
وقف مكانه فجأة.
واتغيرت ملامحه من القوة… إلى الذهول.
وقال بصوت مرتعش وهو بيبص على نايف:
“إحنا اتأخرنا…”
ثم وجه نظره إلى سامر وأضاف:
“هو عرف مكان الرسالة قبلنا.”
الراجل فضل واقف مكانه وهو باصص ناحية نايف، كأن وجوده في البيت قلب كل الحسابات. أما الخمسة اللي وراه، فدخلوا بحذر، لكن أول ما لمحوا سامر، تبادلوا نظرات سريعة، واضح إنهم كانوا عارفينه.
قال أكبرهم بصوت هادي:
“سلّم الصندوق… ونخرج من هنا من غير مشاكل.”
سامر ابتسم بسخرية.
“بعد كل اللي عملتوه… لسه بتتكلموا عن المشاكل؟”
الراجل ما ردش.
ثبت عينه على نايف.
“إنت مالكش دعوة باللي حصل زمان. خد حقك في الشركة، وسيب الصندوق.”
نايف بص له باستغراب.
“يعني إيه آخد حقي؟”
قال الراجل:
“كل اللي يهمنا اللي جوه الصندوق.”
سكت لحظة.
“الفلوس والشركة وكل حاجة تانية… خليها ليك.”
الجملة دي خلت نايف يتأكد إن اللي في الصندوق أهم بكتير من أي أوراق.
قال بهدوء:
“واضح إنكم مستعدين تسيبوا ملايين… علشان تاخدوا صندوق صغير.”
ابتسم الراجل.
“لأن اللي جواه… يساوي أكتر من كل الملايين.”
في اللحظة دي…
رن موبايل نايف.
كل الموجودين بصوا ناحية الصوت.
طلع الموبايل من جيبه.
الاسم اللي ظهر على الشاشة خلى قلبه يدق بعنف.
“المستشار عادل.”
بص سامر للموبايل وقال بسرعة:
“رد.”
فتح الخط.
جاله صوت المستشار هادي كعادته.
“أستاذ نايف… أنا آسف إني بكلمك في وقت زي ده.”
نايف رد وهو عينه على الرجالة:
“اتفضل.”
قال المستشار:
“فيه حاجة لازم تعرفها حالًا.”
“إيه هي؟”
“الأستاذة زهره تعرضت لمحاولة اعتداء وهي راجعة من جلسة المحكمة.”
اتجمد نايف.
“إيه؟!”
“اطمن… هي وليان بخير.”
اتنفس لأول مرة.
لكن المستشار كمل:
“العربية اللي كانت بتراقبها هربت قبل الشرطة ما توصل.”
لف نايف ناحية الرجالة اللي قدامه.
وقال ببطء:
“إنتوا مالكم بزهره؟”
أكبرهم رد فورًا:
“ولا أي حاجة.”
لكن ارتباكه فضحه.
صرخ نايف:
“لو حد قرب منها أو من بنتي…”
قاطعه الراجل:
“صدقني… إحنا ما لناش مصلحة فيهم.”
سامر بص لهم وقال:
“الكدب بقى سهل عندكم.”
ثم التفت لنايف.
“فاكر قلتلك إن اللي بيحصل أكبر من الشركة؟”
هز نايف رأسه.
قال سامر:
“لأن أبوك قبل وفاته خبّى حاجة… ناس مستعدة تعمل أي حاجة علشان متظهرش.”
أحد الرجال فقد أعصابه.
رفع صوته:
“كفاية كلام.”
وأشار لاثنين من اللي معاه.
“دوروا على الصندوق.”
بدأوا يفتشوا البيت بعنف.
يفتحوا الأدراج.
يرموا الملفات على الأرض.
يكسروا الأرفف.
نايف كان واقف بيتابعهم.
وفجأة…
افتكر حاجة.
لما شغل تسجيل أبوه…
قال له بوضوح:
“أهم حاجة في الخزنة… مش الملفات.”
يعني الصندوق نفسه…
ممكن يكون مجرد تمويه.
بص بسرعة ناحية الخزنة.
رجع فتحها.
بدأ يقلب الكشاكيل الجلد واحدة واحدة.
وفجأة…
لاحظ إن آخر كشكول أتقل من الباقي.
فتح الغلاف.
لقى الصفحات كلها ملزوقة.
حاول يفصلها.
اتفتحت بصعوبة.
ومن جواها…
طلع ظرف مسطح جدًا.
كان مخفي بإتقان.
أول ما شافه سامر…
صاح:
“هو ده.”
لكن قبل ما نايف يفتحه…
اندفع واحد من الرجال ناحيته.
حاول يخطف الظرف من إيده.
نايف لف بجسمه بسرعة.
وقع الاتنين على الأرض.
الظرف طار من إيده.
واتزحلق تحت المكتب.
سكت الجميع للحظة.
كل العيون اتجهت للمكان اللي اختفى فيه الظرف.
لأن كل واحد في الغرفة…
كان عارف…
إن الورقة اللي جواه…
قد تغير مصير الجميع.
اتجمدت الحركة في الغرفة كلها. لا حد اتحرك ناحية الظرف، ولا حد نطق بكلمة. حتى صوت الأنفاس بقى مسموع وسط الصمت. كان الظرف راقد تحت المكتب الخشب، نصه ظاهر ونصه مستخبي في الضلمة. كل واحد في المكان كان مستني التاني يتحرك الأول.
وفجأة…
اندفع واحد من الرجالة بكل قوته.
في نفس اللحظة، ارتمى نايف على الأرض قبله بجزء من الثانية.
مد إيده تحت المكتب.
لمس طرف الظرف.
لكن الراجل مسك دراعه بعنف.
بدأ الاتنين يشدوا في نفس الوقت.
الظرف اتقطع من النص.
نص فضل في إيد نايف.
والنص التاني وقع على الأرض.
سامر استغل اللحظة.
جذب الكرسي الحديد ورماه في اتجاه الرجالة.
اتعثر اتنين منهم.
وأخد نايف النص اللي وقع بسرعة.
رجع لورا وهو ضامم الورقتين على صدره.
صرخ أكبرهم:
“متفتحهوش.”
لكن نايف ما سمعش.
فتح أول ورقة.
كانت عبارة عن كشف حسابات قديم.
أسماء شركات.
تحويلات.
وتوقيعات.
لكن آخر صفحة كانت مختلفة.
كان فيها جدول مكتوب بخط يد والده.
عنوان كل شركة.
واسم الشخص الحقيقي اللي بيمتلكها.
وقف نايف فجأة.
لأنه شاف اسمًا عمره ما كان يتوقعه.
“خالد حمدان.”
أخوه.
اتجمدت ملامحه.
رجع قرا الاسم مرة واتنين.
نفس الاسم.
نفس الرقم القومي.
بص ناحية سامر.
وقال بصوت مبحوح:
“ده غلط.”
سامر أخد الورقة.
وبعد ثواني طويلة…
رفع عينه.
وكان وشه شاحب.
“للأسف… مش غلط.”
في اللحظة دي…
ابتسم الراجل اللي كان قائد المجموعة.
ابتسامة غريبة.
وقال:
“أخيرًا عرفت أول الحقيقة.”
صرخ نايف:
“إيه علاقة خالد بكل ده؟”
الراجل رد بهدوء:
“اسأل أخوك.”
ثم لف ناحية الرجالة اللي معاه.
وقال:
“انسحبوا.”
استغرب سامر.
“هتمشوا؟”
ابتسم الرجل.
“اللي كنا عايزينه حصل.”
وبدون أي مقاومة…
خرج هو والرجالة اللي معاه من الفيلا.
فضل نايف واقف مكانه.
الورقة بترتعش بين صوابعه.
قال لسامر:
“مستحيل.”
رد سامر:
“أنا معرفش الحقيقة كاملة.”
“خالد عمره ما يخوني.”
“يمكن.”
سكت لحظة.
ثم كمل:
“لكن وجود اسمه في ملفات والدك… معناه إن فيه تفسير لازم نسمعه منه.”
مر أقل من خمس دقائق.
ورنة موبايل نايف قطعت الصمت.
بص للشاشة.
الاسم اللي ظهر كان:
خالد.
اتردد قبل ما يرد.
وفي الآخر فتح الخط.
جاله صوت أخوه هادي بشكل أثار قلقه.
“إنت في بيت بابا القديم.”
ماكانتش سؤال.
كانت حقيقة.
رد نايف ببطء:
“إنت عرفت منين؟”
خالد سكت ثانيتين.
ثم قال:
“لأن المكان ده… أنا اللي كنت بروحه مع بابا آخر سنة قبل ما يموت.”
اتسعت عينا نايف.
“يعني إنت كنت عارف بوجوده؟”
“أيوه.”
“وعارف الملفات؟”
“أيوه.”
قبض نايف على الموبايل بقوة.
“وعارف إن اسمك موجود فيها؟”
ساد صمت طويل.
طويل جدًا.
لدرجة إن نايف افتكر إن الخط اتقفل.
لكن خالد أخيرًا اتكلم.
وقال بصوت مكسور لأول مرة في حياته:
“كنت عارف إن اليوم ده هييجي.”
بلع ريقه.
وأضاف:
“بس والله… الحقيقة مش زي ما إنت فاهم.”
تنفس نايف ببطء.
وقال:
“يبقى تعالى.”
“فين؟”
“بيت بابا.”
رد خالد فورًا:
“أنا في الطريق… لكن اسمعني كويس.”
“قول.”
“لو شفت عربية سوداء قبل ما أوصل… اقفل البيت واخرج من الباب الخلفي.”
عقد نايف حاجبيه.
“ليه؟”
جاءه الرد في جملة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقه:
“لأن الشخص اللي كان بيشتغل مع فؤاد… مش هو اللي بيدير اللعبة… واللي بيديرها عرف إن الملفات بقت معاك.”
نايف قفل المكالمة وهو باصص ناحية الباب الرئيسي. لأول مرة من بداية الكارثة، حس إن خالد نفسه بيتكلم وهو خايف. مش خايف على نفسه… خايف عليه. بص لسامر وقال: “إنت سمعت.” هز سامر رأسه وقال: “لازم نمشي حالًا.” لكن نايف كان لسه واقف مكانه، عينه على الورقة اللي فيها اسم أخوه. قال بصوت واطي: “أنا مش همشي قبل ما أفهم.” تنهد سامر وقال: “أوقات الحقيقة بتستنى، لكن الرصاصة لأ.”
في اللحظة دي سمعوا صوت محرك عربية وقف قدام الفيلا.
الاتنين جمدوا.
قرب سامر من الشباك بحذر، ورفع طرف الستارة سنتيمتر واحد.
وبعدين رجع بسرعة.
“دي مش عربية سودا.”
نايف سأله: “أمال مين؟”
رد: “خالد.”
نزل نايف يجري على السلم، وفتح الباب قبل ما أخوه يخبط.
خالد دخل بسرعة وقفله وراه، ووشه كله عرق.
أول حاجة قالها كانت:
“لقيتوا إيه؟”
نايف من غير كلام مد له الورقة.
خالد أخدها.
أول ما شاف اسمه، قفل عينه ثواني.
وكأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.
رفع عينه وقال:
“كنت عارف إن الورقة دي موجودة.”
صرخ نايف:
“يبقى كنت عارف كل حاجة!”
رد خالد بعصبية لأول مرة:
“لأ… كنت عارف إنها هتتهمني.”
ساد صمت ثقيل.
قال سامر:
“اشرح.”
خالد قعد على الكرسي، وحط وشه بين إيده.
“قبل ما بابا يموت بست شهور، استدعاني هنا.”
لف بعينه في المكتب.
“في نفس المكان ده.”
بلع ريقه.
“قال لي إنه اكتشف إن فيه ناس جوه الشركة بتسرق، وإنه بقى شاكك في أقرب الناس ليه.”
نايف سأله بسرعة:
“مين؟”
هز خالد رأسه.
“ما قالش.”
ثم أكمل:
“طلب مني أعمل حاجة غريبة.”
“إيه هي؟”
“قال لي: لو حصلي حاجة… خليك قدام الناس المتهم الأول.”
اتسعت عينا نايف.
“إيه؟”
“قال إن اللي بيدير السرقة بيدور على الملفات دي من سنين، ولو شك إن الحقيقة معايا هيقضي عليّ، لكنه في نفس الوقت هيبعد عن الشخص اللي معاه الدليل الحقيقي.”
عقد سامر حاجبيه.
“يعني كان بيستخدمك طُعم.”
ابتسم خالد بمرارة.
“بالظبط.”
نايف فضل باصص لأخوه.
كل الغضب اللي كان جواه بدأ يهدأ.
لكن سؤال واحد لسه معلق.
“طب والدليل الحقيقي مع مين؟”
خالد بص حواليه.
وبعدين أشار بإصبعه ناحية المكتب.
“كان هنا.”
“كان؟”
“أيوه.”
قرب من المكتبة.
مد إيده لكتاب قديم.
شده.
فجأة…
اتحرك جزء من الحائط بصوت خافت.
اتفتحت فتحة صغيرة.
نايف وسامر بصوا لبعض بدهشة.
خالد مد إيده جوه.
لكنه وقف فجأة.
ملامحه اتغيرت.
سحب إيده ببطء.
كانت فاضية.
قال بصوت خافت:
“مستحيل…”
قرب نايف بسرعة.
بص جوه التجويف.
كان فاضي تمامًا.
قال:
“كان فيه إيه هنا؟”
رد خالد:
“دفتر أسود.”
“إيه أهميته؟”
“كان بابا كاتب فيه كل حاجة بإيده.”
اتجمد سامر.
“يعني أسماء الناس… والحسابات… وكل الأدلة.”
هز خالد رأسه.
“أيوه.”
سكت الجميع.
لأن التجويف الفاضي معناه حاجة واحدة.
حد سبقهم للمكان.
لكن نايف لاحظ شيئًا صغيرًا في آخر التجويف.
مد إصبعه بحذر.
طلع قصاصة ورق صغيرة جدًا كانت ملزوقة في الخشب.
فتحها.
ماكانش فيها غير سطر واحد بخط والده.
“لو الدفتر اختفى… يبقى ابحثوا عند الشخص الوحيد الذي كان يملك نسخة من مفاتيح هذا البيت.”
رفع نايف رأسه ببطء.
نظر إلى خالد.
ثم إلى سامر.
وقال:
“مين كان معاه نسخة المفاتيح؟”
قبل أن يجيب أحد، دوى صوت إنذار سيارة من الخارج، تبعته أضواء زرقاء وحمراء انعكست على زجاج الفيلا، ثم سمعوا طرقًا قويًا على الباب وصوتًا ينادي:
“افتحوا… الشرطة.”
نظر الثلاثة إلى بعضهم في صمت. أول واحد اتحرك كان سامر. همس بسرعة: “ما تفتحش.” لكن خالد رفع إيده وقال: “استنى.” قرب ناحية الشباك وبص بحذر. كانت فعلًا عربيتين شرطة واقفين قدام الفيلا، لكن كان فيه عربية مدنية سودا واقفة على بعد أمتار، موتورُها شغال، ومن جواها شخص قاعد يراقب البيت من غير ما ينزل.
قال خالد بصوت منخفض: “الشرطة حقيقية… لكن اللي في العربية السودة هو اللي مقلقني.”
الطرق على الباب زاد.
“افتح يا أستاذ نايف… إحنا معانا إذن تفتيش.”
بص نايف ناحية سامر.
“إذن تفتيش؟”
رد سامر بقلق: “حد بلغ عن المكان.”
خالد قال بسرعة: “افتح. الهروب دلوقتي هيخليك متهم.”
تنفس نايف بعمق، ومشى ناحية الباب.
أول ما فتح، دخل ضابط في أوائل الأربعينات، عرف نفسه بهدوء، ووراله أمر النيابة بتفتيش الفيلا.
قال الضابط: “وصلنا بلاغ إن فيه مستندات تخص قضية مالية موجودة هنا.”
ناول نايف الورقة للمحامي سامر.
راجعها بسرعة.
كانت سليمة.
قال الضابط: “حضرتك تتعاون معانا، والتفتيش هيخلص بسرعة.”
بدأ أفراد الشرطة يفتشوا البيت غرفة غرفة.
نايف كان واقف يراقبهم.
لكن عينه كانت كل شوية تروح للعربية السودة اللي برا.
بعد عشرين دقيقة، نزل أحد الأمناء من الدور العلوي وهو ماسك حقيبة جلد قديمة.
قال: “يا فندم… لقينا دي فوق الدولاب.”
اتسعت عينا خالد.
“دي مش كانت هنا.”
نايف بص للحقيبة.
كان متأكد إنه ما شافهاش قبل كده.
الضابط فتحها.
كان جواها ملفات مالية.
وعقود.
وشيكات.
وفوق الكل…
دفتر أسود.
همس خالد:
“الدفتر.”
بصله نايف باستغراب.
“هو ده؟”
هز خالد رأسه.
لكن قبل ما الضابط يفتحه…
دخل أمين شرطة بسرعة من الباب وقال:
“يا فندم… العربية السودة اللي كانت واقفة قدام البيت هربت أول ما شافتنا.”
رفع الضابط عينه وقال:
“سجلتوا النمرة؟”
رد الأمين بأسف:
“كانت مطموسة.”
فتح الضابط الدفتر.
قلب أول صفحة.
وبعدين التانية.
وفجأة…
اتغيرت ملامحه.
رفع عينه ناحية نايف.
وقال:
“حضرتك تعرف إيه عن شركة اسمها الأفق للنقل؟”
هز نايف رأسه.
“ولا حاجة.”
قلب الضابط صفحة تانية.
“غريب.”
“ليه؟”
“لأن الدفتر بيقول إنك المالك الفعلي ليها.”
اتجمد نايف.
“مستحيل.”
سامر أخد الدفتر بسرعة.
بدأ يقلب الصفحات.
ثم قال:
“دي مش كتابة والدك.”
بص الضابط للدفتر.
“إيه اللي مخليك متأكد؟”
رد سامر من غير تردد:
“أنا اشتغلت معاه سنين.”
وأشار إلى السطور.
“دي محاولة تقليد… لكن مش خطه.”
ساد الصمت.
الضابط رجع بص لنايف.
“يعني حضرتك بتقول إن الدفتر مزور؟”
رد سامر:
“أيوه.”
أغلق الضابط الدفتر ببطء.
ثم قال:
“في الحالة دي… يبقى حد حطه هنا قبل ما نوصل.”
نظر مباشرة إلى نايف وأضاف:
“والسؤال دلوقتي… مين كان عنده وقت يدخل الفيلا ويخبّي الدفتر قبل وصولنا؟”
في تلك اللحظة، تذكر نايف شيئًا مهمًا.
قبل دخول الشرطة بدقائق…
كان هو وخالد وسامر منشغلين بالتجويف السري.
والباب الرئيسي…
كان مفتوحًا لعدة ثوانٍ دون أن ينتبه إليه أحد.
ابتلع ريقه وقال في نفسه:
“يعني… الشخص كان بينا داخل البيت.”
نايف سكت، لكنه رجع في دماغه كل ثانية عدت من أول ما دخل خالد الفيلا. الباب كان مفتوح فعلًا لدقايق، وكلهم كانوا واقفين قدام الحائط السري. لو حد دخل في اللحظة دي، كان يقدر يحط الحقيبة ويخرج من غير ما حد يحس.
بص للضابط وقال:
“أنا مستعد أديكم كل اللي أعرفه.”
الضابط قفل الدفتر وقال:
“وده اللي هنعمله… لكن الحقيقة مش هتظهر بالسرعة اللي حضرتك متخيلها.”
اتنقلت كل المستندات للنيابة، واتشمع البيت بالشمع الأحمر، وخرج نايف مع خالد وسامر تحت أنظار رجال الشرطة.
أول ما ركبوا العربية، قال خالد:
“الدفتر المزور معناه إن الدفتر الحقيقي لسه موجود.”
هز سامر رأسه.
“وده معناه إن اللي بيلعب اللعبة دي لسه متقدم بخطوة.”
مر أسبوع كامل في تحقيقات متواصلة.
كل يوم كان نايف يروح النيابة.
وكل يوم كانت الأدلة المزورة تقع واحدة وراء التانية.
خبراء الخطوط أكدوا إن الدفتر الأسود مكتوب بخط مقلد.
وخبراء البصمات أثبتوا إن الحقيبة دخلت الفيلا قبل وصول الشرطة بدقائق قليلة.
لكن ماحدش عرف مين اللي حطها.
في نفس الوقت…
كان نايف ملتزم بقرار المحكمة.
كل يوم جمعة يروح مركز الرؤية.
يقعد ساعة كاملة مع ليان.
في أول زيارة…
الطفلة فضلت تعيط أول عشر دقايق.
ما كانتش عارفاه.
كان بيحاول يشيلها، لكنها كانت تمد إيديها ناحية زهره.
قلبه كان بيتقطع.
أما زهره…
فكانت قاعدة بعيد، تراقب بصمت.
لا شماتة.
ولا فرحة.
بس وجع قديم لسه ما خفش.
مرت الشهور.
ونايف بدأ يغير حياته فعلًا.
باع العربية الرياضية.
وسدد كل الأموال اللي خرجت من الشركة في غير حقها من حسابه الشخصي.
استقال من منصبه التنفيذي لحد انتهاء التحقيقات.
وبدأ يزور أمه كل أسبوع.
وأول مرة في حياته…
بقى يقفل موبايله وهو قاعد مع الناس اللي بيحبهم.
أما سيلينا…
فاختفت تمامًا.
وسافرت خارج مصر بعد ما اتورط اسمها في التحقيقات المالية، ولم يعد بينهما أي تواصل.
وبعد ثمانية أشهر…
صدر الحكم النهائي في قضية الشركة.
أثبتت التحقيقات أن المدير المالي فؤاد كوّن مع مجموعة من الموظفين شبكة لتزوير العقود وتحويل الأموال، مستغلين إهمال نايف وتوقيعاته غير المدققة.
لم يكن نايف العقل المدبر.
لكنه كان مسؤولًا عن الإهمال الذي سمح بكل ذلك.
خسر جزءًا كبيرًا من ثروته في التعويضات والغرامات.
لكنه احتفظ بحريته.
خرج من المحكمة يومها، وأول مكان راحه كان مركز الرؤية.
دخل لقى ليان بتجري في الصالة الصغيرة.
أول ما شافته…
وقفت.
بصت له ثواني.
وبعدين قالت لأول مرة:
“بابا.”
الكلمة كانت بسيطة.
لكنها كانت أغلى من كل الشركات اللي امتلكها.
شالها بين إيديه، وهي حطت راسها على كتفه من غير خوف.
رفع عينه.
لقى زهره واقفة عند الباب.
قرب منها بهدوء.
وقال:
“أنا عارف إن كلمة آسف قليلة.”
هزت رأسها.
“قليلة فعلًا.”
سكت.
ثم قال:
“ومش جاي أطلب إننا نرجع.”
استغربت.
كمل:
“أنا جاي أقول إني هفضل طول عمري أحاول أكون أب يستحق البنت دي… حتى لو عمري ما بقيت جوزك تاني.”
بصت له طويلًا.
ثم قالت:
“التغيير الحقيقي… بيبان مع الوقت.”
ابتسم ابتسامة هادئة.
“وأنا معايا العمر كله.”
بعد عامين…
كانت ليان بدأت تدخل الحضانة.
وأصبح نايف يراها بانتظام، يذهب إلى حفلاتها المدرسية، ويشارك في تفاصيل حياتها الصغيرة التي كان قد ضيع بدايتها.
أما زهره…
فلم تعد تحمل الغضب نفسه.
سامحته كإنسان.
لكنها لم تنسَ الماضي، ولم تعد إليه زوجًا.
تعلمت أن التسامح لا يعني العودة، وأن بعض العلاقات تنتهي، لكن الاحترام يمكن أن يبدأ من جديد.
وفي إحدى أمسيات الشتاء…
كان نايف يسير ممسكًا بيد ليان الصغيرة.
سألته وهي تنظر إليه:
“بابا… هو إنت بتحبني؟”
ركع على ركبتيه أمامها.
وقال والدموع في عينيه:
“أكتر من أي حاجة في الدنيا.”
ابتسمت الطفلة، واحتضنته.
وفي تلك اللحظة…
فهم نايف أن النجاح الحقيقي لم يكن في الشركات، ولا القصور، ولا الحسابات البنكية.
كان في حضن صغير…
كاد أن يخسره إلى الأبد.
النهاية.