حكايات رومانى مكرم 2

دخلت ليان في مرحلة من الصمت المطبق. كلمات حماتها، وبوست معتصم “الملقح”، كانا بمثابة إعلان حرب باردة. شعرت أن الخمسين ألف جنيه لم تعد مجرد مبلغ مالي، بل أصبحت “ترمومتر” يقيس مدى استغلالهم لها.

في المساء، فوجئت بوالدها يطلب الجلوس معها. كان والداها هادئًا على غير العادة، قال لها:

— “يا ليان، معتصم كلمني.”

قلبها دق بعنف:

— “قالك إيه يا بابا؟”

رد الأب بنبرة فيها عتاب مر:

— “بيشتكي إنك مش مقدرة ظروفه، وإنك بتتعاملي معاه كأنه غريب وعايزة تمضيه على وصولات. يا بنتي، البيوت متبنيش كدة، لو معاكِ فعلًا ومعتصم محتاج، ساعديه، ما هو في الآخر بيجهز ليكي.”

ليان شعرت وكأن الأرض تدور بها. حتى والدها، الرجل الذي رأى تعبها وسهرها، يراها الآن “مخطئة” لأنها تتمسك بحقها!

قالت بمرارة:

— “يا بابا، هو مكلمكش يطلب إيدي من جديد، هو كلمك عشان يضغط عليّ بالفلوس! لو أنا ساعدته النهاردة بفلوس جهازي، بكرة لما نحتاج نجدد حاجة أو نمر بأزمة، مين اللي هيشيل؟ هو اتعود إن الحل في جيبي أنا.”

لم يقتنع الأب تمامًا، وتركها وهو يقول:

— “فكري يا ليان، مش عايزين نخرب البيت عشان قرشين، والناس بدأت تسأل الفرح امتى.”

مرت ثلاثة أيام ومعتصم لا يتصل، بل استمر في نشر عبارات غامضة على السوشيال ميديا عن “الخيبة” و”سوء الاختيار”. كانت ليان تشعر بالوحدة، حتى في بيتها.

قررت ليان أن تأخذ خطوة جريئة. ذهبت إلى شقة الزوجية التي يتم تشطيبها دون علم أحد. فتحت الباب بمفتاحها، ودخلت. وجدت الشقة في حالة فوضى، لكنها لاحظت شيئًا غريبًا.. كانت هناك “كراتين” لأجهزة كهربائية لم يتفقا عليها، ماركات غالية جدًا ومستفزة لميزانية شخص يدعي “الزنق”.

بينما كانت تتفحص الكراتين، سمعت صوت مفتاح في الباب.

دخل معتصم، ولم يكن وحده.. كانت والدته معه.

تجمدت حماتها مكانها حين رأت ليان، لكنها سرعان ما استعادت برودها:

— “أهلاً يا ست ليان.. جاية تتفرجي على الشقة اللي مش عايزة تساعدي فيها؟”

ليان تجاهلت حماتها ونظرت لمعتصم:

— “إنت قولت إنك مزنوق يا معتصم.. أمال إيه الأجهزة دي؟ والماركات دي؟ دي تمنها يعدي الـ ٧٠ ألف جنيه!”

ارتبك معتصم، لكن أمه ردت بسرعة:

— “دي أجهزة “أخت معتصم” شايلاها هنا أمانة.. إنتِ مالك؟ وإلا كنتِ فاكرة إننا هنشحت منك؟”

ليان نظرت للكراتين، ثم نظرت لعين معتصم التي كانت تهرب منها، وفجأة لمحت “فاتورة” ملقاة على الأرض بجانب إحدى الكراتين. انحنت وسحبتها بسرعة قبل أن يمنعها معتصم.

كانت الفاتورة باسم “معتصم”، والتاريخ.. منذ أسبوع واحد فقط!

ليان ضحكت بذهول:

— “أخت معتصم برضه يا طنط؟ الفاتورة بتقول إن معتصم شاري الحاجات دي كاش من أسبوع.. يعني كان معاك فلوس يا معتصم، ومع ذلك جيت تطلب فلوس الجمعية بتاعتي وتضغط عليّ وتصغرني قدام أهلك وتخليني أبدو كأني ‘ست مش أصيلة’!”

صرخت حماتها:

— “إنتِ بتفتشي وراه؟ دي قلة أدب!”

معتصم تقدم نحو ليان وهو يحاول سحب الفاتورة من يدها:

— “هاتي الفاتورة دي يا ليان.. إنتِ فاهمة غلط، دي فلوس كنت مستلفها عشان أجيب الأجهزة قبل ما تغلى..”

ليان تراجعت للخلف، ونظرت إليهما باحتقار لم تشعر به من قبل:

— “إنت مكنتش مستلف.. إنت كنت عايز تاخد فلوسي عشان ‘تكمل’ الرفاهية بتاعتك، وتكسر عيني من أولها عشان أفضل دايمًا في خانة المقصرة اللي لازم تدفع عشان ترضيكم.”

خرجت ليان من الشقة وهي تجري، والدموع تغسل وجهها، لكنها المرة الأولى التي لا تشعر فيها بالخوف من “تأجيل الجواز”.

وصلت بيتها، فتحت الدولاب، وأخرجت الظرف الأبيض. نظرت إليه وقالت لنفسها: “الخمسين ألف دول هما اللي كشفولي الحقيقة.. دول مش تمن جهازي، دول تمن حريتي.”

لكن القصة لم تنتهِ هنا.. ففي اليوم التالي، انتشرت إشاعة في المنطقة وعن طريق حماتها، إن ليان “سرقت” مبلغا من معتصم كانت قد أخذته منه لتشتري به ذهبًا، وإنها الآن ترفض رده!

لم تكن ليان تتخيل أن الفجر الذي كانت تقضيه في البكاء، ستقضيه الآن في التخطيط لاسترداد كرامتها التي حاولوا دهسها بـ “إشاعة”.

في صباح اليوم التالي، كانت المنطقة كلها تتحدث عن “ليان” التي أخذت أموال خطيبها لتشتري ذهبًا ثم غدرت به. لم تنتظر ليان أن يدافع عنها أحد، حتى والدها الذي كان يلومها بالأمس، وقف عاجزًا أمام ضغط كلام الناس.

ارتدت ليان ملابسها، وأخذت “الظرف الأبيض” في حقيبتها، لكنها لم تتوجه لمنزل معتصم.. بل توجهت إلى **محل الأجهزة الكهربائية** الذي ظهر اسمه في الفاتورة التي خطفتها من الشقة.

بذكائها وهدوء أعصابها، وبحكم عملها في المبيعات، استطاعت إقناع صاحب المحل بـ “الاستعلام” عن الفاتورة، متعللة بوجود خطأ في الضمان. وهناك كانت المفاجأة الصاعقة:

— “يا آنسة، الأستاذ معتصم دفع مقدم 20 ألف جنيه، والباقي قسط.. بس الغريب إنه مضى على وصولات أمانة بأسماء مختلفة، منها اسم حضرتك كضامن!”

هنا، شعرت ليان ببرودة تجتاح جسدها. معتصم لم يكتفِ بمحاولة أخذ مالها، بل زوّر توقيعها أو كان ينوي توريطها في ديون لا تعلم عنها شيئًا ليجبرها على الزواج والبقاء تحت رحمته.

خرجت من المحل وهي لا ترى أمامها. اتصلت بمعتصم، ورد بنبرة “المنتصر”:

— “ها يا ليان؟ عرفتي قيمتي؟ الناس مابترحمش، ولو عايزة الحكاية تلم، هاتي الفلوس وتعالي نعتذر لماما ونقفل السيرة دي.”

ليان ردت بصوت كالرصاص:

— “أنا قدام محل الأجهزة يا معتصم.. وعرفت إنك مش بس كذاب، إنت كمان كنت ناوي تلبسني في قسط ووصولات أمانة. قدامك نص ساعة بالظبط، تكون عندي في البيت، وإلا الفاتورة والوصلات اللي في المحل هتبقى في القسم بتهمة التزوير والنصب.”

انقطع النفس من الجهة الأخرى، وأغلق معتصم السكة.

بعد أقل من ساعة، كان معتصم ووالدته في صالون منزل ليان. كان والدها حاضرًا، وعلامات الغضب بدأت تظهر على وجهه بعدما قصت عليه ليان ما عرفته في المحل.

بدأت الحماة بالهجوم كالعادة:

— “إنتِ عايزة تخربي البيت يا ليان؟ وصلات إيه وتزوير إيه؟ ده كله عشان مصلحتكم!”

هنا، وقفت ليان وفتحت حقيبتها، وأخرجت **الخمسين ألف جنيه**، ووضعتهم على الطاولة بقوة:

— “دي الفلوس اللي كنتوا هتموتوا عليها.. الفلوس اللي خلتكم تبيعوا شرفي وتألفوا قصص وتشهروا بيا في المنطقة.”

نظرت لمعتصم الذي كان ينظر للأرض بخزي:

— “الفلوس دي يا معتصم، أنا كنت شايلاها عشان أبني بيهم بيت.. بس اكتشفت إني كنت هبني بيت فوق ‘مقبرة’. الدبلة اهي..”

خلعت ليان الدبلة وألقتها فوق رزمة الأموال:

— “الجوازة دي انتهت. والفلوس دي مش هتاخد منها مليم، بالعكس، إنت هتمضي دلوقتي قدام بابا على إقرار إنك استلمت كل حقوقك، وإن الإشاعة اللي طلعتها عني كذب، وإلا هحبسك بالوصلات اللي في المحل.”

حاولت الحماة أن تتكلم، لكن والد ليان صرخ فيها:

— “ولا كلمة! ابنك طلع مش راجل، وإنتِ بدل ما تصوني عرض خطيبته، كنتِ بتساعديه يسرقها ويشهر بيها. اخرجوا بره، والورقة دي هتتمضي يعني هتتمضي.”

خرج معتصم وأمه يجران أذيال الخيبة، بعدما وقع معتصم على ورقة تُبرئ ليان أمام الجميع.

جلست ليان في غرفتها، الظرف الأبيض عاد لمكانه في الدولاب. لكنها لم تعد تلك الفتاة التي تبكي للسقف. نظرت لشاشة موبايلها المكسورة وابتسمت بمرارة:

— “أدي الموبايل هيتصلح، والجهاز هجيبه لنفسي ولبيتي اللي بجد.. بس الحكاية لسه ما خلصتش.”

لأنها وهي تلملم أغراضها من “شقة الزوجية” في اليوم التالي، اكتشفت شيئًا خلف دواليب المطبخ لم تكن تتوقعه أبدًا، شيء يثبت أن معتصم لم يكن يخطط فقط لسرقة “الجمعية”، بل كان هناك سر أكبر يخفيه هو وأمه.. سر يتعلق بـ “الشقة” نفسها!

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *