حكايات زهرة 2
## الجزء الثالث: “لعبة المرايا”
دخلت “ليلى الثالثة” المكتب، وكانت الصدمة أن وجهها مخفي وراء نقاب أسود كثيف، لكن صوتها كان مطابقاً لصوتي تماماً لدرجة أنني ارتبكت للحظة وشككت في حواسي. التفتت نحو عصام المزيف وارتمت في أحضانه وهي تبكي بنحيب مفتعل: “شوفت يا عصام؟ شوفت اللي انتحلت شخصيتي وعايزة تخرب بيتنا في ليلة دخلتنا؟ دي سرقت بطاقة ابن عمك وسرقت صوري من على الموبايل عشان تعمل التمثيلية دي!”
المأمور ضرب بيده على المكتب بقوة: “بس! إيه الزريبة اللي أنا قاعد فيها دي؟ تلاتة ليلى وواحدة منقبة وواحد بيقول إنه العريس والتانية بتقول إنها متعرفوش؟”
نظرتُ إلى تلك المنقبة بذهول، ثم صرخت: “ارفعي النقاب ده! لو إنتي ليلى علوان فعلاً، وريني وشك!”
المحامي الذي كان يرافقها تدخل بصرامة: “يا فندم، موكلتي في حالة نفسية سيئة بسبب الصدمة، ومن حقها ترفض كشف وجهها قدام الجمهور، لكن إحنا معانا قسيمة الجواز الرسمية، وبطاقة الرقم القومي، وكل الأوراق اللي تثبت إنها العروسة الحقيقية.”
بدأ المأمور يفحص الأوراق بتركيز، وأنا كنت أشعر أن فخاً محكماً يُطبق على رقبتي. نظرت إلى عصام المزيف، كان ينظر إليّ بنظرة انتصار خبيثة، وكأنه يقول لي: “لقد انتهيتِ”.
المأمور رفع رأسه وقال لي بنبرة جافة: “يا آنسة ليلى.. أو يا مدعية.. الأوراق اللي قدامي بتقول إن عصام وليلى (المنقبة) اتجوزوا رسمي من أسبوع. والفندق مقدم فواتير بـ 380 ألف جنيه باسم ليلى علوان برقم بطاقتك إنتي! يعني إنتي اللي حجزتي، وإنتي اللي استلمتي الخدمات، والآن بتدعي إنك متعرفيش العريس عشان تلبسيه الحساب وتخلعي بالدهب.”
قلت بصرخة مكتومة: “دهب إيه؟ وفرح إيه؟ أنا كنت في أوضتي طول الوقت، اسألوا العمال، شوفوا الكاميرات!”
نادية موظفة الفندق تدخلت فوراً: “يا فندم الكاميرات مبينة إن العروسة كانت بتدخل الأوضة 1806 (أوضة ليلى) وتغير هدومها وتخرج، يعني هي والعروسة شخص واحد!”
فجأة، تذكرت شيئاً.. شيئاً صغيراً قد يقلب الطاولة.
قلت للمأمور بهدوء مخيف: “يا فندم، العروسة اللي كانت في الفرح، كانت لابسة فستان أبيض، صح؟”
نادية: “طبعاً، وكان فيه ذيل طويل مطرز.”
قلت: “تمام.. والعروسة دي كانت بترقص وتتحرك قدام الناس، يعني أكيد لمست حاجات كتير في القاعة.. كاسات، معالق، أو حتى “أوكرة” باب الجناح.”
المأمور عقد حاجبيه: “عايزة توصلي لإيه؟”
قلت بقوة: “ارفعوا البصمات! ارفعوا بصمات العروسة اللي كانت في القاعة، وقارنوها ببصماتي. لو أنا هي، يبقى أنا مذنبة. ولو البصمات مختلفة، يبقى فيه حد انتحل شخصيتي فعلاً واستخدم ماسك أو مكياج سينمائي عشان يشبهني.”
لمحت ارتباكاً طفيفاً في عين عصام، أما المنقبة فقد توقفت عن النحيب فجأة.
المحامي قال بسرعة: “ده إجراء بياخد وقت طويل يا فندم، والفندق عايز حقه، وموكلتي عايزة دهبها.”
المأمور بدأ يشك، فطلب من العسكري التحفظ على الجميع في غرف منفصلة حتى يتم استدعاء خبير البصمات ومعاينة الجناح في الفندق.
بينما كان العسكري يسحبني، مررت بجانب عصام، فهمس لي بسرعة شديدة: “البصمات مش هتفيدك.. لأن اللي كانت في الفرح، لبست جوانتي طول الليل.. يا غبية.”
دخلت الحجز، وانهرت على الأرض. أنا الآن متهمة بالنصب، والسرقة، وانتحال الشخصية، ومطالبة بدفع مبلغ لا أملكه. لكن وسط هذا الظلام، تذكرت تفصيلة واحدة عصام نسيها..
في ورقة الحساب اللي نادية ادتهالي في الفندق، كان مكتوب: “عشاء خاص في الجناح الساعة 4 الفجر”.
في الوقت ده، أنا كنت صاحية وبكلم ماما فيديو كول عشان أوريها المنظر من البلكونة!
طلعت الموبايل بسرعة قبل ما العسكري ياخده مني، فتحت سجل المكالمات.. المكالمة مسجلة! لأن موبايلي فيه خاصية تسجيل المكالمات الفيديو تلقائياً.
فتحت الفيديو، وبدأت أشوفه.. الصدمة ما كانتش في المكالمة، الصدمة كانت في “انعكاس” صورة على زجاج البلكونة ورايا وأنا بتكلم..
شفت شخص لابس لبس عمال الفندق، كان بيفتح باب أوضتي “بمفتاح ماستر” وبيدخل حد معاك.. الحد ده كان “نادية” ومعاها “المنقبة”!
قبل ما أقدر أستوعب اللي شفته، باب الحجز اتفتح، ودخل المأمور ووشه متغير تماماً، وقال لي:
“آنسة ليلى.. اطلعي فوراً، فيه كارثة حصلت في مكتب التحقيقات!”
خرجت بجري، لقيت المكتب مقلوب، وعصام والمنقبة والمحامي اختفوا.. والظابط اللي كان بيحقق معاهم واقع على الأرض ومغمى عليه، وفي إيده ورقة صغيرة مكتوب عليها:
**”الدور مكنش عليكي يا ليلى.. الدور كان على اللي وراكي.”**
التفت ورايا برعب، مكنش فيه حد غير “نادية” اللي كانت واقفة بتترعش ومنهارة وبتقول: “أنا ماليش دعوة.. هما اللي هددوني يقتلوا عيالي لو مخلتكيش تمضي على ورقة استلام الدهب!”
فجأة، تليفوني رن.. رقم دولي.. من “إيطاليا”.
فتحت الخط وأنا برتجف: “ألو؟”
جاني صوت رخيم وهادي: “ليلى؟ أنا عصام ابن عمك.. أنا لسه واصل مطار القاهرة دلوقتي، وعرفت إنك في مشكلة.. بس يا ريت تلحقي نفسك، لأن الفندق اللي إنتي كنتِ فيه.. ملوش وجود أصلاً في السجلات الرسمية!”
وقعت من طولى.. “إزاي ملوش وجود؟ وأنا كنت نايمة فين بقالي 3 أيام؟!”
## الجزء الرابع: “الفندق الشبح”
كلمات عصام ابن عمي كانت زي السكين اللي قطعت حبل أفكاري. “الفندق ملوش وجود؟” أومال أنا كنت فين؟ والناس اللي شافتني، والطابور، والزحمة، ونادية، والـ 380 ألف جنيه؟
بصيت للمأمور اللي كان بيحاول يفوق الظابط المغمى عليه، وصرخت فيه: “يا فندم! عصام ابن عمي بيقول إن الفندق ده وهمي! يعني إيه وهمي؟ أنا كنت هناك من ساعة واحدة!”
المأمور بص لي بنظرة غريبة، نظرة خوف مش حزم، وقال بصوت واطي: “إحنا لسه جايلنا إشارة حالا.. المبنى اللي حضرتك كنتِ فيه، ده مبنى مهجور ومعروض للبيع من 5 سنين، وكان تحت الحراسة القضائية.. مفيش فندق اسمه (جراند حياة) في العنوان ده أصلاً!”
نادية، اللي كانت بتترعش، وقعت على ركبها وصوت سنانها وهي بتخبط في بعضها كان مسموع: “هما اللي عملوا كل ده.. هما اللي دهنوا الحيطان، وركبوا اليفط، وجابوا الممثلين عشان يقفوا في الطابور.. أنا مجرد موظفة غلبانة أجروني بـ 500 جنيه في اليوم عشان أمثل الدور ده عليكِ!”
مسكتها من هدومها بغل: “مين هما؟ وعايزين مني إيه؟ وأنا قضيت 3 أيام في مبنى مهجور إزاي ومحستش؟”
نادية بكت بهستيريا: “كانوا بيحطوا لك حاجة في الأكل.. كنتِ بتنامي 18 ساعة في اليوم، والوقت اللي بتصحيه كنتِ بتبقي مشوشة.. هما مش عايزين فلوس يا ليلى.. الـ 380 ألف دي كانت مجرد طُعم عشان يجرجروكي للقسم ويطلعوا منك (التوكيل)!”
فتحت عيني بذهول: “توكيل إيه؟”
المأمور سحب ورقة من وسط الملفات اللي سابها المحامي الهربان، كانت ورقة “توكيل عام شامل” باسمي، وممضي عليها إمضائي بالظبط!
“التوكيل ده بيدي عصام الحق في بيع كل أملاكك.. بما فيها نصيبك في ورث جدك اللي في المنوفية!” المأمور قال الجملة دي وهو بيبص لي بشفقة.
فهمت كل حاجة.. عصام “المزيف” ده مش مجرد نصاب، ده جزء من عصابة كبيرة عرفت إن ورث جدي اللي في المنوفية، الأرض اللي كانت عليها نزاعات، دخلت ضمن كردون المباني وبقت تساوي ملايين، وإن “عصام الحقيقي” في إيطاليا ميعرفش حاجة، فقرروا يخلصوا عليا أنا قانونياً ويخدوا كل حاجة.
فجأة، دخل عسكري وبص للمأمور برعب: “يا فندم.. فيه حريقة ضخمة ولعت في المبنى المهجور (الفندق).. النار بتاكل كل حاجة، والأدلة كلها بتضيع!”
في اللحظة دي، تليفوني رن تاني.. نفس الرقم الدولي. فتحت السبيكر: “عصام؟”
جاني صوت عصام الحقيقي، بس المرة دي كان فيه نبرة تحذير قاتلة: “ليلى.. اهربي من القسم فوراً! المأمور اللي واقف قدامك ده.. ملوش اسم في كشوفات وزارة الداخلية! القسم ده كمان تمثيلية!”
بصيت للمأمور.. لقيته بيبتسم ابتسامة باردة جداً، وبدأ يقلع الكاب بتاعه ببطء، والعساكر اللي كانوا واقفين بدأوا يقفلوا باب المكتب بالمفاتيح.
“ابن عمك ذكي زيادة عن اللزوم يا ليلى..” المأمور (المزيف) قال وهو بيطلع مسدس من درج المكتب، “بس للأسف، المكالمة دي جت متأخرة قوي. التوكيل بقا في إيدنا، وإنتي دلوقتي بالنسبة للعالم.. مختفية في حريقة فندق ملوش وجود.”
نادية صرخت، وأنا رجعت لورا لحد ما خبطت في الشباك.. مكنش فيه قدامي غير حل واحد، يا إما أرمي نفسي من الدور التاني، يا إما أستسلم لمصيري وسط “لعبة المرايا” دي.
وفجأة، النور قطع في “القسم” كله، وسمعنا صوت ضرب نار كثيف بره، وصوت سرينة عربيات شرطة (حقيقية) بتقرب.. وصوت “عصام” الحقيقي وهو بيصرخ من مكبر صوت بره: “سلموا ليلى.. المكان كله محاصر!”
بس الصدمة الحقيقية مكنتش في الشرطة.. الصدمة كانت لما النور جه للحظة، وشفت “المنقبة” واقفة ورا المأمور، ورفعت النقاب..
مكانيتش شبهي.. دي كانت **أنا**.. فعلاً أنا! توأمي اللي ماما قالت لي إنها ماتت وهي بتتولد!
وقفت مذهولة: “أمل؟”
بصت لي بجمود وقالت: “ليلى.. أنتي خدتي الحضن والدلع، وأنا خدت الشارع والغل.. ودلوقتي، أنا هاخد حياتك كلها.”
وقبل ما حد يتحرك، القنبلة المسيلة للدموع اترمت وسطنا، والدنيا اسودت تاني..
