حكايات رومانى مكرم 1

وضع جوزها مخدة واحدة بينهم على السرير لمدة 18 سنة كاملة بسبب “القرف”، لحد ما كشف ملف في التأمينات الحقيقة الصادمة.

لمدة 18 سنة بالظبط، ما لمسش سيد مراته منى… حتى بالغلط.

 

كل ليلة، كان يحط مخدة قديمة في نص السرير، عامل بينهم حيطه من التلج والصمت. ومنى كانت بتقبل الوضع ده من غير ما تشتكي، لأنها جواها كانت عارفة إنها تستاهل العقاب.

 

هي اللي خنته خيانة بشعة.

 

بدأت الحكاية عصر يوم مكتوم في شبرا الخيمة، الجو فيه ريحة تراب مبلول ودخان عربيات وريحة درة مشوية طالعة من أول الشارع. كانت منى واقفة في صيدلية، زهقانة من حياتها، بتحسب كل جنيه، ومستنية جوزها سيد اللي كان كل يوم يرجع من الورشة مهدود ومكسور من الشغل.

 

اسم الراجل التاني كان رامي.

 

ماكانش غني ولا أوسم من سيد، بس كان بيعرف يدخل لقلوب الستات بالكلام الحلو. كان يسمعها، يضحكها، ويحسسها إنها ست ليها قيمة… مش مجرد خدامة في بيت وجوز وعيال.

 

الموضوع بدأ برسالتين واتساب الصبح… وبعدين قهاوي مستخبية… وبعدين لمسات… لحد ما في يوم الساعة واحدة الضهر، دخلت معاه أوضة في فندق شعبي في المرج.

 

قبل ما تطلع فوق، قلعت دبلة جوازها وسابتها جنب الريسبشن.

 

وفي نفس الليلة رجعت البيت وشعرها مبلول، وقلبها بيتحرق من الذنب.

 

سيد كان قاعد ياكل في المطبخ.

حكايات رومانى مكرم

لا شتمها… ولا ضربها… ولا حتى سألها كانت فين.

 

بص بس على إيديها الفاضية من الدبلة، وقال بصوت ساقع يخوف:

 

— ادخلي اتحمي يا منى… ريحتك فيها ريحة راجل غريب.

 

الكلمة نزلت عليها زي السكينة.

 

انهارت تعيط وتصرخ واعترفتله بكل حاجة. افتكرت إنه هيطردها… أو يفضحها وسط أهلها… أو يمكن يمد إيده عليها.

 

بس سيد عمل حاجة عمرها ما توقعتها.

حكايات رومانى مكرم

قام فتح الدولاب، طلع مخدة قديمة، وحطها في نص السرير بينهم. وبعدين نام مديها ضهره.

 

ومن الليلة دي… ما لمسهاش تاني.

 

قدام الناس كان الزوج المثالي. ينزل يجيب الطلبات. يديها المصروف كامل. يفتح لها باب العربية القديمة بفخر.

 

الجيران كانوا يقولوا لها بحسد: — يا بختك يا منى… ده راجل ابن حلال، الزمن ده مابقاش فيه زيه.

 

وهي كانت تبتسم بالعافية، وتبلع وجعها في صمت. واتعلمت إن الراجل ممكن يدفنك بالحياة… من غير ما يعلي صوته حتى.

 

لكن السر كله انفجر في صباح يوم راح سيد يخلص ورق المعاش.

 

راحوا سوا مستشفى التأمين الصحي في شبرا، والزحمة كالعادة خانقة، والناس بتزعق، والممرضات بتنادي بالأسماء.

 

الدكتور بص في التحاليل الجديدة، وسكت فجأة. بعدها فتح درج قديم وطلع ملف أصفر عليه تراب السنين.

 

قال بصوت متردد: — يا أستاذ سيد… الموضوع ده مش جديد.

 

منى اتجمد الدم في عروقها. وقالت بخضة: — ماله جوزي يا دكتور؟

 

الدكتور طلع ورقة قديمة. سيد حاول يخطفها من إيده، لكن إيده كانت بتترعش جامد والورقة وقعت على الأرض.

 

الدكتور بص لمنى مباشرة وقال: — يا مدام… قبل ما أقولك تشخيص النهارده… لازم أعرف، جوزك قالك قبل كده إيه اللي حصل هنا من 18 سنة؟

#الكاتب_رومانى_مكرم

الأوضة كلها سكتت.

 

منى بصت لسيد… لقته وشه أصفر، وعرقان عرق ساقع، وعينيه مقفولين وهو بيهمس برجاء:

 

— لا يا دكتور… بالله عليك… بلاش.

 

انحنى الدكتور ورفع الورقة من الأرض، وبدأ يقرأ التقرير القديم بصوت هادئ، بينما كان سيد يرتجف وكأنه يواجه حكم الإعدام.

نظر الدكتور لمنى وقال:

— “التقرير ده تاريخه قبل واقعة خيانتك بسبع شهور يا مدام. أستاذ سيد جالي هنا زمان، وكان بيعاني من عجز كامل نتيجة إصابة عمل قديمة في الورشة، أثرت على الأعصاب بشكل دائم.”

وقعت الكلمات على منى كالصاعقة. اتسعت عيناها وهي تنظر لسيد الذي انهار على الكرسي وخبأ وجهه بين يديه. تابعت منى بذهول:

— “عجز؟ يعني إيه يا دكتور؟ يعني هو كان…”

قاطعها الدكتور بأسى:

— “يعني أستاذ سيد من 18 سنة وهو عارف إنه مش هيقدر يمارس حياته كراجل مرة تانية. هو كان بيتعالج هنا في السر، والتقرير ده بيقول إن حالته كانت مستحيلة وقتها.”

في تلك اللحظة، دارت الدنيا بمنى. تذكرت ليلة “المخدة”، وتذكرت جملته الشهيرة “ريحتك فيها ريحة راجل غريب”. أدركت الحقيقة البشعة التي أخفاها سيد طوال هذه السنين.

سيد لم يضع المخدة لأنه “قرفان” منها، ولم يبتعد عنها عقاباً لها على الخيانة.. سيد استغل خيانتها ليغطي على عجزه هو!

لقد جعلها تعيش 18 سنة في سجن من الذنب وجلد الذات، أقنعها أنها “ناقصة” ومجرمة، بينما كان هو يختبئ خلف خطيئتها ليحمي كبرياءه الذكوري. كان يرى دموعها كل ليلة وتوسلاتها لكي يسامحها، وكان يستمتع بدور “الضحية الشريف” وهو يعلم يقيناً أنه حتى لو أراد الاقتراب منها، لم يكن ليقدر.

قامت منى من مكانها، كانت خطواتها ثقيلة وهي تقترب من سيد الذي لم يرفع عينه عن الأرض. همست بصوت مخنوق:

— “يعني المخدة دي ما كانتش سد بيني وبينك عشان خنتك؟ دي كانت ساتر عشان ما كشفش خيبتك؟ 18 سنة بتخليني أحس إني حشرة وأنا بدفع ثمن غلطة.. وأنت كنت بتداري ورايا؟”

رفع سيد رأسه، وكانت عيناه حمراوين من القهر، وقال بفحيح مكتوم:

— “كنتي عايزاني أعمل إيه؟ أقولك إني مابقتش راجل؟ استنيت اللحظة اللي تغلطي فيها عشان أمسك عليكي ذلة تعيشي بيها خدامة تحت رجلي.. وفعلاً عملتيها، وريحتيني من نار السؤال كل يوم: ليه مابتلمسنيش يا سيد؟”

خرجت منى من المستشفى تجري في شوارع شبرا، لا تعرف هل تبكي على خيانتها القديمة، أم على عمرها الذي ضاع في سجن بناه زوجها بذكاء وشيطنة، مستغلاً لحظة ضعفها ليحولها إلى جارية للذنب.

**#الكاتب_رومانى_مكرم**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *